المرأة والبحث عن الذات...

شبكة المدونون العرب - الكاتبة الصحفية: سناء أبو شرار - الأردن

هل المرأة هي تلك الصورة الجميلة المعروضة في المجلات النسائية؟ هل المرأة تلك الفتاة الجذابة التي تلفت الأنظار ؟ هل المرأة موضوع إثارة متواصل ومسترسل على مدار العصور والأفكار؟ هل المرأة هي ذاتها أم هي ما أراده الرجل لها وصدقته هي بكل إرادتها ورغبتها؟
المرأة هي ذلك الجزء الآخر من الإنسانية بمعاناتها ، بوحدتها وبخوفها من الحياة ومن ضعفها. المرأة هي ذلك الجزء الآخر من الحياة بجمالها وشقائها وبكونها بأحيان كثيرة حاملة مسؤولية حياة بأكملها خارج بيتها وداخل بيتها. المرأة هي ذلك المخلوق الذي تلتفت له الأبصار بشبابها والذي يُترك خلف القافلة بشيخوختها . المرأة هي ذلك الوجة الآخر للحياة الذي تُحيّه كلمة حنونة وتقتله كلمة جافة وقاسية ؛ وقد تكون سبب كل المعاناة وسبب أي دمار .
أي أنها ليست ما صورته لها المجلات النسائية والروايات ، وفي زمننا المعاصر تدرك بأنها لم تعد مجرد صورة جميلة وأنها لابد أن تكون أكثر من صورة جميلة ، ولكنها ورغم إدراكها لذلك ورغم إدعاء المجتمع بأن جمالها ليس أهم ما بها إلا أن هذا الجمال لا يزال الخيل الأول في السباق الذي تتم المراهنة عليه. أي أنها وفي جميل الأحوال في سباق محموم أمام جمالها وعقلها وقلبها ونفسها فأين هي من هذا السباق المتعدد النهايات؟
لابد أن يكون لها مكانٌ واحد في كل هذه البدايات والنهايات إنه أن تكون ذاتها بجمالها ببساطتها بل وبسذاجتها ، أن تتوقف عن مواكبة السباقات التي يرسمها لها المجتمع تارة ثم يرسمها لها الرجل تارة أخرى ، فهي جذابة إن كانت رشيقة ، ومثيرة إن كانت ذكية ، ولافتة للأنظار إن كانت جميلة ، ومنفرة إن كانت فبيحة،  ولكن وحين نبحث من بين كل هذه الصفات نجد في أغلب الأحيان ذات تائهة عن ذاتها لأنها تدور في أفلاك الآخرين.
ولكن إدراك المرأة لذاتها ليس بالأمر البسيط رغم بساطة المفهوم ، لأنه يتطلب مخزون ثقافي ونفسي وفكري ، وهذا المخزون لايمكن إمتلاكه إلا بأن تخلع المرأة عن نفسها بأنها فقط أنثى وأن تنتمي بفكرها للعالم الواقعي لا بإنعكاس صورتها الأنثوية بل بإنعكاس صورتها الإنسانية وهو ما يحررها من أوهام كونها امرأة وأنها لن تكون مقبولة إلا إذا كانت تلك المرأة أو هذه المرأة. إن إنسلاخ المرأة عن مفاهيم متعمقة الجذور في المجتمع وفي نفس الرجل وفي نفسها هي أيضاً يفتح لها آفاق إيجاد الذات ، وذلك ليس بمعنى التحرر من تقاليد المجتمع بل تحرر فكرها من صورة مُستنسخة متكررة بالية وقديمة عن ذاتها وقد تم تحسين هذه الصور بما يتناسب والحياة المعاصرة ولكن حتى هذا التحسين لم ينجح في أن تجد المرأة ذاتها .
حتى في الغرب ، لم تنجح كل النساء هناك بإيجاد الذات فهن لا يزلن في سعي محموم نحو الجمال ، نحو النجاح ومنافسة الرجل ، نحو إثبات الذات المادية لدرجة استنفاذ انسانيتها .
أن تكون المرأة ذاتها هو أن تتوقف قليلاً وتنظر عبر نافذة حياتها بهدوءٍ وتروٍ وتسأل نفسها هل أمارس ذاتي أم أمارس أدوار تم رسمها لي؟ هل أنا موجودة لإرضاء رجلٍ ما أو استجداء حبه ورضائه أم أنا موجودة لأن الله خالقي أراد أن أحقق رسالة سامية بهذه الحياة مهما كانت بساطة هذه الرسالة؟ هل توجد الثقة هنا بداخلي أم أنتظرها من الآخرين عبر كلمة أو نظرة ؟ هل أشعر بالفراغ والضياع حين لا يهتم بي زوجي أو ابنائي ؟ هل أنا ذاتي أو أنا جزء من ذوات الآخرين؟ هل أنا حرة الروح أم خاضعة لعبودية منظومة اجتماعية طويلة رسمت لي أهدافي ورغباتي ونهاياتي؟
إن أسمى وأرقى حالات الإنسانية هي المعرفة العميقة للذات ، معرفة أن كل انسان منا خُلق لأجل هدفٍ نبيل مهما كان شكله الخارجي ، مهما كان مستوى قدراته العقلية ، مهما كان دينه أو جنسه. إن تأطير وجود المرأة بمفاهيم الجمال والذكاء والإثارة والجاذبية والأمومة هو سجنها الحقيقي لأنها بجانب كل هذه المفاهيم تمر في الحياة متجاهلة أو جاهلة لانسانيتها الرائعة التي خلقها الله تعالى أوسع من كل مفاهيمنا الضيقة. إدراك الذات والوعي بها مهمة صعبة لأنها عملية طويلة الأمد من التأمل والثقافة ومحاسبة الذات قد تمتد لسنوات من حياة امرأة تريد أن تدرك فعلاً قيمة وجودها ، ولكنها بنفس الوقت قد تكون عملية بسيطة وهي أن تنزع عن نفسها كل القشور التي ألبسها أياها المجتمع وأن تنظر إلى جوهر الأمور بكل حياتها ، فإن الأنوثة لا يجب أن تكون مبرر للسطحية ولا للأخطاء ولا لهدر الكرامة. والمفارقة الصعبة هي أن امرأة لا تدرك ولا تعي ذاتها من الصعب أن تُنشئ أجيال مميزة وصاحبة قيمة عليا في الحياة ، لأنها المرأة الأم وهي الحاضنة والمعلمة الأولى لجميع الأجيال القادمة ؛ من الصعب على امرأة لا تعي ذاتها ودورها وانسانيتها في الحياة أن تزرع هذه المفاهيم بأولادها ، لذا ومثلما أهتمت المرأة بجمالها الخارجي لابد أن تستيقظ وتوقظ جمالها الداخلي ، لأن جمالها الداخلي هو الجمال الوحيد الذي لا ينعكس عليها فقط بل على المجتمع بأسره.

التعليقات

تعليقك على الموضوع

تم ارسال التعليق