أنا مُدون أنا حر !

شبكة المدونون العرب - الكاتبة: فاطمة غندور - ليبيا

التدوين الإلكتروني هو عالم بكل ما تعنيه هذه الكلمة من فضاء مُتسع رحب ،براحهُ الكلمة الحُرة، التي يتاح فيها لصاحبها (مُرسلا ومُستقبلا ) أن يطرح ما يشاء ،مُطلقا العنان لأرائه وأفكاره تجاربه وأحلامه ،ويبدو العالم هنا أيضا في كم الرواد والمُتابعين (المُتصفحين والمُعلقين ) ونوع المواد التي تُدون ،إذ تقارب حالة اهتمام وانشغال المُدون ( نـة ) بدءاً من سيرته ،ويومياته بكل تفاصيلها الى أراءه في مواضيع وقضايا السياسة، والاقتصاد،والاجتماع،الثقافة والأدب ….الخ ،وإن كشفت عن خصوصية صاحبها ،ونحت أحيانا الى الذاتية والأنا ،لكن ذلك لا ينفي حالة انفتاحها على الآخرين ، إذ بمجرد بثها على الصفحة التدوينية تُشكل علاقتها بالمتلقي الذي يحتفظ بحق الرد المُتاح بالمراسلة والتعليقات ، من عدمه ،وفي الجانب الصحفي والإعلامي تظهر طزاجة وحيوية وظيفة ودور المدونات ، وفي الآونة الأخيرة تزايدت صفحات المُدونات العربية والعالمية التي وفرت مناخا قد يُنافس الصحيفة والمطبوعة الورقية ، (وإن كانت سنيدة له في النشر فأغلب الصحف والدوريات الورقية لها مواقعها) ،فهناك المقال اليومي أوالاسبوعي الذي يُعنى بموضوع أو قضية يجري تداولها ( ما يكتبه المُدون أو ما ينتقيه من مُدون افتراضي أخر) وهناك اصدرات رقمية في شكل دراسة، أو بحث، أو قصص وروايات ،ودواوين شعرية، وسير ذاتية … ،وإن فاق الشكل الصحفي ما يصدر من نتاج ثقافي محليا وعربيا ، مع الإشارة بالخصوص إلى أن تبني فكرة إعادة تثبيت ونشر (الورقي)  ليصبح نصا رقميا سيحظى حينها بالتداول والشيوع الذي يجتاز فيه الجغرافيا المحدودة للمُنجز وكذا سمة ونوع المطالعين المتصفحين .
 (إيريك ريموند)  يُعلن أن مُجتمع المُدونات المفتوح هديةٌ ثقافية ، وأنه مجتمع تسوده ثقافة العطاء والمشاركة بدلا من نظام الأوامر والسلم الوظيفي ، وتلك من ميزات المدونات إذ لا تكميم، ولا حذف ، ولا رقابة ،ولا قوانين معينة حين النشر ،إلا ما يحمله صاحبها من احترام ومسؤولية ذاتية تجاه ما يُدونه أو ينتقيه ، وفي عالم المُدونات ما يشي بدور وتأثير على أكثر من صعيد ، صناعة الرأي العام ، والدفاع عن القيم والأفكار ومناقشة لقضايا الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان : رجلا ، وامرأة ،وطفل، على تباين مستويات الطرح والتأثير .
واليوم مئات الآلاف من المدونات عربيا (وربما وصلت الى الملايين عالميا) تُفرد مساحة مجانية بلا تكلُفة للكلمة والرأي على مواقع شبكة الانترنت ،ترفع شعـارا ضمنيا  : صوتك ، صورتك ، كلامك أنت، فمن عنوان ،اسم المدونة ( فالباب من عنوانه) نتكشف دلالات أنها ليست لمجرد التعبير (الفضفضة) فللمدونة رسالة تُبلغها وهدف ،والتدوين خطوة أولى للتفاعل مع الأحداث ولتعدد وجهات النظر، ولطرح المشاريع والأفكار الجادة ،والهموم والمواقف التي قد يدفع المُدون بجرأته وصدقه ضريبتها حين النبش في المحظور ،وحين انتقاده لبعض الأوضاع السائدة المسكوت عنها ،وهناك مثابرة وتفاني تجاه أن تكون المدونة حمالة أوجه تلاقي وتماثل : صفحتي هي صفحتك، والمشترك حرية الكلمة والدفاع عنها ، أنا أُدون… أنا حُر.
وقد يرى البعض رأيه فيما انحزتُ له سابقا من دور للمدونات ولما يكتب على الحوائط ( الفيس والتويتر، و..) ،من أن عائقاً هو العلاقة بالتقنية ، أوالإيمان بدورها أصلا، وكسر حاجز القبول والرهبة ، والفهم المُسبق لكونها عصية المعرفة والاكتشاف ( أجهزة الكومبيوتر والنقالات بتعدد انواعها وتصميماتها التي في تطور كل يوم  )، وانها وتحتاج زمنا للتعاطي معها أليا وفكريا ،لكن ذلك لن ينفي أن التقنية أضحت من الأدوات الأساسية للمعرفة (بشموليتها) ،وللتواصل الإنساني في هذا العصر مع ترديدنا مقولة العالم أضحى قرية صغيرة وقريبة بضغط  زر فقط !، و مهما جانبنا وتطرفنا في رأينا تجاه الدفاع عن علاقتنا بالقلم والورقة ،ومن ثم الصحيفة والكتاب، خاصة وأن التدوين في الآونة الأخيرة أصبح يعني بث الرأي ، والطزاجة، واللحظة ، والآن ،لا سبيل لنفي ذلك ، وسأعني بذلك شريحة الكُتاب والأدباء والصحفيين والاعلاميين عموما اللذين تمثل لهم المدونات مساحة مفتوحة للممارسة الفاعلة ،ما ينشدونه ويسجل غيابه ( بل واقصاءه ومنعه ) على الصعيد العملي الوظيفي الروتيني ، ولن يعني ذلك استثناء أساتذة الجامعات ، بل والمختصين والمخططين في المراحل التعليمية ، والوظيفية المختلفة ( مهندسين ،وأطباء وصيادلة ، ومحامون .. )، فالمُدونات حيز الجميع … .
وتظل المدونة في جانب كبير منها رسالة ذات خصوصية معرفية وإنسانية وحمالة قضايا وسنلحظ ذلك في المدونات الخاصة كنموذج ومثال المجال الحقوقي وقضايا الطفولة و الحراك النسوي وقضاياها المُتعددة ( المُدونة : أنثى !)، عدا الجانب الجمالي ، والتوثيقي الذي يشهد فورة مُلفتة فيما يعكس ذائقة ومخزونات  بصر وسمع  الأفراد والمجموعات التي لن يتاح لها ذلك في فضاءات إعلامية أخرى قد يطويها الزمن يوما بفعل العصرنة .

التعليقات

تعليقك على الموضوع

تم ارسال التعليق