جدار حول الذات

شبكة المدونون العرب - الكاتبة: سناء أبو شرار - الأردن

هذا الجدار ليس بمفهوم الإنطواء والعزلة، بل بمفهوم الوقاية الذاتية. فلذات كل منا مفاتيح وأبواب وكذلك جدران، جدران قوية أو ضعيفة وربما متهالكة، أبواب مغلقة أو نصف مفتوحة وربما مهشمة، مفاتيح نمتلكها أو فُقدت وأخرى صدأت وعلقت في الأبواب.
كل ما في الحياة يوجد به ما يشبهنا، الطبيعة، الكيمياء، الفيزياء وكذلك الجمادات. وجدار الذات لا فائدة منه إن كان للعزل عن المجتمع ولكنه ضرورة حتمية حين التعرض للأزمات. حين تمر الأزمة بنا نشعر بأن كل ما في حياتنا مكشوف ومُعرض للرياح وللتيارات، نشعر بأننا لا نملك السيطرة على ما حولنا وأننا في مهب الريح،
و في هذه اللحظة بالذات لابد من بناء الجدار حول الذات. لابد من حماية هذه الذات في أشد أوقات ضعفها وإلا إنهارت وأصبح من الصعب وأحياناً من المستحيل إعادة بناءها أو ترميمها.
وأهم ما يحميه هذا الجدار هو صحة الجسد، لأن تأثر الجسد بالصدمات النفسية أو العاطفية تم إثباته في كل البحوث العلمية؛ ولربما على أي طبيب قبل أن يسأل عن حالة المريض العضوية أن يسأله عن حالته النفسية . كلما طالت الأزمة النفسية أو العاطفية كلما إزاددت حدة تأثيرها على الجسد، فيعبر الجسد عن تعبه بثقل الهموم والأحزان بالأمراض، أو الأعراض المرضية الوهمية. وحين نصاب بمرضٍ ما ننتقل من الأزمة النفسية إلى أزمة المرض، ونتمنى لو أننا لم نغرق بكل تلك الأحزان، ولكن الوقت يكون قد تأخر والضرر قد أصاب جزء ما من الجسد. بل إن وظائف العقل الفكرية والمنطقية تتأثر بهذه الأزمات، فينتج عنها إتخاذ قرارات خاطئة، تقدير سيء للأمور، نظرة غير واقعية للظروف، بطء في الفهم والإستيعاب وكذلك الذاكرة، ولا غرابة أن يُصاب الدماغ بالزهايمر أو الخرف المبكر لشدة الضغط النفسي والعاطفي.
لذلك كان الجدار حول الذات بأهمية الوقاية من الأمراض، وألا نعتقد بأن من حولنا ملائكة أو أن الحياة لا تكون حياة إن لم نحصل على كل ما نريد بها؛ ولا يمكن أن تأخذ الأشياء حجمها الطبيعي إلا إذا أصبحت أصغر من حجم القلب، لابد من تقزيم الأشياء الكبيرة والصعبة ولابد من تضخيم الأشياء السعيدة والتي يتضاعف بوجودها حجم القلب ليصبح بحجم الوجود.
الجدار حول الذات هو النظرة المنطقية للأمور، هو طرد كل ما هو سلبي من حياة أي منا، وكذلك إبعاد كل شخص سلبي من حياتنا، أن نحسب الدقائق والأيام والشهور بعناية وألا يتم تبديدها مع أشخاص لا نحبهم ولا يحملون الحب لنا ولكن يجمعنا معهم النفاق والمجاملة. الجدار حول الذات هو النسيان حين يجب النسيان، والإستعداد دائماًوأبداً لفتح صفحة جديدة مع الغد، فالغد لا يكون غد مع صفحات كُتب عليها نفس الكلمات ورسم فوقها ذات الوجوة التي جلبت التعاسة والحزن.
الله تعالى يمنحنا يوماً جديداً طوال فترة وجودنا بهذه الحياة، إشراق جديد، أنفاس جديدة، فلماذا نرفض هذا الغد ونصر على الحياة مع الأمس؟ ولماذا نُصر أن نحيا مع من لا نحب رغم رحيله الفعلي من حياتنا؟
الجدار حول الذات هو إحتراف عالي المستوى بأن تكون ذاتك أغلى ما لديك، ليس بالمعنى الأناني ولكن بالمعنى الإنتقائي، ألا يكون في حياتك إلا من تحب، ألا تستشير إلا من يحبك، ألا تجامل وتغش مشاعرك، أن تطرد من لا يستحق كلمة منك، أن تكون ذاتك مهما كان من حولك ومهما كان ما حولك. وبالطبع أحياناً لا نستطيع ممارسة كل هذه الحرية النفسية، فعنذاك لابد من جدار حول الذات بألا تتأثر بمن تضطر لمعاشرتهم، أن يكون هناك جدار من الصمت الداخلي مع أولئك الذي فُرضوا على وجودك.
لديك جوهرة فريدة نادرة، إنها ذاتك، فلتحافظ عليها في خزنة أمينة بعيدة عن التجريح والإستلاب والإهانة، وأن تجعلها صلبة كحجر ألماس لا يُكسر، فالحقيقة هي أننا ننبهر أمام أشياء كثيرة ثمينة ولكننا ننسى أن أغلى ما نملك وأكثر ما يُبهر هي هذه الذات. فلتعاملها كما تريد منك أن تعاملها، فإن قصرت بحقها، سلبت منك كل شعور بالعزة والكرامة، ثم سلبت بعد ذلك صحة الجسم.
نقيس إبداع الفنان بمدى قدرته على التجديد والتكيف مع كل جديد ، وهناك إبداع خاص بكل منا بأن يتأقلم مع كل الظروف وأن لا يعتقد بأن الحياة مركب شراعي آمن، وأن يتأهب دائماً للعواصف والتيارات، وأن يحافظ على جدار صلب بينه وبين ما يُضعفه، ما يحزنه وما يحط من عزيمته سواء بالكلمة أو بالتصرف.

التعليقات

تعليقك على الموضوع

تم ارسال التعليق