التمييزُ الايجابي في القصص الشعبي !

الكاتبة:فاطمة غندور - ليبيا

الكاتبة:فاطمة غندور - ليبيا

شبكة المدونون العرب - الكاتبة:فاطمة غندور - ليبيا

القصصُ الشعبي أفرازٌ لمعضلاتٍ اجتماعية عديدة شغلت تفكير الشعوب بمختلف أجناسهم فشحنوا نتاجهم الحكائي بما يأملون في الابقاء عليه من عادات وتقاليد متوارثة ، وأنماط سلوك وحياة تقاسمها عُنصرا المجتمع الرجل والمرأة وبحسب الوعي الجمعي آنذاك ، في ما اعتبروهُ صمام آمان يقيهم أي سلوك غير مرغوب فيه ويحفظ عقدهم الاجتماعي من أي تصدع ، لكن ذلك لم يمنع من أن تنحو بعض القصص منحى التمرد على الصورة  النمطية بانتقادها وتعريتها ، وإعمال وإعادة النظر فيها ، فالتجربة المعيشة لها فعلها وتاثيرها مع مرور الزمن ، و الذي استوعبه في متنه عموم المنتج الشعبي ( شعرا ، وأحجية ، ونادرة ، ومثلا شعبيا، وسيرة ...) وفي خصوصية القصص الشعبي أيضا ما قادته الراويات وفي ذلك أيضا ما يطرح السؤال حول أنهن يحملن أملا بتغيير واقع قد يكون مطمحهن لمستقبلٍ بناتهن ، ما نحاول أن نعرض له هنا ،ومن خلال الانشغال بصورة المرأة التي تظهر في القصص الليبي مما جرى رصده و تداوله جمعا وتوثيقا ومن الشواهد الواقعية بما حملته بعض الاصدرات ، مصدرنا الذي سنستند إليه ، وأنتج الانتباه لهذه الفرضية .
 والمفهوم الاجتماعي للتمييز الايجابي للمرأة ( والذي له جذوره في ثقافتنا قبل أن يظهر في اعلان جون كنيدي 1961) بما يعني منحها حقوقا مسلوبة وهبت للطرف الاخر وحُجبت عنها ، وسنقارب نماذج لذلك : حقها في حرية الرأي والتعبير بل واتخاذ قرراها عند ارتباطها بالطرف الاخر ، وحقها في المعرفة وتعلم كل جديد ، وحقها في العمل أسوة بالرجل .
ففي حكاية زوجة حج ، تغادر البطلة بلدها وحيدة بلا عائل ( ولا محرم !) بعد أن فقدت ولدها لظلم تعرض له ، وتقرر الاستقرار بالمكان الذي تراه مناسبا لها ، وحين تغترب تُولد الثقة بها من قاطني سكنها الجديد ، فيبدو الاغتراب هنا مسوغا لرعاية نفسها بنفسها ، وتقرير مصيرها دون وصاية من احد ، وحين تعلن عن اختيارها لزوج حسب صفات تُحددها ،يتبارى الرجال لطلب رضاها ،  وفي حكاية شهيرة بالغرب الليبي ( سبع صبايا في قصبايا ) يقوم الاب بعزل ابنته ومنع الجميع من رؤيتها - وخاصة من ترغبهُ زوجا - ! وحجزها في قصبة من الزجاج أسكنها فيها ! لكنها تتمرد على واقعها بفتح كوة في تلك القصبة وتخرج باحثة عن من أحبت ، ثائرة على الاسلوب التسلطي المتمثل في المبالغة في الكبت ، وتضيق الخناق كونها كائن ناقص وقاصر، أما بطلة حكاية البنت والاسد ، فترفض الزواج من شباب الوادي بأجمعهم لأنهم لم يذوذوا عن حياض بلدتهم ، ولم يخرجوا لمواجهة الاسد الذي أعتدى على حرماتهم ،ثم تُغلبُ عليهم الشاب المغترب المقيم بينهم لشجاعته في الاطاحة برأس الاسد .
وفي موقف محاربتها للتمييز الطبقي والرفض له ، تحظى البطلة (الخادمة) في حكاية " الموت اكثر من مرة"  لذكائها وحكمتها ونشاطها بالزواج من السلطان ،لتُعزز قول أن لا فرق بين سيد وعبد إلا بالتقوى والعمل الصالح ، وأن أكرمكم عند الله أتقاكم ، وفي مفارقة اخرى تقوم بها ذهيبة بطلة حكاية تحمل اسمها برفضها الزواج من أمحمد، إذ انه لا يتناسب مع قدرها وخبرتها ، وتمنحه فرصة للقبول به إن جاء العام القادم لكنه ينتحر اذ مثل ذلك صدمة له ، ولو قارنا الابطال الذين يُعييرون ( ابنة الخباز او الحداد أو الحطاب ) ويرفضون الزواج ممن لا تُضاهيهم حسبا وثراء لانتحرت كل صبايا القصص اللاتي تمر عليهن الخاطبة وتتركهن لاحلامهن التي لا تتحقق لانه يتجه الى ابنة السلطان فقط !.
في حكاية " حليمة وبنت النجار " فحليمة ابنة التاجر ترفض ايقاع حياتها الذي لادور لها فيه غير الاكل والنوم ، ووصيفتها ابنة النجار من تفوز في اختبارها لرفيقة اغتراب وهجرة ، وهما اللتان تخوضان مغامرة تبدأ من صناعة العربة الخشبية التي ستغادران على متنها الى ديار الله الواسعة في احتمال لكل أهوال تلك الرحلة ، وخلق حالة تعاطي معرفي مع كل جديد لهما، وإن اختباءتا رفقة الزاد والزُوادة المُقررة لرحلة طويلة ، وحين تستقران أمام بيت السلطان لا تكشفان عن هويتهما ، الى أن تطمئن حليمة أن لا طمع له ولا مساومة يُوهمها فيها بإنقاذها ، فقد ظلت ترصد أفعاله وتُوصي وصيفتها أيضا ، لتقرر ما ستفعله ، و حتى حين يستدلُ والدها الى مستقرها ، ويقرر عقابها بمسخها سحريا ، تتمسك بأحقيتها فيما فعلت لأسباب تراها مصيرية !.
أما حكاية " بو سبع فرحات وبوسبع قهاير" وهي أشارة الى أب لسبع بنات ، واخيه والد السبعة بنين ، اذ يُفاخر الاخير بأبنائه ويُعير شقيقه الذي – حسب تصوره - أفقرنه بناته ، لكن أب البنات يعرض لاختبار بين أكبر البنين وكُبرى البنات ، يكون رحلة الى سوق المدينة البعيد ، ويوافق الشقيق مُرجحا فوز ابنه في انجاز المهمة ، لكن الحكاية تنتصر للابنة الكبرى اذا تستثمر الوقت والجهد وتُحسن التصرف تجاه كثير من المواقف التي تطرأ ، وإن كانت حديثة  العهد بمغادرة مكانها ، لتصل وترجع محملة بالكثير مما أُوصيت بإحضاره ، فيما يُضيع أبن عمها الوقت بربط حصانه عند الشجرة لأخذ قيلولة مُؤملا تعطُل رحلة ابنة عمه،كونها فتاة ولا تقدر على اجتياز مصاعب الطريق ، ولا التعاطي مع رجال السوق ، تنتهي الحكاية بدرس يعطيه ابو الفرحات الى شقيقه حين يرفض تزويجها لابنه الذي فشل في المهمة ، اما بطلة حكاية "دحية الصل" فتجد نفسها في ارض تجهلها اذ يتخلى عنها شقيقها في اتهام باطل بفقد شرفها ، وفي تلك الغابة وحيدة تبحث عن ما يسد رمقها من حليب الغزال والودان وما إن تستجمع قوتها تنهض باحثة عن مكان تأوي أليه الى أن تقابل صيادا ، فتسرد قصتها له فيثق في مسلكها ، حالما تنام عند شجرة غير بعيدة عنه ،ويحصل على موافقتها بالارتباط والذهاب معه.
وتُعزز القصص الشعبية فيما تُظهره من أحداث في متنها صورة المرأة الفاعلة في علاقتها بالكد والسعي والعمل ، فحضورها يبدو أكثر من مجرد المُشاركة وتقاسم أدوار بل يتجاوزه ، إذا ما نظرنا الى تفاصيل ما تنجزه داخل بيتها وخارجه ، وكيف تُنظم وقتها بين أرضها زراعة أو رعيا، وبين زوج واطفال، فلا تخلو قصة من القصص الشعبي من مُفتتح لوصف دأبها ومسؤليتها وحراكها كأُسٍ وعماد للبيت بأفعال : نهضت ، زرعت ، سقت ، غذت وعشت ابنائها ، حملت ، حصدت ...، ولنا ان نُسجل ملاحظتنا في استقراء تلك النماذج من القصص على مستوى الجغرافية الليبية ، لأننا سنتبين الفرق الواضح الذي يخضع للمحيط الجغرافي والبيئي الذي ظهرت فيه صورة تلك المرأة ، فقد حازت نصيبا فائقا من تاكيد حضورها وتاكيد حقها فيما أشرنا اليه من تمييز ايجابي في بيئة الواحة والمجتمع الزراعي ، حتى أن قصصا شعبية جرى توثيقها لواحة ليبية بالجنوب الليبي ( محروقة – محمد سعيد محمد ، غات – قاسم يوشع )  تبرزعناوينها حاملة لاسم بطلات تلك القصص : عيشه ، اخضره ، جميله ، ذهيبه ، أم الصلولة !، زوجة حج ، ،فيما غابت المراة صاحبة الدور الرئيس في أغلب حكايات غرب طرابلس التي جمعتها اللبنانية هنرييت فراج (أصدار دار الفرجاني 1976) اذا تقتصر مهمتها برعاية شؤون بيتها ، كما يغلبُ على قصصها الانشغال بالزواج كمطلب مجتمعى هاربة من سلطة الاب الى سلطة الزوج ، ولعل مزيدا من الجمع والتوثيق للقصص الشعبي يفتح الابواب لنتائج تميط اللثام عن أدوار المراة ، ربما غاب رصدها ومثلت قيماً مُفارقة مُغايرة لما شاع من صور نمطية لها .

التعليقات

تعليقك على الموضوع

تم ارسال التعليق