التجربة التركية ومفهوم الأمن القومي

شبكة المدونون العرب - رولا حسينات-الأردن

العرس الوطني التركي الذي انبثق من عقيدة متعلقة بالانتماء وهو أغلى ما يكون- والذي يفترض أن يكون أحد العناوين البارزة للدول العربية- كعيد للكرامة وعودة الحقوق والأمور إلى نصابها بتخليص الوطن من أعداء أنفسهم أولئك الذين ينتحلون هوية المواطنة.. أصحاب الأجندة الخارجية..
 ومساعي كل مواطن في أن يكون شجاعا وقد انسحب على سلوكه في الاستلقاء أمام الدبابات..فلم يكن أمام هزالة الاختيار، بل أمام عزم قوي حتى وإن تخلت الروح عن الجسد أمام المدافع والصواريخ والرصاص الحي..هذا ما جعله يخوض في معركته الثورية على الانقلابيين...وهو عند خط النهاية يجد مبررا لتلك الشجاعة لقضيته العادلة في الدفاع عن الديمقراطية.. فأنى لجيوش الظلام أن تهزمه ..فلم تكن هناك فجوة بين العقل والجسد وإن كانت فوحده الصبر قادر على أن يلئم صدعها.. في فروض من الالتزام والموازيين العادلة..
 إن صرامة الشعب وثقته بحكومته المنتخبة  منبثقة من منظومة قيمية قائمة على أساس التصالح مع الذات والتسامح والمحبة.. بهذه القيم يكون البناء.. ورافضة لأي سلوك سلبي خارج عن صناديق الاقتراع..فلم يكن هناك مكان للرعب ولعبة الانهزام أمام التمرد ..
 ولم تكن شخصية أردوغان القيادية بعيدة عن المشهد بل كان محاربا قويا مؤمنا بالعمل الجاد الدؤوب، ومن هنا كان إيمان الشعب به بتلك الشخصية القوية فقط القادرة على العمل وإسقاط ما دونها.. وضامنا لسلامة التخطيط والانجاز..ومن هذا المنظور لم تكن هناك  مفاهيم مضادة أو متباينة بين الضعف والانهزامية والقوة والبطولة..
إن الإيمان الحقيقي خرج من القلب إلى السلوك وهو ما كان في التعامل الراقي والقادر على استيعاب أنموذج التفاعل الايجابي مع الواقع.. فوقفت أحادية الفكر عاجزة عن هذا المد من الحماسة ليعيد التاريخ نفسه في الوقوف أمام المخططات الخارجية الراغبة في تقويض التقدم الذي حققته الأمة التركية على مدى عصور..
إن  رغبته الحقيقية في المواجهة والدفاع عن حقوقه الدستورية تطورت حسب معتقداته وأبجدية  فكرته عن العدالة والظلم وتصنيفه لأصحاب السلطة والمتنفذين..بعيدا عن قناعة المتمردين المطلقة بأن الخلاص من خصمهم أردوغان في القتل..لأن الاحتكام إلى الصناديق هو الحل رغما عن الاختلافات بين التيارات على مفهوم المصلحة العامة ...
ولعل السياسة التركية القوية التي لم تتنازل عن دورها في المنطقة التي تعاني من سلسلة من التطهير العرقي من أجل خدمة الأنظمة السيادية..التي لم تتوانى عن استخدام الأسلحة المحرمة دوليا من أجل مصالحهم هم...فما كان من السياسة الخارجية التركية في رفض ما يحدث في سوريا والعراق وكسر الحصار عن غزة والمطالبة باحترام الإنسان والشخصية المسلمة والمواثيق الدولية..
وحسبنا أن السياسة التركية لم تغفل قضايا تعد بالغة الخطورة قد أدمنتها الشعوب العربية  ..وامتدت إلى المنظومة الفكرية الهزيلة على مدى عقود من الجهل والتجهيل والخنوع والخضوع للفكر الاستبدادي والاستعماري والطاعة للعصا ومفهوم العبودية..(ويمكننا أن نستثني تلك الحقبة التاريخية التي سيطرت بها جماعة الاتحاد والترقي عام 1902 على مقاليد الحكم واتبعت سياسة التتريك)...فكان دفاعها عن هموم الشارع العربي من أهم أولوياتها ..
فكان حصيلة كل ذلك  بأن يكون الشاب التركي أحد نجوم الملحمة الثورية هروبا من الفراغ والاضطراب السياسي والنزاع السيادي وأمام عدالة وقداسة القضية تركع الأحكام باختلاف الراكعين... رغم اختلاف كل منهم على تعريف الوطن.. وتبقى الأبجدية الأولى هي الحوار..
ولكن هل يعتبر أصحاب المسؤولية باختلاف تمثيلهم لمؤسسات أو منظومات أمنية وعسكرية أنفسهم حريصين على أمن الوطن ولهم الأحقية في المغالاة بذلك بل ويعطون أنفسهم الحق في تخوين من يشاؤون ويجندون أنفسهم محافظين على الديمقراطية وهم أول منتهكيها؟؟ ما هي الأيدلوجية الفكرية التي يضعونها حجر الأساس لذلك؟؟ وهل كان أمن الوطن حق حصري لهم واختيار آلية اجتثاث الفوضى بأي طريقة كانت؟؟ وهل يكون الخلاص من هكذا حركات تمردية في استنفار الشباب ومشاعرهم الثورية بخروجهم لتولي الدفاع عن إرادتهم ؟؟؟
يتحقق ذلك عندما يكون الوطن ليس حكرا على أحد وعندما تنعدم أحادية القرار وازدواجية العقلية، وعندما تتساقط الأطماع وتتلاشى الأنانية أمام الرسالة المقدسة في الحفاظ على المكتسبات التي ناضلت الشعوب لتحقيقها، وعانت الأمرين فليست على استعداد لتحقيق رغبات لم تخرج عن إطار الفردية والشخصية لخسارتها...نابعة من ثقافة الشعوب وإيمانها  بمفهوم العدالة الذي يتماشى مع مقدار الوعي والإدراك لأهمية المطالب الدستورية التي من أبرز صورها الديمقراطية.. وهي الرغبة في تغير الواقع متزامنا مع النهوض الفكري و يعتبر احترام أجهزة الدولة الأمنية وعلاقتها الداعمة للشعب وفق آلية تحفظ حقوق الطرفين دون المساس بأمن الوطن من أهم  أوجهها..وهو ما يبني نهجا جديدا في اللعبة السياسية التي من أهم أولوياتها إحقاق مفهوم العدالة والمساواة الذي يكفل الأمن والحياة الكريمة وضمان مستوى معيشي يقيم علاقة شرعية بين الحاجات الأساسية والرفاهية بلا سقف محدد للمكتسبات، في بيئة تتوافر فيها أسس تحقيق الرخاء الاقتصادي والتطور في الصناعات التشغيلية والتعدينية والتحويلية..والذي يخلق بشكل طبيعي وازعا داخليا مؤمنا بعقيدة أن المواطن هو حارس شخصي للوطن في بيئة تعصف بها أنواء الإرهاب وحمى الخلايا النائمة، مفردة صيغ جديدة من التطرف والمغالاة.. وعندما يكون الفكر حرا دون قيود وعندما يكون السلوك إيجابيا يكون فيه ضمان لمنطق العدالة أمام القانون وفي توزيع المكتسبات و تولي المناصب..
 وما فعله الشعب التركي ليس خروجا عن المألوف لشعب ورث العراقة التاريخية والحضارية وامتداد جيوسياسي من القرن الرابع الميلادي وعلى مدى خمسة قرون من الفتح الإسلامي والوجود العقائدي الإيماني..في الجين الوراثي لشعب رافض لأي فكر عشوائي غوغائي يشوه أيا من شعائر الديمقراطية.. الديمقراطية التي تعني مشاركة فاعلة في القرار من خلال فئة منتخبة من الشعب حاملة لهمومه ساعية لتحقيق أحلامه رافضة لأي مشهد ظلم أو اضطهاد. عندما تترجم هذه الطموحات إلى سلوك وإلى أيدلوجيا فكرية أساسها التنظيم.. فلن يسرق الشعب مكتسباته ولن يرضخ لجماعة تريد نهب حقه الأسمى في الحفاظ على حكومته المنتخبة.. فمن لم يذق الحرية لم يعرف طعمها ومن لم يعش الديمقراطية الحقيقة ممارسة لا شعارات بلا نفاق بلا كذب وتحايل لن يستطيع الدفاع عنها..
وعندما تتعدد السيناريوهات المناهضة وتفاسيرها لسلوك الجمهرة الايجابي ..فلن يكون الطاغية قادرا على اقتياد الشعوب إلى ما لا تريد، ولن يكون الشعب التركي ذلك الحمل الوديع مسلوب الإرادة..ولن تكون شخصية أردوغان السياسية المحنكة شخصية طاغية بأي شكل من الأشكال...
 والرئيس التركي أردوغان الذي يتميز بشخصية براغماتية حديدية سياسية من الطراز الأول..بعقلية وفكر منفتح..كان من أبرز اهتماماته مشروعه النهضوي بالأمة التركية..هكذا عقلية لا تمتلك بالضرورة أصدقاء سياسيين من تيارات حزبية مختلفة.. لكنها تملك القدرة العملية على الانجاز الذي يضمن لها تأييدا حتى من الأحزاب المعارضة.. والنهضة التي يريدها هي ذاتها التي يختارها الشعب..التي تضمن ديمومة العطاء والانجاز بتصميم لأمة كان النهج السياسي فيها والعسكري السليم منهجا يخضع لمواثيق مقدسة.. فمبادئ الشرعية هي نتاج عقد اجتماعي قائم على أساس المساواة والعدالة والتي لم تكن يوما مرتبطة بشخصية ما أو رمز ما..
وهذا ينسحب على ما شهدته  اليابان والصين و الشرق الأقصى من تطور نوعي تقني وتفوق تكنولوجي إلكتروني كان بنيانه من الأنظمة الأبوية والتي يمكن وصفها بالأنظمة القاسية ذات الشكل الهرمي في توزيع السلطات، والتي تتعارض مع مفاهيم الإدارات الحديثة في أوروبا وأمريكا وقد أثبتت بعد قنبلتي هيروشيما ونجازاكي النوويتين أنها تقود ثورة حداثة اقتصادية تستطيع السيطرة فيها على الاقتصاد العالمي بل والسيطرة على الأسواق العالمية بدقتها وعلومها وثورتها النوعية والالكترونية..
وتعتبر من أرقى الأمثلة على التكامل والتوافق المجتمعي الذي يعتبر العلاقة بين الأفراد مقدسة أساسها الاحترام والطاعة المنظمة التي جل تركيزها على الهدف العام وهو ما يمكن ترجمته إلى المصلحة العامة..و هو من أهم معايرها..
ولا بد أن يكون هناك اجتثاث لبؤر الجهل والفقر والقهر ولم تكن القارة الهندية بعيدة عن ذلك بعد أن رضخت للاستعمار البريطاني إلى الأمس القريب.. حيث كان المستعمر مسخرا الإنسان كدابة يركبها.. أصبحت الهند بعد ذلك متصدرة الدول النامية ومصنعة للصناعات الالكترونية الحديثة..
 عندما يكون الفكر مرتبطا بالسلوك مؤمنا بالدولة وعندما تكون مبادئ الانتماء والوطنية حصيلة لا صندوق حكايات، تكون هناك رؤية أخرى لمفهوم الوطن كما كان فيها الشعب التركي مثالا يحتذى في المحافظة على موارده ومكتسباته ومبادئه العليا و حقوقه في الممارسة الديمقراطية..

التعليقات

تعليقك على الموضوع

تم ارسال التعليق