المرأة والمسرح التونسي: قصة نضال وكفاح على مدى أكثر من قرن

16:30 - 23 ديسمبر, 2017 | شبكة المدونون العرب

يقول الشاعر نزار القباني "كل كتابة هي أنثى ولو كتبها رجل، وكلّ ثقافة لا يعتد بها إذا لم تتشّكل في رحم امرأة"، فحبيبة مسيكة، جليلة بكار، منى نور الدين، لطيفة القفصي، رجاء بن عمار، ليلى طوبال وغيرهن، كلها أسماء نساء تونسيات اقترنت بحبهن للفن الرابع والعمل فيه بإبداع، إذ شكّل المسرح منذ ما يزيد عن قرن وجهة للمرأة التونسية المكبرة لقيمة الإبداع والقادرة على تجسيم طموحاتها الفنية بكثير من الإصرار. ورغم أنّ الحركة المسرحية في تونس، شهدت حضورا متواضعا للمرأة في البداية إلا أن طموحها الفني لم يثنها عن تثبيت خطاها في هذا المجال الشاسع. ورغم التقاليد الاجتماعية التي قيدتها  في فترة ما قبل الاستقلال، إلا أنها سجلت حضورا كبيرا إلى جانب الرجل، منذ إنشاء أول جمعية مسرحية تونسية (الشهامة الأدبية) سنة 1910، لتتوالى عقبها التجارب المسرحية النسائية، وتتعدّد ويترسّخ حضور المرأة ومكانتها في مجال الفن الرابع كممثلة وكاتبة ومنتجة ومخرجة حتى تصل اليوم  لمرحلة نيل جوائز محلية ودولية كبرى، ولعلّ أكبر دليل على ذلك ما شهدته الدورة 19 لأيام قرطاج المسرحية لسنة 2017 من حضور نسائي كبير من حيث التمثيل والإخراج على غرار المخرجة التونسية، وفاء الطبوبي، التي نالت جائزة الإخراج مناصفة عن مسرحيتها "الأرامل"، بالإضافة إلى مشاركة أكثر من 10 مسرحيات بإمضاء نسائي منها مسرحية "حورية" للمخرجة والكاتبة ليلى طوبال.
وعلى هامش فعاليات أيام قرطاج المسرحية التي عقدت بتونس ديسمبر الجاري، حاولت وكالة أخبار المرأة، في إطار مواكبتها لهذا الحدث، معرفة آراء عدد من مثقفي تونس (فنانين، كتاب، صحفيين، ممثلين ومخرجين)، حول دور المرأة في المسرح التونسي.
المرأة : من ممثلة إلى كاتبة ومنتجة ومخرجة
محمد المديوني، باحث تونسي وناقد مسرحي، يرى في حديثه لـ " وكالة أخبار المرأة " أن المرأة لها موقع هام في المسرح التونسي، خاصة من خلال بعض النساء الفنانات اللواتي أتقن الكتابة والقراءة ومثّلن استثناء في فترة ما قبل الاستقلال، التي كانت فيها وضعية المرأة هامشية وكانت تسمّى بـ"العنصر النسائي" (عدم وجود أي وجود ذاتي للمرأة) مثل "فضيلة خيتمي" التي كانت لها فرقة خاصة و"حبيبة مسيكة" وفاطمة وحسيبة رشدي، بالإضافة إلى وجود الأصوات التي تنادي بالمرأة وحريتها  كالطاهر الحداد صاحب كتاب "امرأتنا في الشريعة والمجتمع".
وقال المديوني، الذي أدار أول دورة لأيام قرطاج السينمائية بعد ثورة جانفي 2014، أنّه بعد الاستقلال، كان للحكومة الوطنية الناشئة الخيارات التي أنجزها الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة تنفيذا لما نادى به الطاهر الحداد و"لجنة الدفاع عن المسرح التونسي" التي تأسست سنة 1945، وقد تجلّى ذلك، وفق محدثنا، في الخطاب المؤسس بتاريخ 7 نوفمبر1960 الذي لفت النظر إلى مسألة المرأة ودعا إلى إنشاء المسرح المدرسي وإلغاء مصطلح "العنصر النسائي" نهائيا وتدريس المسرح في كل المعاهد و تغيير نظرة النساء وأوليائهم للمسرح واعتباره مجالا للإطلاع والمعرفة، إلى جانب الدور الذي لعبته "مدرسة التمثيل العربي" (نشأت سنة 1951من قبل لجنة الدفاع عن المسرح التونسي) وتكوين بعض الجمعيات، أصبح المجتمع ينظر للمسرح باعتباره فنا وليس منقصا من قيمة المرأة، ليبرز إثرها عدد كبير من الممثلات، من ثم جاءت فرقة مدينة تونس مع الراحل، علي بن عياد، الذي حقق صورة المسرح التونسي التي أرادها بورقيبة، حيث أنتج عديد المسرحيات، منها تلك المسرحيات التي لفتت أنظار الأشقاء في المشرق والمغرب وذلك بجمعها لعدد كبير من الممثلات، مثل ما حصل في إحدى مسرحياتها التي مثلت فيها قرابة 10 نساء.
وبيّن الناقد والباحث التونسي لـ " وكالة أخبار المرأة "  أن تجربة بن عياد مثلت نقطة انطلاق مهمة للمرأة في المسرح تطورت بعدها مع ظهور المسرح الجهوي والمعهد العالي للفن المسرحي الذي خرّج عددا كبيرا من النساء المسرحيات اللواتي درسن المسرح والتمثيل، ليتطور دور المرأة في المسرح إلى الإخراج والكتابة ولم يعد يقتصر على التمثيل فحسب، وأصبحن اليوم صاحبات خطاب ويشاركن في العملية المسرحية بكل تفاصيلها (كتابة، تمثيل، إخراج، إنتاج...)، لتتأكد وتتطور بعدها مع ظهور فرقة المسرح الجهوي وفرق القطاع الخاص التي ظهرت انطلاقا من سنة 1976 والتي لها علاقة تعاقدية مع وزارة الثقافة والدولة مثل المسرح الجديد الذي تجلى مع ظهور جليلة بكار ورجاء بن عمار.
وأضاف المديوني، "الاَن هناك جيل صاعد جديد يشتغل في المسرح على جميع المستويات، خاصة اللواتي أصبحن يخرجن ويكتبن ويمثلن"، مؤكدا على أن "نوعية مشاركة المرأة تطورت وأصبحت تتماشى مع تطور المجتمع التونسي ومع تطور المسارات التي عرفها، دون الحديث عن المسرحيات التي أنتجت والجوائز وغيرها"، وقد كانت كل هذه المؤشرات تدل على أن للمرأة حضورا يكاد يكون الآن حضورا عاديا طبيعيا تماشى مع تطور البلاد التونسية التي تغيرت فيه مشاكل المرأة التونسية، حيث لم تعد تعاني من إشكال السماح لها بالعمل في المسرح أو لا وإنما مشكلتها تكمن في كيفية فرض نفسها وفرض خطاب خاص بها يختلف عن البقية".
من جانبه، اعتبر الممثل كيلاني زقروبة، الذي كان عنصرا بارزا في مسرحية "رايونو سيتي" التي عرضت ضمن برمجة الدورة 19 لأيام قرطاج المسرحية، أن "دولة الاستقلال فتحت الأبواب أمام المرأة والمحاولات المتكررة للزعيم بورقيبة لتحرير المرأة وهي مرحلة مفصلية فوجدت المرأة في كل مجالات الحياة، و بعثت مراكز الفن المسرحي لتفتح آفاقا جديدة أمام الممثلين بصفة عامة وكذلك الفرق الجهوية القارة التي كان لها دور كبير في استقطاب عدد كبير من النساء وإشراكهن في الأعمال المسرحية على غرار الفنانة لطيفة القفصي ومراكز الفنون الدرامية، مؤكدا على الدور الأساسي الذي لعبه المسرح المدرسي في بروز جيل جديد من الممثلات على غرار فقيدة الساحة المسرحية رجاء بن عمار التي استطاعت مزاولة دراسة فن التمثيل في ألمانيا وبالتالي إثراء التجارب المسرحية وتنوعها، فكانت المرأة شريكة للرجل في تجارب مسرحية تتقاسم معه دور البطولة والكتابة مما أدى إلى ظهور مسرح "الأزواج" كرجاء بن عمار والمنصف الصايم، الفاضل الجعايبي وجليلة بكار، منى نورالدين ونور الدين القصباوي، والمنصف السويسي وخديجة السويسي، وناجية الورغي ونور الدين الورغي .وصولا إلى الأجيال الجديدة، ما يثبت أن المرأة التونسية كانت شريكة فعلية في المشاريع المسرحية ممثلة وكاتبة ومنتجة ومخرجة وناقدة وفي كل مفاصل العملية الإبداعية لا مجرد مؤدية أو ممثلة.
أمّا الممثل ومدير المسرح البلدي زهير الرايس، فيؤكّد بدوره لـ " وكالة أخبار المرأة " على مساهمة المرأة في بناء تاريخ المسرح التونسي بقسط كبير، قائلا "المرأة ناضلت من أجل اقتحامها الميدان في حقبة تاريخية صعبة لم تكن لها فيها حرية الرأي والاختيار بل كانت بدخولها ميدان الفن تعتبر عارا ونشازا وتنبذ من "عرش" كامل في وقت كانت نظرة المجتمع إلى الفن متخلفة وكانت المرأة تمثل عورة (فترة الثلاثينات والأربعينات والخمسينات)". ويرى أن اليوم بفضل جهود رجال عظماء ناضلوا من أجل تحريرها مثل الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة والطاهر الحداد وغيرهم، إلى جانب نساء دخلن التاريخ، أصبحت المرأة التونسية رائدة في المسرح العربي ولها حضورها الفعال كما هو شأنها في مجالات عدة .
وتقول فاطمة بدري، الصحفية بجريدة العرب اللندنية، لـ " وكالة أخبار المرأة " أن "المسرح التونسي لا يمكن اعتباره ذكوريا لأن مشاركة المرأة تساوي في أغلب الأعمال وتتجاوز في أحيان أخرى الحضور الرجالي، إلى جانب انخراط بعض المسرحيات التونسيات في أعمال المونودراما التي مازالت في أغلب الدول العربية حكرا على المسرحيين الرجال، وتوجه أخريات لإخراج الأعمال وكتابة النصوص بل وهن رائدات في ذلك وينتمين لمدارس مسرحية عريقة في تونس، وهي في مجملها عوامل موضوعية تجعل من قضايا المرأة حاضرة بقوة. وهناك أسماء كبيرة لمسرحيات بتن رائدات تونسيا وعربيا وحتى عالميا على غرار جليلة بكار وفاطمة سعيدان، ليلى طوبال، ناجية الورغي، دليلة مفتاحي وحبيبة الجندوبي ووفاء الطبوبي وغيرهن".
وذكّرت بدري، في هذا الإطار بسعي تونس في مختلف تظاهراتها المسرحية لترك مساحات أوسع للمشاركة النسائية، على غرار قيامها منذ أكثر من ثلاث سنوات ببعث مهرجان تحت عنوان "مْرا" (امرأة) موجه أساسا للمسرح النسائي.
وفي الوقت الذي يؤكد فيه بعض الخبراء في المجال المسرحي على أن تطور المجتمع التونسي في مجال الحقوق المدنية كان له أثر واضح في الوجود الفعلي للمرأة في المسرح التونسي، ترى، الكاتبة التونسية، دلال غزيل، أن المشهد المسرحي التونسي راهن وفتح آفاقا من خلال تطوير عناصر التجديد وترسيخ أعمق لدور المرأة التي قطعت أشواطا جبارة في هذا المجال وتمردت من خلالها على كل القوالب الجاهزة متجاوزة النمطية، مما ساهم في تحريك الفعل المسرحي وافتكاك مكان متميز في الساحة الثقافية التونسية والعربية.
لم يختلف رأي، المخرجة التونسية، ليلى طوبال، بخصوص دور المرأة في المسرح التونسي، كثيرا عن بقية الآراء، فطوبال تشدد في حديثها لـ " وكالة أخبار المرأة " على أن المرأة هي "الفعل المسرحي وليس المفعول به"، فهي التي تعبر بطريقتها، بدمعتها وابتسامتها وجروحها عن هموم الوطن والشعوب، فهي المرأة المبدعة، الممثلة، الكاتبة، الحاملة لمشروع.
رأي طوبال، أكده أيضا المخرج التونسي علي اليحياوي (آخر أعماله مسرحية رايونو سيتي) بقوله "وجود المرأة في المسرح التونسي قوي وان هناك العديد من الممثلات كان لهن دور كبير سواء في التمثيل أو الكتابة أو الإخراج"، غير أن اليحياوي يرى أن دور المرأة في الجهات على غرار نساء الجنوب التونسي كان محدودا وتجاربهن المسرحية تعتبر حديثة.
صعوبات وعراقيل المسرح التونسي تنعكس على دور المرأة
لئن أجمع عدد من مثقفي تونس في حديثهم لـ"وكالة أخبار المرأة" على الدور الريادي الذي لعبته المرأة على مدى قرن في المسرح التونسي وما طرأ على دورها اليوم من تغييرات، إذ لم تعد مجرد ممثلة تعتلي خشبة المسرح بعد تلقينها النص، بل أصبحت هي الفعل المسرحي بكل تفاصيله من تمثيل وإنتاج وكاتبة وإخراج، إلا أن البعض الآخر لم يخفي العراقيل والصعوبات التي تواجهها اليوم وتواجه المسرح التونسي عامة.
ففي الوقت الذي أوضح فيه، الباحث محمد المديوني، أن المسرح  في العائلة التونسية أصبح مهنة من المهن ذات الطابع الفني، يمكن أن يلتقي فيها الزوج والزوجة، أمر عادي خاصة في بناء فرق وهو مؤشر مهم يجعل المسرح التونسي  يطرح إشكالات وقضايا في صميم واقع المسرح بعيدا عن الإشكالات التي تطرح في عدد من البلدان التي تفتقر للمسرح ولحضور المرأة، يرى المخرج المسرحي البشير يحيى لـ " وكالة أخبار المرأة " أن دور المرأة في بعض المدن مازال مغيبا أو يكاد يكون منعدما، نظرا لأن بعض المجتمعات مازالت محافظة وتنظر للمسرح  كسلوك اعتباطي لا جدوى من وجوده، ويعود ذلك وفق أستاذ المسرح، إلى طبيعة النشاط المسرحي على غرار غياب الجمعيات المسرحية والنوادي المختصة في دور الثقافة وهو الأمر الذي يجعل من الصعب إقناع المرأة بضرورة دخول عالم المسرح وتقديم الإضافة فيه.
وأشار يحيى إلى غياب المسرح المدرسي في بعض المؤسسات التربوية، إذ يعتبر المسرح المدرسي النواة الأساسية لظهور المرأة  في المسرح ، فالمدرسة هي الأقرب إلى وجدان التونسي والتجارب المسرحية المدرسية من شأنها أن تخلق أجيالا من المبدعين والفنانين من الجنسيين وتساهم في بناء جيل واعٍ وحضاري يؤمن بأن الثقافة هي أهم أركان المجتمع المتوازن.
الممثل، الكيلاني زقروبة، بيّن لـ " وكالة أخبار المرأة " أن "المسرح التونسي يعيش أزمة كبيرة على مختلف الأصعدة رغم محاولات وزارة الإشراف رأب الصدع، مما انعكس سلبا على المنظومة المسرحية، فأغلب الممثلات وجدن انفسهن حبيسات المركز (تونس العاصمة) من أجل النفاذ إلى التلفزة لما توفره من ظروف أرحب، فالمسارح وفرص الشغل لهن أكبر من الجهات الداخلية.
 ولفت في هذا الإطار إلى غياب التغطية الاجتماعية للمبدعين الذين أحيلوا على التقاعد. وفيما يتعلق بالجيل الجديد من الفنانات وخاصة المتخرجات من معاهد الفنون الدرامية، يقول بأنهن يحاولن إيجاد موطئ قدم في ساحة مسرحية مكبلة ومتمركزة في العاصمة بالأساس و بعض المدن الساحلية، مما جعلها تعيش في غربة بعيدة عن مسقط رأسها، و كذلك تدنّي دعم الدولة للعروض المسرحية إنتاجا وترويجا مما يجعل مستقبل المسرح التونسي عامة غامضا.
إن تلازم تطوّر مشاركة المرأة التونسية في الحياة العامّة بمختلف مجالاتها وتعاظم مساهماتها في مختلف الفنون كالمسرح، لا يعد من الأمور المثيرة في تونس وإنما الإثارة تكمن في مساهمة المرأة القوية في توطيد أركان التجارب والاتجاهات الكبيرة في الممارسة المسرحية وتوجهها نحو الإبداع في مجال الكتابة والإخراج. فحسب ما أفاد به محدّثوا "وكالة أخبار المرأة" فإن اليوم لا يمكن أن ننظر إلى واقع المرأة في المسرح بمعزل عن واقع المرأة في تونس عامة، فوضعية المرأة التونسية تختلف كثيرا عن المرأة في بعض الدول العربية التي تعاني فيها من الحرمان من ممارسة بعض المهن (القضاء في مصر) وليس المسرح فحسب. فالمرأة التونسية في المجال المسرحي تجاوزت مرحلة التمثيل وتوجّهت نحو الكتابة والإخراج والإنتاج والنقد ليكون السؤال المطروح اليوم: "أي دور للمرأة الناقدة في المجال المسرحي؟"