هوامش .. ومتون: قهوة، وتمر، وموسيقى

 الكاتب:عبدالرزّاق الربيعي-العراق

الكاتب:عبدالرزّاق الربيعي-العراق

شبكة المدونون العرب - الكاتب:عبدالرزّاق الربيعي-العراق

من تقاليد الضيافة العمانية تقديم القهوة، والتمر، كفقرة ثابتة، وأساسية في اللقاءات، والجلسات، وهذا لا يقتصر على المنازل، فلو تسنّى لأحد المراجعين أن زار دائرة حكومية، أو خاصة، أو ذهب لمراجعة معاملة في أحد البنوك، لوجد دلة القهوة، وحبّات التمر، بانتظاره، وهذا الأمر من المسلّمات في بلد مضياف، يحافظ على التقاليد العربية الأصيلة، ومنها الكرم، بخاصة أنّ قهوته تتميّز بنكهة خاصة، وقد حباه الله بنخيل ينتج تمورا تعدّ من أجود الأصناف في العالم، وبالطبع لا ننسى حضور الحلوى العمانية على تلك الموائد، إلى جانب مختلف أنواع الفواكه، ورغم أن ضيافة دار الأوبرا السلطانية اقتصرت على القهوة، والتمر، لكنّها أضافت لها  أحاديث شتّى في الموسيقى، والغناء، وذلك بفعاليّة أطلقت عليها اسم «قهوة وتمر مع الفنّانين»، وهي جلسات غير رسمية ، تتمّ بالتنسيق مع مجموعة مختارة من الفنّانين الذين يحلّون ضيوفا على موسمها الحالي، يتحدّثون، خلالها ،عن تجاربهم، للجمهور، الذي يستطيع أن يطرح ما لديه من أسئلة عليهم، ثم يقوم الضيوف بالتوقيع، والتصوير مع الراغبين بذلك، ويكون تقديم القهوة والتمور لجميع الحاضرين مسك ختام الفعالية التي تهدف إلى تحقيق المزيد من التفاعل بين الجمهور، والضيوف، ومدّ جسور التواصل بين الطرفين.
هذه الفعاليات معروفة في الغرب، ولكن الأماكن التي تقيمها في مجتمعات يحكمها رأس المال، تفرض رسوما عالية على الراغبين بالتصوير مع نجومهم المفضّلين،
والجلوس معهم في مطعم، أو مقهى، أمّا دار الأوبرا فإنّها تقدّم هذا بشكل مجّاني، للجمهور الذي تتمّ دعوته عبر جميع وسائل التواصل، والراغب بذلك لا يطلب منه سوى حجز مقاعد قبل إقامتها بوقت مناسب.
لقد أتيحت لي يوم الجمعة الماضي فرصة حضور جلسة من هذه الجلسات، أقيمت بجالري الأوبرا، وكان الضيف هو المطرب الشاب محمّد عسّاف القادم من عمق الوجع الفلسطيني، نجم مسابقة« أرب أيدول» أو «محبوب العرب» عام 2013م.
وكانت تلك الجلسة التي أدارها الدكتور عصام الملّاح، فاصلة بين ليلتين أوبراليتين: الأولى كانت «الاحتفال بيوم المرأة العمانية»الذي أحيته الأوركسترا السيمفونية السلطانية العمانية، وفنونيات للفلكلور الفلسطيني، وكاليفيه للموسيقى التقليدية الإيرانية، وأوركسترا مستو المتعددة الجنسيّات، وحلّ عسّاف ليكون ضيف شرف تلك الليلة، إذ غنّى للعندليب» على حسب وداد قلبي»، فأعادنا إلى زمن الغناء العربي الأصيل، أردفها بأغنيته «ايوه هغنّي»، والثالثة «عل الكوفية ويا طير» التي اختتمت بمشاركة جميع الفرقة التي عزفت لحنا واحدا في إشارة إلى أنّ الفنّ يوحّد الشعوب، أمّا الليلة الثانية، فكانت خاصة بعسّاف بمصاحبة أوكسترا ميستو المتعددة الجنسيات، وقدّم خلالها مجموعة من الأغاني الطربية، لذا كان سؤالي في الجلسة حول قدرته على الإمساك بهذه الجمرة «الغناء الطربي» في مرحلة اتّسمت بالفوضى الغنائية، وتردّي الكلمات، والألحان، وضعف الأصوات، ومع انتشار الفضائيات، صار كل من هبّ ودبّ يمتهن الغناء، وهذا يذكّرنا بـ«بهلول»، أحد مجانين الكوفة، فقد كان أحد الخبثاء يدفع له قيراطا، ليزعج الآخرين بصوته الأجش، وكان لا يسكت عن الغناء إلّا بعد أن يدفع من لا يروق له غناؤه قيراطين!!
وكان جواب عسّاف أنّه يدرك صعوبة المرحلة، وما يرافقها من هبوط فنّي، ويعرف أنّه يسبح ضدّ تيّار جارف، لكنّه مصمّم على نهجه القائم على الارتقاء بذائقة المستمع العربي، وهو أمر واضح من خلال عمله المضني في اختيار الكلمات، والألحان، وسعيه الجاد لتطوير موهبته، ورغم أنّ عمر نجوميّته ثلاث سنوات فقط،، لكنّه استحوذ على أسماع جمهور واسع، ونال جائزة «أفضل فنّان في الشرق الأوسط» في حفل توزيع جوائز «إم تي في إيما» في جلاسكو، ولقب سفير الأمم المتّحدة النوايا الحسنة للسلام من وكالة الأمم المتّحدة لغوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا)، بعد أن جعل حنجرته وسيلة لإيصال رسائل حول قضيته، وقضيتنا جميعا.
وبالقدر الذي رأيناه في برنامج« عرب أيدول»، وفي حفل الليلة الأولى متألّقا، أحسّ من حضر فعالية «تمر وقهوة مع الفنانين» ببساطته، وتواضعه، وتأكيده للحضور أنّه من عائلة بسيطة، وقد جعلته نشأته في بيئة فقيرة أن يطوّر نفسه، ويخلص لقضيته، وفنّه، بما يذكّرنا بنشأة كاظم الساهر، وخلقه الرفيع، واجتهاده، وحفر اسمه بالصخر، هذا الإحساس لن يصل إلى الجمهور، من خلال وقوفه على المسرح فقط ، بل لا بدّ من الاقتراب من شخصه، ومحاورته، والاستئناس بأحاديثه، ومشاركته فنجان قهوة، وحبّات تمر.

التعليقات

تعليقك على الموضوع

تم ارسال التعليق