متسلقون على الطفولة السورية

شبكة المدونون العرب - الأديبة: أمان السيد - سوريا

لا نستبعد إن قلنا إننا نحتاج  إلى النظر في كثير من الألقاب التي تهدى إلى مشاهير، ونجوم في محاولات لتزويق زمان بات الذّمّ يكال فيه طبقات، ويتجاهل أولئك الذّامون أنّ العيب في الإنسان لا في الزمان الذي هو ثابت منذ أن كتبت له الكينونة، ولعل أفضل نعت لتلك الألقاب بأنها المضحكة المبكية، ومن ذلك إطلاق  لقب "سفير الطفولة"  على الذين كان منهم فناون يستحقونه لما عرف من مواقفهم  تجاه الإنسانية المطلقة، كأنجلينا جولي، وكان منهم ما يشذ عنه شذوذ البياض عن الغربان..
غوار الطوشة، أو دريد لحام كما اشتهر،  والذي كان قريبا من مشاعر الشعوب العربية انتشرت شخصيته انتشار النار في الهشيم، فأحيت في النفوس كثيرا من الأحاسيس الجميلة، لا سيما في السوريين وتجاوزت في تأثيرها الفعال الحدود السورية إلى العربية ببيوت أهلها، هذا الكاراكتر الشعبي بالطربوش والشروال، وانتهاء بالقبقاب الشامي الرديف لحمامات السوق الأثرية المتوارثة عن العثمانيين إلى جانب ما رمزت إليه هذه الشحصية المبسطة في التعبير عن هموم الشعوب المقهورة المستضعفة سواء في المواقف الدرامية المضحكة، أو في تراجيديا الحزن على الوطن الأول المسلوب فلسطين، شدت كثيرا من السوريين لمتابعتها، واعتبروها تنفيسا عن إضرام في نفوسهم لا يمكن أن يعبروا عنه ضمن إيهام كان يسيطر به على الشعوب العربية، والشعب السوري على الأخص لما عرف عنه من انتمائه المؤصل إلى الوطن الأم، وللقومية العميقة التي يحملها دون أن يفكر يوما بأنها تجارة الشعارات التي تسوق لها أنظمة وأجهزة مخابراتية كأفيون يستغل انتشاء الشعوب به لمصالحها، وسطوتها..
  هذه الشخصية شخصية غوار الطوشة في مسرحياته التي ارتبط اسمها بالماغوط المسجل عنه أيضا بأنه انعكاس  لترانيم الشعوب في همومها الرتيبة في لقم العيش، أو الحريات، والتطلعات المستحيلة  روّجت لها، وألّقتها شخصية غوار الديناميكية  التي سبحت بخفة على المسرح، فتغلغلت في وجدان الشعب السوري، وأحلامه، واستطاعت أن تسجل أثرا متابعا  أكثر قد يكون لقدرة  المسرح في التعبير عن الواقع المعاش، والتصاقه بقلوب الناس، أو للشخصية التي تقمصها غوار بحد ذاته..
دريد لحام الشخصية الطاغية الحضور المقربة من الحاكم، ولنقل الناطقة بلسانه بطريقة التلاعب بأحاسيس شعب سوري بأكمله عرفت عنه العاطفية، تتكشف الآن أقنعتها  في وقت يحصد فيه الشعب السوري بالمئات، وبالآلاف مما يجعل من سؤال هام يبثق كالرمح حادّا هنا، وهو كيف استطاع الشعب السوري بأكمله أن ينجرّ وراء شخصية غوار، وما يتبدى منها دون أن يدرك كيف لفنان أن يكون بهذه الجرأة في الطرح دون معاقبة أو ملاحقة من الجهات الأمنية المعروف عنها البطش، والقمع، أم أن الشعب السوري كان مغيبا بإرادته مشتريا أمانه الحياتي مكتفيا بظاهر الفكاهة متقصدا إعماء بصيرته عن مضمونها، أم أنه الانتشاء بالشعارات المزيفة في تسويف وتأجيل أديا إلى ما آل إليه حال الشعب السوري تحت شعارات الوطن الأكبر؟
وتكرّ المسبحة.. إلى أن يلقب دريد لحام بسفير الطفولة، ويحمل هو لواءها بلا خجل.. أية طفولة تلك وهذه الشخصية في خضم الألم والذبح السوري تترفع على دماء الأطفال، وتتجاهل ببشاعة ووحشية ما يلحق بهم من أشكال الموت والتهجير وفقدان الأمن والأمان والتجهيل، والاستغلال في الأرض السورية وفي المهاجر التي يمتطون البحار في سبيل الوصول إليها؟!..
الذاكرة  التي لا تنسى تستدعي إليها حادثة مؤلمة كان بطلها غوار الطوشة في إحدى المدن الساحلية السورية  في السبعينات من القرن الماضي، يمنع  فيها طفلا سوريا من دخول إحدى مسرحياته لأنه لم يدفع ثمن بطاقة الدخول، مسرحية يقدمها تحت عنوان عريض يتغنى بالطفولة، أمر يحدث في سنوات السلم والاستسلام، غض القائمون على المسرح الطرف عنه، وأرجعوا الطفل باكيا إلى بيته، وكان الأحرى بهم أن يتنبهوا إلى أن هذه الشخصية تتاجر باسم الأطفال، ويمنعوه من تقديم خدعة جديدة تستغلهم بيادرحصاد لها..
أليس حريّا باليونيسف التي تهب دريد لحام لقب سفير الطفولة أن تسحبه منه.. يقتلهم باسمها  مرتين، باستغلالها في زمن السلم، واستغلالها في زمن الحرب والتدمير، حين يتوجه إلى الخامنئي المرشد الأعلى للثورة الإسلامية الإيرانية المشارك المجرم في سحق الأطفال السوريين بصوت يفتعل فيه الشفافية والروحانية واصفا إياه بأنه النور وأنه المخلص، ثم يعود إلى التاج الوهمي يتحسسه غافلا عن السموم المسعورة التي يصبها بموقفه المهجن على جثث الأطفال وذويهم التي يلفظها البحر على السواحل القريبة، وقد أتخم منها..
الزمن الذي يتنصل من إجرام من شوهوه يثق أن شعبا سوريا أعزل  قد أثبت للعالم أنه حر من الداخل قبل أن يكون حرا من الخارج، سيغير النظرة إلى كثير من الألقاب والشخصيات، وسيضع مقاييس ناصعة البياض لكل شيء على أرض سورية جديدة ستعيد ترتيب نفسها رغم أنف المزدلفين، والمداهنين، والطغاة وصناع الأوهام.

التعليقات

تعليقك على الموضوع

تم ارسال التعليق