أستراليا والأمل السوري

شبكة المدونون العرب - الأديبة: أمان السيد - سوريا

يصحبك الصباح إلى الطيور التي تنتشر بكثافة هنا في هذه الأرض الجميلة، طيور مختلفة الأشكال والأصوات والترتيل.. تلاحظ الطائر الذي يحمل معه منقاره الشبيه بالمنجل أنّى تحرّك، ورغم حجمه الأثقل قياسا بتلك الطيور الخفيفة، فإنك تراه يشاركها ما نثره عابر سبيل من الطعام، ثم يحلق معها بسلاسة النسيم الذي يسرح في السماء التي لم تحشر بحدود..
تنتقل ببصرك إلى قطتي الجيران تتراكضان على الشجرة، تتلامسان ثم تهجم إحداهما على الأخرى، ثم تكملان التسلق على الشجرة المقابلة، ثم تنزلقان منسجمتين إلى الأرض التي لم تحشر إلا بقيود البشر..
تفاجأ بصوت حاد أشبه بصفارة إنذار لطائر يستغرب صدوره عنه، وبإمعانك النظر ترى أمامه سحلية متوسطة الحجم مما هو متواجد هنا في أستراليا تمد برأسها خارج حدود شقّ يشكّل مسربا لمياه الأمطار، فتقتنع أنّ نقاشا يجري بينهما أدى بهما إلى إعلاء الصوت، ثم بعدها يتابع كل منهما طريقه بهدوء في الأرض التي لم تحشر إلا بقيود البشر..
أعتقد أن العاقل لا يستطيع أن يغضّ الطرف عن هذه المخلوقات التي تنتشر حوله، ولا سيما أنه قد سُمح لها بممارسة حريتها في موطنها الأصلي، فلم تؤسر أو تنف، أو تؤذ، والكائن البشري الآتي من وطن يعاني من الظلم والرعب لا يمكنه أن يحبس نفسه من أن يتفكّر فيما يصدر عنها من الأفعال، ويقارنها بما تخزّن من مشاهدات مؤلمة في ذاكرته..
يحضرني- وأنا أتابع تلك المشاهد- سجناء الرأي في بلدي الذين باتوا أرقاما جوفاء، سجناء الرأي الذين تغصّ بهم السجون ويتفنن في تعذيبهم، وقتلهم من شبان وشابات خرجوا متظاهرين سلميين ليعبروا عن رفضهم لنظام لا يسمح للديموقراطية أن تعرفها الأرض التي استعبدها بمنطق العسكر والسلاح والقوة، ومساندة الدول التي تضع مصالحها فوق كل ما يطالب به الشعب السوري من الحرية في التغيير بعد استمراء للذل لما يقارب نصف قرن وما يزال يزيد، ويستشري..
لم نُؤتَ هبة سليمان ومعجزاته، لندرك ما يجول في عالم الطيور والحيوانات أمامنا، لكن المنطق يستجرنا إلى الاقتناع أنّ لها أساليبها، وطرقها في العيش أيضا، وأنها ما وجدت في الكون عن عبث، فلها فيما يصدر حكمة تنشرها، لعل العاقل يستقي منها، ما دام منطق الشر لم يستطع أن يسلسل سوى الشرور التي لم، ولن تعرف لها نهايات..
أستراليا اليوم شاركت في فتح باب اللجوء أمام السوريين، وسهلت لهم سبل الحياة، بل احتوتهم تماما مواطنين أصليين ضمن من تحتويهم من الجنسيات والعروق والانتماءات المختلفة، والذين ينسجمون تحت لوائها دون تمييز لا في الحقوق، ولا في الواجبات إلا لمن يعمل ويقدّم أكثر، وذلك هو دأب العرف في المجتمعات منذ بدء التكوين، ومما هو ملاحظ أنّ التجمع السوري على أرض أستراليا يستطيل ويتشعب، فجنبا إلى جنب يتواجد السوريون الذين  لكل منهم رأيه ونظرته الخاصة لما يحدث لوطنه الأم، فمن دمرت حياته في سورية تنفسح له الحياة الجديدة في أستراليا، ومن كان رماديا في موقفه تجاه ممارسات النظام السوري، وفضّل حين كان محشورا في أتون الحرب وفي ميادينها أن ينأى بنفسه إلى أن تواتيه الفرصة، ها هي قد جاءته في أستراليا، فيحظى بحياة كريمة كما غيره، أما السوريون  المتواجدون في أستراليا قبل الحرب السورية، والذين تتفرق بهم المواقف والآراء تجاه ما يجري للوطن، فإن هذا التباين  يتبدى من بعضهم واضحا في اختيار يوم آخر ينفردون فيه للتظاهر، وحمل لافتات مؤيدة للنظام ولرموزه، أو المشاركة بمرور ضئيل في يوم حدد للمعارضين  بسيارات تحمل تلك اللافتات المعارضة..
كل ذلك يجري على الأرض الأسترالية وفي حمى ورعاية حكومتها في مناسبات  تعتبر حساسة كثيرا للسوريين، كمناسبة الترحيب باللاجئين مثلا، أوالموقف تجاه الغزو الروسي لسورية، أوالذكرى الخامسة للثورة السورية، وغيرها من المواقف التي تنعكس تبعا لما يستجد في ساحة الصراع السوري، والتي أقل ما يقال فيها إن الموازين اضطربت وتحولت فلم يعد من سبيل لتوقع مساراتها..
هذا كله حريّ به أن يدفع السوريين في أستراليا إلى أن يتوحّدوا ويتّفقوا، لا إلى أن يتشرذموا في تكتلات، وتجمعات تحت مسميات جمعيات متعددة تنبثق في كل حين، وتختلف في التوصيف والقواعد التي تبني عليها تجمعاتها، فيكثر في ذلك اللغط الذي لا يجدي، ولا يخدم أبناء سورية الذين يهرقون بنيران القتل والتدمير، فما دامت - كما تدعي- تسعى  إلى مساندة السوريين العالقين في الأرض السورية، فما الذي يمنعها من التآزر، والالتفاف في بوتقة واحدة، والكفّ عن التشرذم الذي لا يخفى أنهم لم يستطيعوا التنصل منه في الأرض الجديدة، والذي هو حتى اليوم ما يزال العقبة الكأداء أمام حلحلة الوضع الدامي على أرض بلادهم..
إن عدم الاتفاق حتى اليوم في مسرح الصراع السوري، يعطل الوصول إلى الأمل المنشود للجميع، ويضعف الإيمان بالقضية السورية في نظر الرأي العام الدولي، إذ كيف يمكن لأكثر من صوت أن يسمع في وسط الضجيج والهدير والأفكار المختلفة..
يجدر بالسوريين على أرض أستراليا أن يكونوا المنصّة المدعّمة المتضامنة المتوحّدة المنبثقة من رؤية أكثر نصاعة، لا سيما وأنهم يسرحون فوق مساحة شاسعة من الحرية الحقيقية في دولة تعي قيمة الحرية، وتستثمر مفرزاتها بذكاء، فلا تستثني منها حتى الكائنات الحية التي تعيش في ربوعها، وأهم ما في الأمر أنها قد سهلت لهم كشعب سوري منكوب أن يتلاقوا، ويتعايشوا بسلام، ويحققوا ما في سبيله ما يزالون يبذلون الغالي والرخيص ليحظوا به في الوطن الأم..
 إنها لفرصة نادرة على السوريين المتواجدين في أستراليا أن يدركوا قيمتها، فيسعوا إلى الانصهار في تكوين إنساني يكون نواة صغيرة تتسع  لسورية الموحدة  التي يحلم بها السوريون تهبهم إياها أستراليا حيث يحلم أن يعيش الإنسان الراقي الذي ينفر من الظلم والاستبداد، ما دام يتقيد  باحترام القوانين التي وضعتها الدولة الأسترالية لسلامته مع غيره في الأرض التي يعيشون عليها.

التعليقات

تعليقك على الموضوع

تم ارسال التعليق