دق ناقوس الخطر بسبب كثرة حوادث السير التي قتلت وعوقت الآلاف: مدونون موريتانيون يتطوعون لتوعية السائقين وإصلاح الطرق

شبكة المدونون العرب - نواكشوط

تضاعفت بشكل ملفت خلال السنتين الأخيرتين حوادث السير في موريتانيا مسببة موت المئات وانتشارا مخيفا للإعاقات.
ذلك ما أكدته الإحصائيات الرسمية وكشفت عن خطره، استبيانات وإحصائيات منظمة الصحة العالمية الخاصة بمنطقة المغرب العربي.
وتتعدد العوامل التي تعتبرها الهيئات المختصة سببا لهذا الواقع المؤلم، كما تتباين آراء المختصين في هذا الصدد بين من يعتقد أن رداءة الطرق هي السبب الرئيسي، ومن يرى أن السبب هو السرعة المفرطة ومنح رخص القيادة لغير المؤهلين، ومن يرى أن هذه العوامل مجتمعة هي سبب هذه الكارثة التي أيتمت وأيمت الكثيرين.
إحصائيات مخيفة
وحسب إحصائية صادرة عن منظمة الصحة العالمية سنة 2015 فإن الدول المغاربية الخمس تتقاسم النتائج الكارثية المسجلة في مجال السلامة الطرقية.
وتؤكد هذه الإحصائيات في جانبها الخاص بموريتانيا، تسجيل 24.4 حالة وفاة لكل 100 ألف نسمة وهو ما يضع موريتانيا في الرتبة 41 في السلم بين 180 دولة حول العالم.
وسجلت الإحصائية الرسمية في موريتانيا 204 وفاة مؤكدة عام 2014 بسبب حوادث السير مع أن التقديرات ترفع هذ الرقم لحدود 952 بالنظر إلى أن حوادث السير في أماكن نائية لا تشملها الإجراءات والإحصاءات.
حوادث وحوادث
وتشير منظمة الصحة العالمية أن البلدان الأفريقية ومن ضمنها موريتانيا، هي الأسوأ في حالة السلامة الطرقية حيث يتجاوز قتلى الطرق فيها أكثر من 24 حالة وفاة لكل 100 ألف شخص في المتوسط. وتحتل الدول الافريقية المواقع الـ 30 الأولى من حيث ترتيب دول العالم حسب عدد الوفيات الناجمة عن الحوادث.
وأكدت إحصائيات لوزارة التجهيز والنقل، وفاة 219 موريتانياً بسبب حوادث السير التي شهدتها البلاد خلال عام 2014 مع أن الإحصائيات لا تشمل حوادث كثيرة تقع في النقاط النائية في موريتانيا ذات الأراضي المترامية الأطراف.
وأكدت إحصائيات الوزارة «وقوع 5843 حادث سير تم تسجيلها لدى المصالح المختصة، أسفرت عن أضرار بشرية تقدر بحوالي 1850 إصابة من ضمنها 219 حالة وفاة.
وأكدت وزارة التجهيز والنقل أنها «نجحت في تقليص الأضرار الجسدية والمادية لحوادث السير بفضل تأثير طول الشبكة الطرقية المعبدة وزيادة عدد السكان وتسهيل منح رخص السياقة» مشيرة «لانتهاج سياسات في هذا المضمار مبنية على التعاون مع مختلف القطاعات الحكومية وهيئات المجتمع المدني».
الأسباب والعوامل
وأكد موقع «موريتانيا اليوم» الإعلامي في دراسة عن حوادث السير «أن حوادث المرور باتت في طليعة الأسباب المباشرة للوفيات في موريتانيا، فضلا عما تخلفه من إصابات أغلبها إعاقات جسدية دائمة».
وقد تعددت العوامل المؤدية لهذه الوضعية المأساوية واتسع نطاقها بوتيرة قياسية، إذ ترى جهات عمومية موريتانية معنية بحركة المرور في البلد أنها تعود ـ في المقام الأول ـ إلى السيارات، وغياب الوعي لدى معظم سائقي الشاحنات والآليات العملاقة تارة، وانعدام الكفاءة والخبرة لدى بعضهم أحيانا أخرى؛ بينما يرجعها المستخدمون إلى الحالة المتردية لغالبية الطرق الداخلية وإلى وجود مطبات وحفر وألسنة من الرمال في العديد من النقاط الطرقية بين مختلف مدن البلاد».
الحصاد الجنائزي
«هذا التدافع في المسؤولية عن حصاد حوادث الطرق الجنائزي، تضيف «موريتانيا اليوم» يؤكد أن تلك المسؤولية مشتركة بين الدولة والسائقين، خاصة وأن الكثير من هؤلاء يمتهنون سياقة السيارات والشاحنات برخص تمنح عبر طرق ملتوية ودون أي معايير فنية أو موضوعية من قبيل ما يفرضه القانون، حيث باتت رخص السياقة سلعة تباع ، عن طريق «السماسرة» بأثمان معروفة في غياب تام لأي رقابة، ودون خضوع طالبي الرخص لأي اختبار، ولا حتى أدنى فحص طبي للتأكد من أهلية السائق البدنية والنفسية».
وأضافت «موريتانيا اليوم» في دراستها لظاهرة حوادث السير «لقد تجاوز خطر حوادث الطرق في موريتانيا كل المعدلات وحطم الأرقام القياسية المسجلة في معظم بلدان العالم، ما يفرض المبادرة ـ دون تأخير ـ باتخإذ تدابير عاجلة وصارمة للحد منها على الأقل، سبيلا إلى تأمين الناس في أرواحهم وممتلكاتهم، ومن ذلك على سبيل المثال، لا الحصر، تركيز جهاز أمن الطرق على فحص رخص السياقة والتحقق من صدقيتها، ومصادرتها ممن يقودون سيارات نقل أو سيارات خصوصية بلا فرامل وبلا إفادة فحص تقني يثبت سلامتها ميكانيكيان بدل تكريس غرامات المخالفة على أمور من قبيل حزام الأمان والزجاج المظلَّل».
إجراءات عاجلة
«ويتعين كذلك توفير إشارات مرور ضوئية على امتداد الطرق؛ في ظل ولع الموريتانيين بالسفر ليلا لأنهم اعتادوا على متعة ركوب الإبل أو الحمير ليلا لتفادي حرارة الطقس الصحراوي» يضيف الموقع.
وأكد الدكتور محمد الأمين ولد أنه الباحث الموريتاني المعروف في معالجة له لظاهرة تكاثر حوادث السير «أن موريتانيا شهدت في السنوات الأخيرة الكثير من حوادث السير القاتلة، ولحد الآن لم يتم تشخيص الأسباب، فعلى الرغم من وفاة المئات ومن بينهم وزراء ومنتخبون وأساتذة وأطباء وأناس عاديون، فإن الجهات المختصة تكاد تكون غائبة عن المشهد ولا يعرف الوقت الذي تدق فيه الدولة ناقوس الخطر لمحاربة التهور والسرعة الزائدة والجهل بأبسط قواعد السير التي أودت بحياة خيرة أبنائنا، فإلى متى هذا الصمت المطبق؟»، يتساءل الباحث.
وأكد الباحث «أن الأرقام السنوية تشير لوقوع عشرات القتلى ومئات الجرحى، بل إن العام الفائت برمّته حمل معه نسبة مخيفة من حوادث السير كانت كفيلة بوضع حد لحياة الكثير من الأشخاص وإصابة آخرين بتشوهات ولربما إعاقة مدى الحياة، وهو رقم ضخم يضع الحوادث المرورية في المرتبة الأولى من حيث العوامل المؤدية بحياة المواطنين الأبرياء، أرقام كفيلة بدفع الأمهات والآباء لرفع أكفهم والتضرع لله تبارك وتعالى كي لا تخطف منهم أبناؤهم على طرق الموت الكثيرة في هذا البلد».
خبط عشواء
وأضاف «..اليوم هو وغدا قد تكون أنتَ. ولم لا؟ فشوارع موريتانيا لا تعفي روحا ولا تميز رجلا ولا امرأة، ولا تستثني عمرا، بطلها حوادث تتغذى بلصوصيّة من حياة الآخرين، تشب على تهورهم أو إهمال دولتهم ومسؤوليهم، تسرق من ذاكرتهم الشابة أو الهرمة في ثوان معدودة أجمل اللحظات… طرق تعيد رسم خطوط البداية، فتضع حدا لربيع ما أو تنقل ذاك الربيع إلى مرحلة خريف غير مضمونة».
كثيرا ما امتص «القوطرون» (الطريق المعبد) الموريتاني الرديء دماء أبنائه، وكثيرا ما تشربت عيون ذويهم بدموع لم تجفّ بعد على من خطفه الموت في لحظات سخيفة وفي أكثر الطرق بُخسا، ومن بين هؤلاء: عظماء ومنتخبون وقادة ونخب علمية وثقافية حصدهم منجل الموت قبل الوصول لأحبائهم.
الإهمال القاتل
«يوميا الإهمال يقتلنا، يوميا السرعة تردينا، يوميا عجلة المركبات تهلكنا، يوميا نبكي الأقربين إلينا، يوميا حوادث سير بالجملة منها ما يحدث من إهمال السائق نفسه أو إهمال السائق الآخر، منها ما سببه إهمال الدولة تجاه مواطنيها رغم يقينها أن عشرات يغادرون مسرح الحياة سنويا على طريق هنا أو هناك مشاة كانوا أم ركابا أم سائقين، أما أكثر الحوادث فمردُّه إلى عناصر دخيلة يعجز الإنسان عن ضبطها بنفسه فلا تضبطها الدولة في دورها: استعمال الهواتف أثناء القيادة، سرعة قاتلة وربما جهل بقواعد السير، وأحيانا السياقة بدون حتى رخصة قيادة، ولكن النتيجة واحدة، فقدان أحبة في مقتبل العمر».
المدونون يتدخلون
هذا ودفعت ظاهرة حوادث السير عشرات المدونين الموريتانيين الشباب الذين تعارفوا عبر دهاليز مواقع التواصل الاجتماعي، للإنخراط في حملة لتحسيس السلطات والمواطنين بمخاطر ازدياد حوادث السير التي أصبح تسجيلها شبه يومي، داخل العاصمة وخارجها.
وركز المدونون حملتهم التطوعية المنسقة مع قوى الأمن الداخلي، على طريق «الأمل» أطول طريق معبد يربط غرب موريتانيا بشرقها، وهو الطريق الذي سجلت عليها أكثر حوادث السير المميتة خلال العقدين الأخيرين.
وينتظم عشرات المدونين عند المخرج الشرقي للعاصمة نواكشوط لساعات كل يوم فيعترضون السيارات الداخلة والخارجة فيقدمون نصائحهم وتحذيراتهم للسائقين ويوزعون شعارات ورسوم تحذر من التهور في السياقة.
واستخدم المدونون وسم « حملة ‫#‏معا_للحد_من_حوادث_السير‬»، لتعبئة الرأي العام حول كثرة حوادث السير المسجلة بشكل يومي في موريتانيا.
واختارت الحملة مجموعة شعارات منها «تهالك الطرق_هلاك للجميع؛ كم من حفرة في طريق متهالك؟ كم من سرعة زائدة جرت بطئا دائما؛ كم من رحلة فرح زرعت حزنا خالدا؛ بأيد حانية نحاول إيقاف نزيف دم مشاعر عواطف تتكسر كل لحظة على طرقات تهالكت بالقدم؛ لتتذكر أيها السائق ما تحمل على كاهلك بالسرعة الزائدة من إزهاق ـرواح سهر محبون فى انتظار وصولها؛ فى التأنى السلامة وفى العجلة الندامة؛ فلنكن صفا واحدا.. معا للحد من حوادث السير».
ميثاق السلامة
ونبه المدونون في حملتهم التطوعية للقواعد الأساسية للسلامة مثل التخفيف من السرعة وربط الحزام وعدم استخدام الهاتف أثناء القيادة وغير ذلك من قواعد السلامة.
وقد بلور المدونون مبادرة عملية تحت مسمى «ميثاق السلامة» تركز على ثلاثة عناصر أساسية هي عدم تجاوز 110 كلم في الساعة، وعدم استخدام الهاتف أثناء القيادة، وربط حزام الأمان.
ودعا المدونون للإلتزام بقواعد أخرى أساسية أخذ قسط من الراحة والنوم قبل السفر والتقليل من السفر ليلا إلا للضرورة وعدم تجاوز حمولة السيارة والانتباه لوضع الإطارات والاستخدام الصحيح للإنارة.
وعرف المدونون السرعة الزائدة بأنها «وصول السائق لوضع لا يستطيع معه السيطرة على المركبة دون أضرار».
معلومات مهمة
ومن ضمن المعلومات التي تضمنتها حملة المدونين أنه عند الإصطدام بسرعة 50 كم/س يزداد وزن طفل ذي 5 كغم بحدود 20 ضعفاً ليصل إلى 100 كغم خلال جزء من الثانية، ومن ضمنها كذلك أن السرعة بمعدل 100 ك/س تزيد تكلفة الحادث بنسبة 30٪ ويكون لها تأثير في احتمال قتل المشاة بنسبة 100٪.
ونشر المدونون كذلك توصيات مؤثرة بينها «المركبة حديد ونار .. الحديد فيه بأس شديد والنار تأكل الأخضر واليابس والعظم واللحم»؛ «لا تستخدموا التلفون أثناء القيادة»؛ «أن تأتي متأخرا سالما ..أفضل من أن تأتي جثة هامدة أو أشلاء ممزقة».
طريق الأمل
يعتبر طريق الأمل الأطول في موريتانيا والأكثر حصدا للأرواح خلال الأعوام الماضية حسب الإحصاءات الرسمية. فلا يكاد يمر أسبوع دون تسجيل حادث سير قاتل في هذا الطريق المتهالك في مقاطع طويلة منه قد تستمر أحيانا عشرات الكيلومترات ولا يوجد طريق يوازيه.
وخلال الأسابيع القليلة الماضية شهدت الطرق الرابطة بين نواكشوط والنعمة حوادث واصطدامات أودت بحياة العشرات من المواطنين.
وشهد الطريق الرابط بين مدينة كيفة والطينطان حادث سير كبير راح ضحيته سبعة أفراد من أسرة واحدة، وذلك بعد اصطدام سيارتهم بحافلة مغربية لنقل الخضار.
كما شهدت العاصمة حادث سير على الطريق الرابط بين ميناء نواكشوط المستقل وملتقى طرق «كرفور باماكو» أدى إلى وفاة شخصين على الأقل فيما وصل عدد الجرحى الى ستة.
فيما شهد المدخل الشمالي لمدينة الاك وسط موريتانيا حادث سير، أصيب خلاله أربعة أشخاص بجروح بالغة، نقلوا إثرها إلى المستشفى.
وأطلق عدد من النشطاء الموريتانيين على مواقع التواصل الاجتماعي حملة توعية مساهمة في الحد من حوادث السير، بعد تزايد ضحاياها مؤخرا.
وقام الناشطون الشباب خلال الحملة بردم حفرتين عند الكيلومتر 29 من طريق الأمل، وتقع الحفرتان في موقع شديد الخطورة، فضلا عن توزيع عدد من القصاصات التوعوية على عشرات السائقين.
وقال الناشطون في بيان لهم إن الحملة تهدف إلى الحد من حوادث السير التي أصبحت تتسبب في إزهاق الكثير من الأرواح، وفي إصابة الكثير من المواطنين بعاهات مستديمة، كما تسبب الكثير من الآثار النفسية والخسائر الاقتصادية. وانطلقت العملية حسب البيان من مقر المؤسسة الوطنية لصيانة الطرق، بإشراف مهندس مدني يعمل في مجال تشييد وصيانة الطرق، وتم استخدام مواد وتقنيات في عملية الردم لبقاء الحفرة المردومة متماسكة لأطول فترة ممكنة.
وسينظم القائمون على الحملة عدة أنشطة خلال الأيام والأسابيع المقبلة.

التعليقات

تعليقك على الموضوع

تم ارسال التعليق