المحلل السياسي بين الوظيفة المهنية والظاهرة الاعلامية

11:49 - 27 يونيو, 2018 | شبكة المدونون العرب

حكمت البخاتي

التحليل السياسي يستند الى مجموعة من القيم والعناصر التي تمهد الى استنتاجات وتوقعات تعادل تنبؤات أو استشرافات مستقبلية في العواقب والنتائج، التي تقود اليها طبيعة وتركيبة الحدث السياسي الذي هو موضوع أو مادة التحليل السياسي، وتقف في مقدمة هذه العناصر الأطر المفاهيمية التي تشكل مرجعيات القدرة في النظر والتحليل السياسي، وتكون تلك الأطر والمفاهيم الساندة لها تعبير مباشر عن حذق النظر السياسي، وتخضع بطبيعة الحال الى اعتبارات المصالح والرغبات وليس بالضرورة تعبير عن نظريات سياسية سواء كانت بعيدة المدى أو متوسطة أو قريبة المدى، وهو دائما ما يطمح المحلل السياسي الى الاستناد اليها واستثمارها.
وكانت قد هيمنت الانساق النظرية اليسارية بعيدة المدى في عالمنا او في منطقتنا على مستويات وقدرات التحليل السياسي في ظل الحرب الباردة والصراعات المتحركة والساكنة بين نظامي القطبين، في الوقت الذي كانت تهيمن فيه النظريات الاقتصادية الكبرى على التحليل السياسي في الغرب، وقد تراجعت تلك الانساق الفكرية عن ادامة استثمارها في التحليل السياسي بعد سقوط المعسكر الاشتراكي والذي تراجع على اثر سقوط الفكر اليساري، وهو ما دعا المشتغلين بالعلوم السياسية الى التفكير باستبدالها بنظريات متوسطة أو قريبة المدى على أثر التحولات والتغيرات الجوهرية والمفاجئة والتي لم تعد تستوعبها الانساق الكلية والشمولية في استراتيجيات النظرية السياسية، مما حدا بالضرورة الى ايجاد السبل والمرتكزات الناشئة عن الحاجة الى ادراك المتغيرات من أجل اعداد التصورات والرؤى والافكار في مواجهة تلك المتغيرات.
وكانت مراكز الدراسات والبحوث التي تفرعت في تخصصاتها بدقة وبكثافة، واحدة من أهم المرتكزات الحديثة في القدرة على انتاج الرأي السياسي ذي السند العلمي والمنهجي، ولقد كانت المدخلات والمعايير أهم اشتراطات عمل هذه المراكز في تيسير البحث والوصول الى النتائج المرجوة وليس المتوقعة فحسب، لاسيما وان هذه المراكز ترتبط بمؤسسات وجهات سياسية دولية واقليمية لا تشكل الموضوعية بالنسبة لها أهمية علمية بالقدر الذي تضمنها لها هذه الموضوعية من صحة المعلومة والاستنتاج من أجل توظيفها في سياسة الدولة أو الجهة المعنية بالعلاقة بهذه المراكز والمعاهد العلمية – السياسية، وبهذا القدر تركز تلك المراكز والمحللين السياسيين العاملين في نشاطاتها على المدخلات المعدة سلفا والمعايير المشترطة في علاقة العمل بين هذه المراكز والجهات والأطراف الداعمة والمستفيدة.
ماثلية المحلل السياسي الاميركي
مراكز الدراسات والبحوث الاميركية ذات الخلفية العلمية والتقنية العالية، وزعت اهتمامها في نطاق دعم السياسة الخارجية للولايات المتحدة الاميركية، وكان لها دور مهم في ارساء تصورات الخارجية الاميركية والبيت الابيض حول المتغيرات في العالم، لاسيما عالمنا العربي الذي يعد الآن المادة الاكثر خصوبة واهتماما في الحقل البحثي والدرسي لهذه المراكز، لقد كان واحد من أبرز مدخلات عمل هذه المراكز هي الأصولية الدينية والصدام الثقافي للديمقراطية في مجتمعاتنا وتغليب وجهة النظر الاميركية في حلولها المقترحة لأزمات المنطقة وتركيز وجهة نظر الولايات المتحدة في ما يتعلق بدول الشر وفق التصنيف الاميركي لها.
اننا نشهد في التحليل السياسي الممارس أميركيا صياغة ذكية تبعده عن السياسات الرسمية الاميركية من أجل المحافظة على مسافة الفصل ديمقراطيا بين السلطة والرأي السياسي، والغرض منه هو التغليب السياسي للأفكار والتصورات الأميركية على مجموع الرأي العام الأميركي، اننا نشهد انتقادات حادة في الصحف الاميركية للسياسيين الأمريكان وقد طالت رؤساء البيت الأبيض، لكن هذه الصحف تحجم عن نقد السياسة الاميركية الخارجية مما يعكس اجماعا أميركيا رسميا وشعبيا في نهايات التحليل السياسي، وهو يرصد قراراته بالشرعية الدستورية بالتأييد الشعبي له، وهكذا نجد المعيار في توجيه التحليل السياسي الاميركي هو مصلحة البلاد العليا أو ما يعبر عنها أميركيا بالمصالح القومية العليا للولايات المتحدة أو حتى مصلحة نظام الحكم الرئاسي في الولايات المتحدة، ويعد ذلك المعيار الذي يأخذ بنظر الاعتبار دائما المتغير الجوهري في السياسة هو المتغير المستقل الذي تتحدد بموجبه المتغيرات التابعة، ويستمد هذا المتغير المستقل جوهريته في النموذج المعرفي الاميركي الخاص المتعلق بالخير الليبرالي والسوق الحرة. وهو ما يفسر التواطؤ المستمر بين مراكز البحث والدراسات الاميركية –والتي غالبا ما تتخذ من واشنطن مقرا لها– والادارات الاميركية المتعاقبة تجاه تقييم وتحليل اوضاع العالم والمنطقة.
 والمفارقة هو هذا التواطؤ بين هذه المراكز مع استنادها الى الوسائل والتقنيات العلمية والتحليلية تواطؤها وسطحية أفكار ترامب الذي لم ينظر اليه حتى في داخل الولايات المتحدة الاميركية على انه رجل سياسة بل رجل أعمال لا يحسن التفكير والتصرف السياسي.
لكن تظل تلك المراكز البحثية الاميركية تعمل وهي تعي وظيفتها في سياقات التحديات التي تواجه النظام الدولي الذي تستحوذ عليه الارادة والسياسة الاميركية، من هنا تظل ماثلية وظيفة المحلل السياسي الاميركي جاهزة ومتطابقة وغير مرتبكة في التنظيم الوظيفي والتخصصي العلمي والمعرفي، وغير مهيئة للاستباحة من قبل اطراف وافراد غير مصنفين على وظيفة المحلل السياسي اعلاميا وأكاديميا.
استباحة وظيفة المحلل السياسي
لقد شهدنا في عالمنا العربي استباحات متعمدة لوظيفة المحلل السياسي شأنها شأن كل الاستباحات المتكررة والمتعددة لكل المواقع الاستراتيجية والمهمة في الدولة والمجتمع في عالمنا، وعملية استباحة منظمة لكل الاشياء والامكانات في حياتنا وبواسطة تلك الاستباحات تشكلت واجهات أو وجاهات إجتماعية وسياسية، وصرنا نشهد توزيعا غير منضبط لهذه التخصصات والعناوين المهمة والمهنية على واجهات الاعلام.
 ولعل الاكثر انتشارا في استباحة المواقع والامكانات وأكثرها تداولا اعلاميا هو موقع او وظيفة المحلل السياسي وغالبا ما تأخذ صفته او محاولته طابعا ايديولوجيا محابيا ومدافعا عن نسق النظام السياسي الذي يتنمى اليه، وسياسات رجال هذا النسق الذي يمتهن الدكتاتورية او تغييب المصلحة الوطنية، ويذهب العمى الايديولوجي بهؤلاء المحللين العرب في مجاراة سياسات النسق الدكتاتوري الى تغييب كامل للموضوعية في الطرح والتحليل المعني به هؤلاء المحللون، ويتلخص الهدف في التحليل لديهم هو الدفاع عن قادتهم وكبارهم السياسيين أفرادا أو مجاميع ذات صفة قرابية أو حزبية، وهو خلاف ما يصنعه المحللون الدوليون الذي يمتهنون نقد ساستهم وأفراد حكوماتهم، وهم يتفقون معهم في امتناع بعضهم عن نقد سياسات دولهم، لكن المحللين المحليين والاقليمين لدينا يزيدون عليهم في انغماسهم في الدفاع عن سياسات أنظمة الحكم في دولهم.
وبالقدر الذي ينصب فيه جدل المحللين السياسيين لدينا على المتغيرات التي تحدث في المنطقة، وهي متغيرات اكثر ارتباكا في ما تعكسه من ارتباك الانظمة السياسية في المنطقة، فان رؤى وتصورات هؤلاء المحللين تتحول الى متغير تابع الى متغيرات السياسات الحكومية في المنطقة، وهكذا ترتبك قدرة المحلل السياسي لدينا ويرتبك أداؤه المعرفي والبحثي، وهنا نستحضر المحللين السياسيين الاتراك الذين بذلوا أقصى مفرداتهم اللغوية واللفظية المبتورة عن المعنى في الدفاع عن سياسة حكومتهم في التدخل في الشأن السوري الداخلي، وتأييد القوى المتطرفة وتأمين المعبر الاستراتيجي للإرهابيين من كل أنحاء العالم الى سوريا وحتى العراق، ثم نجدهم يلتزمون الصمت أو عدم حشر أنفسهم في القضية السورية على أثر انسحاب تركيا شبه كليا من التدخل في سوريا بتأثير روسيا وسياسة بوتين.
 لقد تحول الهذر الكلامي في ما يطلقون عليه التحليل السياسي باتجاه أكراد سوريا وتحركاتهم وادانة حليف الامس الولايات المتحدة حول سياستها وموقفها من قضية أكراد سوريا بعد ان سحبت تركيا اذيالها من دمشق باتجاه عفرين، وهي مواقف تحليلية تكشف عن تحول المحلل السياسي الى متغير تابع مما يفقده مصدرية التعويل عليه في توقعاته واستنتاجاته.
 وكذلك ينطبق المثال على المحللين السعوديين الذي تحكم تصوراتهم ورؤاهم ليس السياسات العامة للدولة السعودية بقدر ما تحكمه السياسات الخاصة للعاهل السعودي أو ولي عهده، كما يحدث الان مع ولي العهد محمد بن سلمان الذي انقلب على سياسات ورجال الملك السابق عبد الله بن عبد العزيز، وكان يتابعه في ذلك الانقلاب أكثر المحللين السياسيين السعوديين ماعدا جمال خاشقجي الذي غادر الاراضي السعودية الى واشنطن ليستقر فيها، ويصنف خاشقجي في منظومة السياسات السعودية قبل صعود نجم ولي العهد، وتعكس تلك الوقائع تذبذب الرؤية السياسية لدى هؤلاء المحللين السعوديين وعدم اعتمادها على عناصر ومقومات التحليل في النموذج المعرفي الذي يعبر عن البناء النظري والاستراتيجي للدولة وافتقاد امكانية الاستنباطات وقدرة الاستقراء على تحديد المتغيرات في المنطقة بما فيها السياسة السعودية، التي كانت تلك المتغيرات تتسبب في ابراز نقيضها الداخلي باتجاه التخلي عن سياسات الدولة السعودية كليا في سوريا وجزئيا في لبنان، وتخليها عن سياسة الصمت تجاه الدولة الخليجية المنافسة قطر، وهي سياسات لم تكن متوقعة على مستوى التحليل السياسي السعودي أو للمحللين السياسيين السعوديين أو على أقل تقدير لم يدلوا بآراء تتوقع ذلك التغيير، ولعل الظروف القائمة في الدولة السعودية تمنعهم من ذلك.
لكن المحلل السياسي في العراق قد لا يجد ذلك المانع في ظل فوضى الانفلات الاعلامي الذي يعكس فوضى التطبيق الديمقراطي، ومع كل هذا فهو لا يرقى بأفكاره وآرائه الى مستوى ناضج من التحليل السياسي، وتظل تهيمن عليه العواطف العادية للأفراد العاديين في تفكيره السياسي وتحليله المهني، ولذلك لا نجد فارقا كبيرا بين ما يفكر به المحلل السياسي لدينا وما يفكر به المواطن العادي، مما يجعل توقعاته واستنتاجاته يلفها الغموض ويشوبها الارتباك.
 ولعل عدم المهنية والتخصص العلمي والاكاديمي في التحليل السياسي هو الذي يمنع هؤلاء الافراد من تصويب وتوجيه التحليل السياسي بما يتفق وسياسات ومصالح الدولة العليا الا بشكل سطحي وعاطفي وانفعالي، ويبدو ان الكثرة غير المنطقية في اعداد القنوات التلفزيونية والاذاعية والتي توزعت على اعداد الاحزاب والتيارات والاشخاص هي التي تتسبب جزئيا وبشكل لافت في تزويد تلك الوسائل الاعلامية ولغرض ذرائعي في الترويج لهذه الوسائل وللجهات القائمة عليها في تزويدها بمبرر اطلاق أسم او عنوان المحلل السياسي على كل ضيوف البرامج السياسية والاخبارية في الاعلام العراقي الرسمي وغير الرسمي، وهكذا يتحول لدينا المحلل السياسي الى ظاهرة اعلامية تتراجع في ظل انتشارها وظيفة المحلل المهنية والاستشارية في السياسات المحلية والاقليمية والدولية وهي تشكل صلب وظيفة المحلل السياسي.