أنا حرّة في أستراليا

شبكة المدونون العرب - الأديبة: أمان السيد - سوريا

في العالم المصنف حرّا يعتبر أقل من عادي أن تسمع صوت امرأة  يهدر في مكان عام مدوّيا كجرّافة أوقفت فجأة.. تصرخ في وجوه الرجال  دون اعتبار للأنوثة ولا للمكان، وحين تنظر إلى لباسها الشرعي تستغرب أنّ من تنتمي إلى الإسلام لا تعيبشاعة هذا السلوك الذي استعار الخالق له صوت الحميرووصفه بأنكر الأصوات..التبرير سباق هنا، والعذر حاضر.. أنا حرّة.. أنا في أستراليا.
يُرمى بالزوج مسلوبا تعبه وشقاءه إن اختلف مع  زوجته، حتى وإن كانالخلاف بسيطا يمكن تداركه في البلدان التي لم يعهد سنها لهذه الشرائع، لأنّ حجة الزوجة، أو العشيقة المساكنة في البيت قائمة في ممارستهالحقوق سنتها الدولة لها في العالم الحرّ،أما الزوج فلا يراعى في مطلق الأحوال، وعليه أن يغادر حتى وإن كان بلا مأوى، ملقى كما تلقى العظام بعد تجريدها من اللحم.. التبرير متوفر بكثرة تسمعه على لسان الشريكات الواثقات.. أنا حرة.. أنا في أستراليا.
 فتاة تغيّر عشّاقها بعد أن تركت بيت الأهل، لتلك الحجة ذاتها، لا تفكّر بإنجاب الأولاد، وإن فكّرت فلا يهمّ إن ارتبطوا بأبٍ، أم لم يرتبطوا.. المهم الاستقلالية، والمتعة الجسدية.. وذلك تحت ختم ممهور من الأهل راضين أو غير راضين.. إنه القانون الذي يحكم هنا.. التبرير متوفر بكثرة.. أمارس حريتي في بلد حرّ..
تكتّل واضح  ممن ينتمون إلى الطائفة المسيحية بدءا من الإصرار على تعليق الصليب في الرقبة، وانتهاء بتعليقه في السيارة الخاصة، ونظرات غير مرتاحة إلى من لهم شكل مسلم سواء بالحجاب، أو باللحية في اتّهام مسبق بالإرهاب، وفي تحيّز خاصّ يمنع من التواصل والانسجام  المتوفر بطلاقة وبجمال وبشفافية في بلدان المنبت، يقابله إصرار من بعض المسلمين على القيام بتصرفاتفي كثير من الأحيان لا تتطابق معما أمروا به  ليمتازوا عن غيرهم.. التبرير متوفر بكثرة.. إنها الحرية.. نحن في بلد حرّ.
 تقلّب الجرائد التي تراها انعكاسا لما يحصل على الأرض من التنافر تحت عنوان الحرية، ومنها جمعيات كثيرة بمسميات مختلفة تحرص على الطابع الديني الطائفي تقرأ عنها في الجرائد، وترى مقرات لها فيأثناء تجوالك، تسوّق لتعاليمها، ولمبادئها بحدّية بالغة، والتبرير.. إنها الحرية الشخصيّة..
 سلوكياتمستغربةعند من يقطنون على أرض أستراليا - أو في العالم المصنّف حرّا بشكل أشمل- قادمين من جذور مختلفة تتبدّى في ممارسات أعجب، منها نماذج من التعصّب الواضح إلى الانتماء الديني لا القومي،  في تكتلاتٌ تُشعر القارئ للأحداث أنه في غابة عَمِيَقاطنوها عن ضروب الجمال الذي ترفل به مرابعها، ليتحوّل القاطنون الذين المفترض بهم أن يكونوامتناغمين مع من سواهم في أرض بمثل هذا العطاء، والسحر، والطلاقة إلى ما يشبه الجزر المنفصلة أقيمت بينها سدود منيعة رغم تحرر ظاهري تمسحه عين القارئ للمكان  في الوهلة الأولى، لكنها بملاصقتها للمكان تلحظ بدقّة التشتّت المتراكم، والتناقض في ممارسات الحرية، وكأنّ الشعوب  تصرّ على حمل أصفادها معها أنّى رحلت وتوّجهت، وعندما تصل إلى المكان المناسب تعرّش، وتنسكب بشراسة وبعنف.
القانون هنا وضع للجميع، وهو في الوقت نفسه يطال الجميع، ويعرضهم للمساءلة القانونية حين ارتكاب ما يسيء أو يخلّ في بلد يحرص على أمنه وأمن مواطنيه، وإحقاقنسق في العيش رفيع الإنسانية، يؤخذ كمثال واضح عليهنصيب المرأة الأكبر من نهج الدولة في ذلك المجال، والحرص على خصّهابتشريعات لم تعرفها النسوة القادمات في بلدانهن الأمّ.. أمر يفترض منهن وعيا وتقديرا كبيرا للمسؤولية المكلفة بها المرأةتتحقق في أستراليا، ومثيلاتها من البلدان التي تساند المرأة، وتقدرها كشريك فاعل في الأسرة والمجتمع، مما يدفع بشكل حتمي إلى استهجان تطبيقات صادمة  تصدر عنهن بحجة الحق المكتسب..
 ما الذي أوصل المرأة أولا إلى هذا الفهم المضطرب للحرية، واستغلالها الاستغلال السيئ الذي يدمر العائلة، ويدمرهاهي كإنسان قبل أي شيء، ظانّة أنها في ذلك تنال حريتها باستغنائها عن شريك العمر والدرب وتركه منهزما مكسورا في مرحلة مهمة من العمر قد تكون أرذلها، ومما يكرسلاختلال في الميزان الإنساني المعاش على أرض الواقع؟!
أضف إلى ذلك ممارسات متباينة ومتعددة يلحظها المستجدّ بالمكان، والقادم إليه وهو يتوقّع أن يرى على الأقل تطبيقات ناصعةة للحرية التي ينشدها ترتكز في أدناها على الوعي الدقيق لما هو مُؤمّن، وميسّر على هذه الأرض، ليفاجأ بتحرر من نوع أسوأ في مكان يهتم بأدقّ ما يحتاجه الإنسان الذي ينتسب إليه، ومن بعض أشكالها القعود عن العمل تحت ستار أشبه بالبطالة المقنعة، ينتشر عند كثير من الشبان الذين يستثمرون الحقوق التي تؤمنها لهم الدولة بشكل شاذ، فيلتفتون إلى أعمال مؤذية هي نتاج الفراغ والشرّالخامد في النفوس والذي إن أوقد استشرى،فيشاهد من بعضهمالانصرافإلى أعمال غير سوية كتناول المخدرات، والمتاجرة بها مما تحفل به الجرائد من أخبار هذه الحوادث المريبة و صور الثراء الفاحش غير المُقنِع لمن هم ما يزالون في بواكير أعمارهم.
هذه المصارحات، والمكاشفات لا تنفي أن بعضا من القاطنين قد فهموا معنى أن يحظوا بميادين واسعة لممارسة حريات عاقلة مدركة، فكانوا من الفاعلين على هذه الأرض يحترمون ما حظّوا به من الفرص، ويسعون لتأكيد بصمة هامة في تاريخ هذه الأرض التي تقدّم لهم،وفي هذا  أكبر الدلالة أيضا على أن الإنسان الحقيقي  يصطحب ذاته في أية أرض التجأ إليها، أو اتخذها له مقرّا.
قد تكون النظرة طوباوية قليلا إلى واقع يشعر الآتي إليهأنه  يغدو خلية من خلاياه في عيش مشترك على أرض يحترمها، وقد يرى البعض هذه المعروضات متجنيّة، ولكنه في مجمل الأرض إحساس ينطلق من احترام لدول تبني، وفي فكرها ومستقبلها عدالة ومساواة، واحترام للإنسان الذي هو الأصل في كل انبثاق حضاري، وتقدير أكبر لأرض تخلق حرة نقية، ولكنّ البشري يشوّهها بما يلقي فيها من جنونه وعبثه، وابتعاده عن جادة الصواب.

التعليقات

تعليقك على الموضوع

تم ارسال التعليق