مكاناً للغد...

شبكة المدونون العرب - الكاتبة: سناء أبو شرار - الأردن

لماذا يبدو صعباً على البشر ترك الماضي؟ السيء منها والجيد هي التي تعطينا معنى الإستمرارية والترابط مع الآخرين. الكثير من البشر طفولتهم لم تكن سعيدة، والمشكلة في الحياة مع الماضي أنها تمنع التغيير وأنها بطبيعتها متشائمة.من الطبيعي أن يكون فهمنا لذواتنا يعتمد على تاريخ حياتنا، ونتعلم من خلاله ونفهم ما حدث لنا.
أن نعلم بأنه تم أذيتنا من قبل الآخرين ولكننا نختار أن نترك الرغبة بالإنتقام يتطلب مستوى عالي من الشعور والنضج الأخلاقي؛ فهو نوع من تحرير ذواتنا من العبء النفسي والقدرة على التغيير. إذا استطعنا التخلي عن الأفكار والتفسيرات المنغرزة في أنفسنا من الماضي، سوف نكون أحرار بإختيار التوجهات التي نتخذها في الحاضر والمستقبل؛ وهذا يتطلب تدريب لإدراك الذات وكذلك التصميم الذي يشكل تطعيم ضد الشعور بالعجز والقلق اللذان يشكلان جزء كبير من سبب عدم السعادة.
بتأمل الفقدان الذي لايمكن تجنبه خلال حياة كل منا، فطريقة حزننا والمعنى الذي نجده من ذلك يحدد كيفية مواجهتنا للمستقبل؛ التحدى الأكبر هو المحافظة على التفاؤل.
لبعض الناس، الماضي عبارة عن دوران لا ينتهي كفيلم تتم مشاهدته بلا توقف، ويتضمن كل التفسيرات، كل البؤس وكل الدراما التي تشكل ما نحن عليه والتي تكون مختلفة عما هو موجود في ذاكرة أو أفكار من حولنا رغم كونهم جزء من هذا الفيلم الذي لا ينتهي دورانه.
لا نستطيع تغيير أجزءا هذا الفيلم ، لا نستطيع تغيير إنعدام العدل، أو الجراح، فما هي الجدوى من البقاء بحالة الغضب وإنعدام السعادة؟
الإنتهاء من فصول الماضي هي بالتأكيد عملية مسامحة، عملية ترك كل ما مضى خلفنا، وهي العملية الأبسط والأكثر صعوبة في مسعى الإنسان؛ فهي عملية إرادة وكذلك استسلام وتبدو مستحيلة إلى أن يقوم بها الإنسان بذاته وبقرار منه.
ولربما لرؤية هذا لأمر بسهولة، فليتخيل كل منا حياته كلعبة البازل، حيث يضع الأجزاء في مكانها الصحيح، هناك أجزاء تحمل اللون الداكن، وأخرى اللون المشرق، أجزاء مترابطة وأخرى مشتتة، أجزاء تحمل لنا السعادة وأخرى قد تتساقط دموعنا عليها، ولكن ما يجمع لعبة البازل هذه هي أنها لوحة من الماضي، فكيف لنا أن نرسم خطوات المستقبل على لوحة متفرقة الأجزاء لن تفعل سوى أن تجعل ما يأتي من حياتنا هشاً ومتأرجاً وفاقداً للثقة؛ وإن كان لابد لنا من إنتقاء بعض هذه الأجزاء فلابد أن تكون الأجمل، الأكثر إشراقاً، الأكثر حباً.
ولكي نعلم أهمية ما سيأتي، وصغر حجم ما مضي، لابد أن ندرك بأن ذات كل منا هي الأهم، لأنها هي من تنسى، هي من تتذكر، هي من تبني وهي من تدمر لذلك لابد من مراقبة ما نفكر به وما نخطط له وما نشعر به؛ وألا نمنح للماضي أهمية أكثر من المستقبل؛ وألا نبني آرائنا على تجارب ماضية فاشلة بل وناحجة أيضاً لأننا لابد دائماً وأبداً أن نتقدم للغد مهما كانت صعوبة ما مضى.
في أعماق بعض الأنهار هناك طحالب، حين تعلق أقدامنا بها لن نتمكن من السباحة، والماضي السلبي، التعيس، المريض يشبه هذه الطحالب، التي لا تكتفي بإغراق من يسبح بل تمنعه حتى من محاوله النجاه. قبل أن نحذر من الآخرين لابد أن نحذر مما تخبئه ذواتنا وألا نعتقد بأنها الأفضل فقط لأنها نحن، فهناك من يضر ذاته أسوء مما يضره أعداءه.
التسامح ليس هدية للآخر بل لك، لأنه يجعلك تبدأ الصفحة البيضاء من جديد دون خطوط مشوشة وبشعة، ففي كل ألم تحمله روح كل منا هناك جزء ثقيل
يحمل المرض للجسد والنفس؛ ربما لن تسامح ولكن لابد أن تترك خلفك الألم والحقد ورغبة الإنتقام، والفرق بين التسامح والترك: أن التسامح هو أن تبدأ صفحة جديدة وتمزق الصفحة القديمة بكل تفاصيلها، أما الترك فلا تمزق الصفحة القديمة بل تطويها وتنساها، تُبقيها هناك ولكن دون ألم وكأنها صورة لأشخاص غرباء لعبوا دوراً ما في فيلم فاشل ومنسي. وفي كلتا الحالتين تكون الصفحة البيضاء الجديدة هي محور الإهتمام والبداية من جديد في أي لحظة في الحياة وبمواجهة أي شعور مهما كانت حدته، فلابد أن نترك دائماً مكاناً للغد.

التعليقات

تعليقك على الموضوع

تم ارسال التعليق