ذكريات في سجن سعودي

شبكة المدونون العرب - الأديبة: أمان السيد - سوريا

 في كثير من الأحيان، وأنت تقرأ ما كتبه أحدهم تشعر برغبة ملحّة تنهشك لإخراج ما عندك، وكأن ما كنت  تقرؤه منذ قليل قد استدرج فيك ذكريات ظننتها أصبحت طي النسيان.       وأنا أقلب في موقع " أوكسيميتي" لفتني عنوان لمقال شدني، وردني إلى الوراء فورا.. المقال حمل العنوان " من داخل أسوار الجامعات النسائية في السعودية "  للكاتبة السعودية "مريم الحبيل" تتحدث فيه عن ممارسات تمارس على الطالبات السعوديات في الحرم الجامعي تبدأ برقابة شديدة تجرأت على التدخل في الشؤون الخاصة كالتفتيش في الموبايل، والتوقف عند قصة الشعر، و عند التنقل، وعلاقات الصداقة بين الطالبات التي تخضع لأشكال من التقييم السلوكي غريبة إلى ما  وراء ذلك مما لا سبيل لسرده الآن، لكني لا أنكر أن المضمون قد استوقفني، وأرجعني إلى زمن بعيد بحلوه ومره.. إلى فترة خاطفة شخصية من حياتي عشتها في سكن الطالبات التابع لجامعة الملك عبد العزيز في مكة المكرمة، تلك الفترة التي أستطيع أن أقول إنها في حياتي أشبه بفيلم توثيقي قصير في طوله، لكنه مزدحم بمشاهده الثرية الغريبة التي ما تزال تحفل بها ذاكرتي، والتي أجمل ما فيها أني خرجت بصديقة سعودية دأبت على مراسلتي زمنا كانت فيه لو تهت عنها  تعثر بي ثانية بوسائل لا تعجزها.. تلك الصديقة يؤسفني أني لم أعد أعلم عنها شيئا، ولعلها تمر يوما بكلماتي، وتعاود وصل ما انقطع بيننا إن كانت ما تزال الحياة من نصيبها..
   حطت عصا الأقدار بي في مكة المكرمة، وفي سكن داخلي وصلت إليه والطالبات كنّ بعد يقضين إجازاتهن الصيفية.. استلمتني المشرفة حينذاك، وكانت مصرية.. كنت أشعر بالغربة وبالفقد الكبير لأهلي ولإخوتي ولصديقاتي في سورية، وكانت الظروف قد قدرت لي أن يكون لي مقام لم يطل في السعودية..
   في ذلك الوقت لم أكن قد تجاوزت السابعة عشرة من عمري في سنتي الجامعية الأولى، وبما أنني وصلت إلى السكن في وقت كان خاليا إلا مني ومن المشرفة، فقد اصطحبتني إلى عرس أخيها وكان في فندق معروف قريب من الكعبة المشرفة  يدعى فندق" شبرا" على ما أذكر..
  هناك بدأت عدستي البصرية بتسجيل المشاهد الأولى لمتناقضات في سلوكيات غريبة جعلت أعمل عقلي البكر فيها، ولا أصل إلى جواب.. كان العرس حافلا بالموسيقى ، فرقة موسيقية تعزف قريبا من الحرم المكي، ومن يقوم على خدمة المدعويين كانوا من الرجال.. كنت أتفرس فيهم ولا أصدق ما أرى حين أقارن بين ما تراكم في ذهني عن المحرمات، وما أراه أمامي، ثم عرفت بعد ذلك أن الخدم كانوا من الخصيان.. طبعا عرفت ذلك بعد أن تعرفت بصديقتي "صالحة" التي عرفتها في السكن الجامعي الذي كان أشبه بقلعة مغلفة نوافذها  بالخشب بحيث لا تسمح بمرور ضوء الشمس مطلقا، مساميرها مثبتة بقوة في الخشب المسدل على النوافذ تتبعها جولات ليلية من مدير الجامعة يدور فيها حول المكان متفقدا إن كانت طالبة قد تجرأت على أن تكسر جزءا من الخشب لتواجه الشمس بوجه أجرد..
   ابنة الشمس والبحر - التي هي أنا-  كان يعزيها اكتشاف نافذة مكسور خشبها تقع على ارتفاع لا يسمح بالوصول إليه إلا عند ارتقاء مقعد الحمام الفرنجي الذي اكتشفت حينذاك أن الصعود عليه كان يمكنني من رؤية الشارع حرا، وما يصطف حوله من النخيل، والتمتع بالضياء، لذا كنت أطيل المكوث في الحمام، وكنت أشعر بالسعادة الغامرة، وأنا أكثر من التأمل بحرية، كما كنت أشعر بالغيرة، والحسد من الشارع الطويل، والنخيل السامق والهواء العليل، والرجال الوحيدين الذين يتجولون على أقدامهم بلا اكتراث  حين تتلقفني حجرتي المظلمة إلا من ضوء مصباح النيون الذي لا يأفل نهارا ولا ليلا.
    ما أكثر ما يقفز الآن في مخيلتي من الصور والمشاهد بعد قراءة المقال المذكور آنفا.. أتذكر الآن قوانين السكن التي كانت معلقة في منشور واضح للجميع، والتي أهمها منع ارتداء البنطالونات، ومنع الجلوس في السرير مع صديقة من صديقات السكن، ومنع الاقتراب من النوافذ إلى ما هنالك من قوانين في مجملها تقوم على المنع، واعتبار المرأة متاعا مسترخصا مصفدا بالقيود..
  أتذكر يوما قدمت فيه إلى الغرفة، وحاولت أن أدفع الباب الذي كنت أعرف أن قفله قد عطب، ولكني أراه يستعصي الآن علي، وإذ بصديقتي المساكنة في الغرفة تزيح الأريكة التي سدته بها، وهي تشير بإصبعها واضعة إياه على فمها علامة الصمت والسكوت..
    لا أنسى كيف جرجرتني إلى النافذة التي استطاعت أن تحتال على جزء عرضي من خشبها لتحركه، لماذا؟ لترقب بضعة رجال كانوا يتمددون في ساحة بيتهم العربي، أو حوش الدار، ورغم أننا كنا في طابق مرتفع، وأن المشهد من فوق يبدو شبه غائم، لكن لا يمكن وصف السعادة والانتشاء الذي كانت صديقتي تبدو به، وهي تهمس" ريالة.. ريالة" بلهجتها السعودية المحببة..
   قد يقول قائل هنا: إنه طيش مراهقة وشباب.. لا ينفى ذلك، ولكن ما الذي يدفع إليه سوى تلك الأصفاد التي منعت عنا ضوء الشمس ونور الله في عز نهاره؟!
   في تلك الفترة سمعنا أن عبد الحليم قد مات، وتناقلت الفتيات أخباره حزينات باكيات، وأخذت أغانيه تنوح في السكن، وللقارئ أن يتخيل موقف المشرفات في ذلك الوقت ، والتقريع والتنبيه الذي لحق بالجميع..
    أما الحب، فقد كان له نصيبه من تلك الجلسات، وأميرته كانت  صبية يرجع نسبها إلى غزة، كانت عاشقة لنجاة الصغيرة، وفي حوش السكن الأبيض المسور بجدران شاهقة كنا نقضي سهرات مطولة تحت القمر تغني فيها صديقتي لنجاة، وتندب حبا يعبث بفؤادها، ولا تستطيع أن تناله.. كنت أنصت إليها وإلى صوت نجاة ينبثق من راديو صغير تدندن فيه
 " حبايبنا عاملين إليه في الغربة" وأحس أن كل وجوه أهلي تبتسم لي في لجين القمر..
 هذا في السكن، أما في الحرم الجامعي وفي قاعات الدراسة، فقد كنا نتابع المحاضرات على شاشة كبيرة يبدو لنا المحاضر فيها كالنجم، ونحن في الخدر بلا خُمر نتبادل الطعام وزجاجات الكولا، وأصابع البسكويت  الأمريكي المالح، وعندما تريد إحدانا الاستفسار من المحاضرعما غمض كانت تلجأ إلى الهاتف كوسيلة وحيدة تصلها بالرجل الوحيد المسموح التواصل معه هو، والبواب.
  في آخر الدوام تكون الحافلات تنتظرنا لتقلنا إلى السكن متشحات بالسواد لا يبدو منا سوى بصيص عينين، كانت عيناي تسترقان النظر إلى الطريق طوال الوقت لاكتناز بعض المشاهد في طريق العودة إلى السجن ذي الأسوار الشامخة، وكم من مرة حين كنت أحاول أن أزيح المنديل عن وجهي، أصفع بمن يصيح بي " غطي وجهك يا حرمة"..
   لم أكن أدرك في ذلك الوقت ماذا تعني كلمة حرمة، كل ما كان يهمني أن أستلذ بما خلق الله، وأبدع من سكائب النور، وسواد النخيل، وأن أعب إلى ما لا نهاية من حرية بترت فيها جناحاي في تسلسل المنافي التي ابتدأت الترحال فيها صغيرة..

التعليقات

تعليقك على الموضوع

تم ارسال التعليق