حين تكون الأشياء مجرد أشياء...

شبكة المدونون العرب - الكاتبة: سناء أبو شرار - الأردن

حين نغادر هذا الحياة لا نأخذ معنا أي شيء من الأشياء التي جمعناها طوال سنوات العمر قصرت أو طالت؛ إنها مقولة تقليدية مكررة ومحفوظة؛ ولكننا ننساها رغم إدراكنا لها. ولكننا أيضاً ننسى شيء أهم من الموت بحد ذاته؛ فبعد الموت لا أهمية للذكرى أو للفهم. فالذكرى والفهم ينتميان لعالم الأحياء حيث الحواس والعقل والمنطق والقلب وكل تلك الأدوات التي تساعد على الفهم وعلى تثبيت الصورة والكلمة في الذاكرة؛ أما بعد الموت فليس لنا أي سلطة على أجسادنا ولا أفكارنا لأننا ننتقل من عالم الخيار إلى عالم الخضوع الكامل جسداً ونفساً ومصيراً.
لذلك يبدو أن الفهم والذكرى هما ركيزة اساسية للوجود المادي ولكنهما لا يكتملا النضج والوعي دون عمق الفكرة ووضوحها. حين تكون الأشياء مجرد أشياء هو أن يتعطل هذا الفهم للوجود وأن تنحصر الذكرى بصور مادية مجردة؛ وأن يكون الشعور مجرد صدى لإرتطام المادة في مكان ما من جسدك أو المكان الذي تحيا به.
حين تكون الأشياء مجرد اشياء هو أن تأكل كل أنواع الطعام لأنه طعام ولأنك تمتلك شراؤه ويحتمل جسدك هضمه ولكنك لا تفكر بمن منحك هذه النعمة، لا تفكر بأن هناك من لا يمتلك هذه النعمة؛ تتعطل لديك حاسة الحمد ولا أقول كلمات الحمد؛ لأن من يدرك عطاء الله ورزقه يتحول الحمد بالنسبة إليه إلى حاسة سابعة ترافقه حتى آخر أيام حياته؛ لأنه أدرك وفهم وتذكر بأن كل ما يمتلك ليس سوى عطاء من الله.
حين تكون الأشياء مجرد أشياء هو أن تكون العلاقة الزوجية الحميمة مجرد إجتماع أجساد لا تآلف أرواح؛ وأن يُنظر إلى كل العلاقات من زاوية المصلحة والمتعة وأن يتعطل الهدف الأسمى والأرقى من العلاقات الانسانية ألا وهو إلتقاء الأرواح دون غاية أو مصلحة.
حين تكون الأشياء مجرد أشياء، سوف نركض أنت وأنا لنشتري ونشتري، وتمتلأ بيوتنا بالأثاث وخزائننا بالملابس، ثم نتوقف حين لا يتبقى هناك إتساع لشيء آخر وندرك بأن كل ما تم شراؤه لم يكن مبعث للسعادة الحقيقية؛ حين نشتري لأننا نحتاج ولأننا علمنا وفهمنا أن الحياة ليست مظاهر براقة، وأن القصور لا يسكنها أروع البشر ، وأن الملابس لا تصنع منك انسان غير حقيقتك حتى ولو لبست ملابس رجال الدين وتصرفت تصرفات الزهاد في الجبال؛ فهناك شيء ما بوجهك، بروحك بملامحك يخبر الناس من حولك عن حقيقتك؛ لأن أول حوار ومصارحة بين البشر هو حوار الأرواح الصامتة، فالكلمات ليست سوى أحد أدوات التعبير ولكنها ليست المترجم الوحيد لحقيقة الذات البشرية.
حين تكون الأشياء مجرد أشياء، يكون بيتك مجرد سقف وجدران، تنسى بأنه سكينتك وأمنك وكرامتك، فتنسى الحمد وتتذكر أن هناك لدى صديق ما أو عدو ما بيت أكبر من بيتك وأجمل؛ أجل، إنها تلك الأشياء المادية التي تجعلنا نغار ونحقد بل ونحسد؛ فمن النادر أن يغار أحد منك لأنك طيب القلب، لأنك نقي السريرة ولكنه يغار إن كانت سيارتك باهظة الثمن. من النادر أن يحقد عليك أحد ما لأنك مؤمن، لين ومتسامح ولكنه يحقد عليك إن كنت أعلى مركزاً منه أو صاحب موهبة لا يمتلكها من حولك؛ ذلك لأننا نرى الأشياء ولا نستطيع أن نخبأها؛ أما المشاعر الطيب منها والخبيث فبسهوله نخبئها لأنها ليست مبعثاً للكثير من العواطف والأفكار.
حين تكون الأشياء مجرد اشياء، هذا يعني أنك لم تتأمل في خلق الله للوجود، وأنه خلف كل ما هو مادي هناك معنى وقيمة، خلف كل حركة ونبض بهذا الوجود هناك معنى وقيمة، وخلف كل مأساة أو سعادة هناك حكمة لا يعلمها إلا الله تعالى؛ وحين تعلمها سوف تفهم بأنك لم تنظر إلا إلى مادية الأشياء وأنك أغفلت المعنى ولم تدرك وبشكل حقيقي بأن الله أحكم الحاكمين.
حين تكون الأشياء مجرد أشياء، لابد أن تشعر بالحزن، لأنك سجين عالم المادة الثقيل المتغير الفاني ومحدود الحكمة والهدف، ولابد أن تنقذ نفسك بالسعي لعالم المعاني القابع صامتاً خلف كل ما هو مادي؛ لابد أن تشعر بالإختناق لأن عالم المادة لن يسمح لك بأن تتجول في ملكوت أوسع من هذه الأرض والتي كل ما عليها ليس سوى أشياء مادية.
حين تكون الأشياء مجرد أشياء، ترى قيمة الآخر من خلال ما يملك وليس من خلال قيمته الحقيقية الانسانية؛ بل قد تشعر بضآلة نفسك حين تصاحب أولئك الفقراء الذين لا يملكون شيئاً أو القليل من أي شيء. وتنسى ثم تتناسى بأن الثراء لن يمنحك صديقاً وفياً، وأن الثروة قد تتسرب من بين يديك ولكن من يحبك لن يتسلل من وجودك لأنك أصبحت فقيراً.
وحين تكون الأشياء ليست مجرد اشياء، سوف تُمعن التفكير بالكون، تتأمل وتدرك وتتعلم بأن الله على كل شيء قدير؛ وأنك أمام إلةٍ عظيم لا تعبده لأنك تريد شيئاً ما بل تعبده لأنه يستحق أن يُعبد ولأنه أعلى درجات الجمال والكمال.
وحين تكون الأشياء ليست مجرد أشياء، سوف تفهم الحياة بشكل أفضل، ولا تتوقف عن التعلم وتدرك بأنك وبكل يوم مجرد تلميذ يسعى للحصول على المعرفة؛ وأن علمك وفهمك مهما تعمقا واتسعا ليسا سوى ذرة غير مرئية بفضاء هذا الكون. وتصبح أكثر تواضعاً وأكثر تقبلاً وحباً للعلوم لأن العلوم فقط هي التي تقول لك بأن الأشياء ليست مجرد أشياء بل هناك قوة عظيمة جبارة تحرك الأشياء وأننا مهما أردنا ورغبنا لن تكون إلا إرادة خالق الأشياء.  

التعليقات

تعليقك على الموضوع

تم ارسال التعليق