الوفاء... هذا الإحساس الغريب !

شبكة المدونون العرب - الكاتبة:فاطمة المزروعي -الإمارات العربية المتحدة

تتعدد المبادئ والقيم في عالمنا، بل تكثر الخصال الحميدة وتنتشر، والله اسأل أن تتزايد حتى تغطي البشرية، والعرب قديماً كانت لهم صفات وخصال بواسطتها يعرفون الأخيار وأهل المعادن العظيمة، ومن خلالها يفرزون الناس، فيدركون الخبيث من الطيب. من هذه الخصال العظيمة والمبادئ القويمة التي توقفت أمامها ملياً صفة الوفاء. نحن نعتقد أننا بطريقة أو أخرى أوفياء، وقلما يلحظ أحدنا إن كانت هذه الصفة تعمر قلبه كلياً أو البعض منه أو معدومة.
ما يميز الوفاء أنه في أحيان لا يستشف أو لا يعرف، أو كما يقال: غير واضح، لأن معظم الوفاء شعور وإحساس، وليس كما يعتقد البعض أن الوفاء هو أداء الأمانة، بل هذا جزء من هذه الخصلة العظيمة. لكن ماذا عن وفاء الزوجة لزوجها؟ ووفاء الزوج لزوجته ؟ ماذا عن وفاء الأبناء لمن سهر وكدَّ على تربيتهم طوال سنوات؟ ماذا عن وفاء المرأة أو الرجل للوطن ومرابع الطفولة؟ وماذا عن وفاء الأصدقاء نحو صديقهم؟ وماذا عن الوفاء لمن في يوم من الأيام مد لك يد العون والمساعدة دون أن ينتظر منك معروفاً أو مكافأة؟ ثم قبل هذا وبعده: ماذا عن الوفاء لله بالعبادة وصدق النية؟
نحن نحتاج إلى الوقوف ملياً أمام مفردة الوفاء، ونسأل: هل فعلاً نحن أوفياء؟ أتذكر في هذا السياق أبياتاً جميلة ومعبرة للشاعر العربي الشهير أبو فراس الحمداني قال فيها: "وما لي لا أثني عليك وطالما، وفيتَ بعهدي والوفاء قليل.. وأوعدتني حتى إذا ما ملكتني، صفحت وصفح المالكين جميل". توقفت عند قوله والوفاء قليل؛ فعلاً، مهما وجدنا في حياتنا من يدعي الخصال الحميدة، فقد نصدم بمن يتنكر لنا ولا يكون وفياً معنا، وهي كما يظهر خصلة منذ القديم وحتى يومنا. قد يؤذيك أقرب الناس لك بالكذب واللف والدوران، على أمور هامشية لا قيمة لها، لكن مؤشر خداعه مؤلم لأنه يدل على شح الوفاء في قلبه، قد تعمل مع إنسان بضميرك وقلبك وبحب، وتقدم له وقتك وخلاصة تفكيرك، وتفاجأ بأنه يخدعك ويستنزفك، بما يمده لك من كلمات الرضا، بل حتى في المكافأة، ومشاركتك له في نجاحه وتتويجه، عدم الوفاء هو عنوان القسوة الحقيقية، الذي ستكتشفه فقط إذا تعرضت له، لن تستطيع أن تحكم على أي إنسان بأنه دون وفاء، إلا إذا ذاقت علقم الجحود والتنكر، ثم القسوة المؤلمة التي تتلبس بقلبك وتكاد تشكل تفكيرك، ألم يقلها أبو فراس: والوفاء قليل!

التعليقات

تعليقك على الموضوع

تم ارسال التعليق