مشاعر امرأة

شبكة المدونون العرب - الكاتبة: سناء أبو شرار - الأردن

في عالمها الصغير، تراقب العالم ويراقبها، توجد لديها أفكار تجاه هذا العالم، وتوجد لديها مشاعر أيضاً؛ المشكلة هي أنها تستطيع تطويع أفكارها وترويضها عبر المنطق والواجب والقانون ، ولكن تبقى مشاعرها التي لا تهدأ حتى وإن جعلتها تستكين لسنوات؛ إنها مشاعرها القابعة بصمت في أعماقها. وفي مجتمعها الشرقي هناك مشكلة عميقة ومتجذرة اسمها المشاعر، هذا العالم الذي يتم الإعتراف به في مواقف معينة ويتم تجاهله بل وإحتقاره في مواضع أخرى. فالحب شعور يتأرجح بين الترحيب وبين الطرد، والكُره شعور يجد له مكان في زوايا النفس والقلب ولا يستنكر وجوده أحد. الحب شعور تم إختزاله في المجتمع الشرقي بشعور متبادل بين الرجل والمرأة وتم تناسي مشاعر الحب للكون كله. الكُره سلعة رائجة لأنها تلاقي الترحيب في المجالس وفي العيون لأنه من المُبرر أن تكره ولكن من المُحرج أن تحب.
مشكلة المرأة مع المشاعر ليس أنها تحمل فيض كبير منها سواء سلبي او إيجابي، مشكلة المرأة مع المشاعر هي أن نهج حياة كامل يتم عبر هذه المشاعر. لابد للأب، للزوج، للابن ألا يستهينوا بمشاعر المرأة، لأن مشاعرها الصامتة سوف تتم ترجمتها عبر نهج حياة متكامل يتم بناءه عبر سنوات من الحياة معها.
أكبر أخطاء الرجل هو تجاهل مشاعر المرأة ليس إهمالاً لها ولكن إعتقاداً منه أنه سوف يتمكن من تسيير الأمور بها أو بدونها بسبب ثقافة ذكورية شرقية منحته هذا الحق لعصور طويلة؛ ولكن التعقيد يطرأ في الحياة المعاصرة، لأنه في العصور السابقة لم يكن للمرأة تواجد إجتماعي ومهني وسياسي وقانوني بل وعلى جميع الأصعده، لم يكن لها نفوذ ملحوظ في البيت أو خارج البيت، فكل أمور الحياة وشؤون البيت كانت تُدار عبر سلطة الرجل فلم يكن هناك تناقض بين سلطته وبين طاعة المرأة له، لأنها كانت تعتقد بأنه له كل الحق بأن يتصرف بهذه الصورة .
التعقيد يكمن الآن بأن المرأة أستلمت زمام الكثير من الأمور إن لم نقل جميعها، فهي تُدير أمور المنزل، وهي تتحكم بميزانيته ، وهي المسؤولة الأولى عن تربية الأولاد وهي من يضع خطة حياة للبيت والأولاد وربما للرجل أيضاً. فماذا لو كانت مشاعر هذه المرأة غاضبة، حاقدة وحانقة كيف ستُبحر سفينة قبطانها لا يرى سوى العواصف في الأفق. هذا الوضع الشعوري للمرأة ليس مجرد نظرية ولا دفاع عنها بل هي حالة خطرة على الرجل وعلى المجتمع، فالمرأة الغاضبة وإن كانت صامتة لابد أن تنتقم، وقد يكون إنتقامها صامت وقد يكون بلا وعي منها. فكم من امرأة قالت: "أكره أولادي لأنهم من زوجي الذي أكرهه"
كم من امرأة قالت: " سوف أجعله يصرف كل قرش في جيبة كي لا يفكر بالزواج من أخرى"
وكم من أمثلة عديدة على الرغبة الدفينة بالإنتقام والتدمير ولو على حساب الأسرة والمجتمع. يمكننا الحديث عن حقوق المرأة سياسياً واقتصادياً وقانونياً وعاطفياً ولكن هناك جزء هام في حياة المرأة يحميها ويحمي أسرتها وكل من يعيش معها من أخطار كثيرة ، هذا الجزء هو مشاعرها؛ لابد أن يتوقف الرجل عن الإستهانة بهذه المشاعر وأن يولي لها كل الإهتمام، ليس بأن يتحول لانسان رومانسي ولكن كي يتلافى أخطار حقيقية قد تعصف به وبأسرته. حين يكره الرجل يستطيع أن يكبح جماح نفسه ويضع الأولويات لجميع أموره لكونه لا ينجرف بمشاعره إلا بحالات محدودة؛ أما المرأة فأغلب قراراتها ناتجة عن مشاعر عميقة جارفة وفعلاً مؤثرة.
لا أقول بأن يحاول الرجل إسترضاء المرأة فهذه مهمة مستحيلة ولكن عليه أن يعرف حقيقة مشاعرها تجاهه وأن يناقش هذه المشاعر وأن يحللها وان يجدا معاً طريقة لتخفيف منها أو جعلها أفضل. المشكلة الحقيقية في عالمنا العربي هو أنه تم إقصاء منطق المشاعر من كل الأمور، نحن نعترف بالأرقام والمنطق وتقبع المشاعر صامتة دفينة سوء لدى الرجل أو المرأة؛ ولكن مشاعر المرأة لا يمكن أن تقبع صامتة بل تجد منافذ خطير تتسلل من خلالها، عبر التحريض على الأب، عبر إهمال الأولاد بسبب تعاستها الدائمة، عبر إهمالها لنفسها ولمظهرها بل ولزوجها أيضاً، عبر التدمير المدروس لنفسية ومعنويات الزوج، عبر انشاء أسرة هشة وضعيفة لأن الأم حاضرة غائبة.
لقد ساهمت الروايات والمسلسلات والوسائل الاعلامية بهذا التشوية للمشاعر الحقيقية للمرأة، أوهمتها بأن ما تريده هو مشاعر جياشة ورومانسية من قبل الرجل طوال الوقت وبأي ظرف، ولم تخبرها بأن مشاعرها هذه لا علاقة لها بالرومانسية الحالمة بل هي مشاعر جدية جداً ولابد من مراعاتها والإهتمام بها لأنه الأساس الهام لانشاء كل اسرة، وأن تكون مشاعرها مبنية على أسس منطقية لمجتمع شرقي لا على إستيراد غربي لما يجب أن يكون عليه الرجل في الأفلام والمسلسلات الغربية أو التركية. وأن تدرك المرأة العربية وبعمق بأن الرجل العربي يخضع لضغوط نفسية واقتصادية كبيرة قد لا تمكنه حتى من الإستمتاع بمشاعره الخاصة تجاهها.
أي نوع من البشر سوف تربي وتُنشيء انسانة تعيسة ومحبطة وغاضبة؟ أي علاقة ستربطها بمحيطها وهي ترى بأنها ضحية من الدرجة الأولى وأن كل من حولها قد ساهم في الجريمة المُرتكبة ضدها؟
قبل أن نطالب بحقوق المرأة لابد من المطالبة بإحترام مشاعر والمرأة وأن تُنشيء الدولة مؤسسات ليتم عبرها الحوار بين الرجل والمرأة مع أشخاص ذوي كفاءة وخبرة في العلاقات الزوجية والعاطفية؛ وان يتم فتحر مراكز خاصة لمناقشة المعاناة العاطفية والنفسية للمرأة لإيجاد الحلول الملائمة قبل أن يصبح الحل الأوحد والأخير الطلاق والقضايا في المحاكم.  لايمكن للقانون ولا للسياسة أن تمنحا حقوقاً لامرأة تعيسة، لأن مبلغ من المال لن يعوضها عن التعاسة التي تشعر بها ولا بيت ولا فيلا. لقد عكست الدول العربية أولوية الأمور، فتحت مراكز إيواء للمرأة ، منحتها حقوق في المحاكم، قيدت زواج الرجل من أخرى، ومنحتها القوانين حقوق سياسية واقتصادية ولكنها أغفلت أهم ما يشكل كيان المراة ألا وهي المشاعر.
حين تتصالح المرأة مع مشاعرها ومشاعر من حولها، وحين تدرك أن قيمتها لا ترتبط بفرض القانون أو بحكم محكمة وحين تتفهم واقع الرجل وكذلك حقيقة الهدف من الزواج ألا وهو التأسيس لأسرة صحية وناجحة، ساعتئذٍ يمكنها أن تُعطي بكل طاقاتها الإبداعية الخلاقة. لابد من تثقيف فتياتنا ومبكراً في المدارس عن الهدف الحقيقي والأسمى للزواج، لابد من تعليم شبابنا ومن جديد المعنى الحقيقي للحديث النبوي الشريف للرسول صلى الله عليه وسلم: "رفقاً بالقوارير" ، فهذا الرفق سيجنب الأولاد والمجتمع بأكمله مشاكل وصراعات لا تُسهم سوى بإضعاف بنية المجتمع العربي وتقويض قواعده الأخلاقية والأسرية.

التعليقات

تعليقك على الموضوع

تم ارسال التعليق