الفراشة والظلّ

شبكة المدونون العرب - الكاتبة الصحفية: الثريا رمضان - تونس

تهبّ الريح على صدرك، تحاولين درء الضّرر عن ما بين الضلوع، تتّقدين جرءة، ولكن، تثيرين الغبار في عينيْ امرأة تشبهك. امرأة تصرخ في وجه اللحظة بكلّ ما تركت لها الجروح من دم لوّث فخذيْها، وراكم الوهن على كتفيْها.
تردّد المرأة لحنا سربل به الزمان خاصرتها، ورقصت على وقعه تستلذّ الشوك تحت قدميْها. امرأة أحبّت رجلا ضيّعها في العاصفة، ورحل يبحث عن وجهه في مرايا العظمة.
كانا هنا يرسمان على جناح الفراشة صورة لا تشبهه، لكنّها تشبهها. كانت تعبّد الطريق في السماء لتطير الفراشة حرّة، وتطير وراءها فاردة جناحيها للهوى دون خوف.
تخرج الفراشة من بين الضلوع فتصفعها الرّيح. تهبّ المرأة إليك لتنقذ ألوان الزهر في الجناحين، فيسقط الإثنان في بئر عميقة.
محاولة أخيرة لإنقاذ ما تبقّى منهما، تهبّين نحوهما والنار بداخلك مستعرة، تعرّي العاصفة نهديك، لتتركهما لبشاعة الشبق المولود حولهما، فتسبّين وتلعنين ما تبقّى فيك من شرف بدنيا ختّالة.
يصرخ القمر في وجهك، تبّا لك من خائنة.
الذاكرة أمّ المعارك، تبيح للسيوف قطع الهدنة، وتوريث القلب حقّ الثأر:
"هو ذلك. أنا خائنة، وعاهرة وسيّدة الفتنة على أرضك. خنتُ زمان الحبّ، عرّيت الأيّام لقلبك، وزرعتُ أرضك سنابل انتظار حمقاء. سلّمت روحي لرجل صعد إلى القمّة وتركني وحدي أحارب الريح، أيّها القمر الصفيق. هل ارتحتَ الآن؟"
هيهات.. كيف تمرّ عاصفة دون سقوط؟
الرّيح تحاول أن تنثرك أشلاء على قارعة الوقت، وأنت تصّدينها. تستغيثين بالصّبر لعلّه ينصفك.. بالحبّ لعلّه يجمعك.. بالحبيب لعلّه يصلح ما أفسدته أعاصيره. ومازلت تستغيثين. والمرأة داخل البئر تصيح: اتركيني لوحدي أشدّ الحبل، سوف أنجو.
تحرّكين القدم تلو القدم محاولة تخطّي عتبة ندوبك. تلفّين يديك على وجهك، وتصرخين داخل ثوبك المهترئ فلا مجيب.
الريح لا تُهادن، إنّها تعلن الحرب على رغيف الحبّ في صحنك. ترميه بعيدا، ينكسر الصحن، يتّسخ الرغيف بالظلّ، وتنهال عليه ضربات أوراق الخريف البائسة.
ترتمين خلفه، تبحثين عنه داخل الكومة الصفراء، تصدّ الريح ساقيْك، تحاولين الحبوَ، فتستنجد الركبة بصخرة لتمنعك. جرح الصخرة أهون من رغيف لم يبق منه سوى الظلّ.

التعليقات

تعليقك على الموضوع

تم ارسال التعليق