عالم المرأة اليومي

شبكة المدونون العرب - هدى ثابت - فلسطين

أرسلت فيروزة رسالة لجارتها نيروزة عبر مربع الدردشة في الفيس بوك :
-    سأصنع ركوة من القهوة التركية ، تعالي لنتناولها سوية .
-    صينية المكرونة بالبشاميل في الفرن ، سأحضر بعد نصف ساعة .
-    حسناً ، سأجمع الغسيل وأطويه ريثما تحضرين .
كان الفيس بوك هو صلة الوصل بين فيروزة ونيروزة ، الجارتان اللتان تقطنان في نفس الشارع ، وفي ذات المربع السكني ، الغائر في القدم ، المكتظ بالعمارات السكنية ذات الهيئة المعمارية العتيقة ، المتراصّة بجانب بعضها البعض كحبات البازلاء داخل مخدعها ، والمزدحم بالسكان القدامى والجدد في شققهم المتراكبة كعلب الكبريت ، لم تنبذ التكنولوجيا المربع السكني ولم تطرده من جناتها، فخدمات الانترنت وجدتْ مكاناً لها بالرغم من العتاقة والقِدم .
- لماذا تأخرتِ ، مرتْ ساعة كاملة ؟
- تذكرتُ أنني لم أنظف الحمام الكبير بعد خروج الأولاد إلى المدرسة صباحاً .
- أنا انتهيتُ من أمره باكراً ، تعرفين شيئاً، لم أنم طيلة الليل .
- ألم الظهر كالعادة .
- هو بذاته ، لم ينفعني الدواء الأخير . 
- لا تأخذي أدوية بعد الاّن ،افعلي مثلي ، ضعي زجاجة ماء ساخن على مكان الألم قبل النوم .
 -وهل تحسنتِ؟
 -الحقيقة هو تخدير وتسكين أكثر منه علاج جذري ، لا ترهقي نفسك فألم الظهر لا علاج له.
- هل عالجتِ تشققات يديكِ ؟ 
-لا ، نسيت أمرهما ، وأنتِ ؟
- لا وقت لدي لأفكر في تشققات يديَّ ، ولكنني تذكرتهما عندما رأيتُ يديكِ الكارثيتين .
- كيف هي نتائج امتحانات أولادك ؟
-  كما تعلمين البنات هن دائماً المتفوقات بامتياز، أما الأولاد فقد حصلوا على تقديرات جيدة فقط .
- مثل حالنا تماماً ، ولكن سأخبركِ أمراً ، يجب علينا الاحتفال بنتائجهم سوية ً، لقد عملوا ما بوسعهم ، يجب أن لا نضغط عليهم أكثر نيروزة ، ما رأيك ؟
- لكني تعبتُ كثيراً في تدريسهم ومراجعة موادهم كلمة كلمة قبل الامتحانات .
- وأنا مثلكِ ، ولكن هذه هي نتائجهم يجب أن لا نحبطهم ، ولا نضغط عليهم أكثر، فلنشجعهم بعمل حفلة صغيرة 
- كيك منزلي ، فطائر ، معجنات ، كريم كراميل ، هل هذا ما تقصدينه ؟
- بالضبط ، نهاية هذا الأسبوع ، في بيتنا أو في بيتكم لا فرق .
- اتفقنا ، ولكن أخبريني فيروزة ، لقد لاحظتُ ومنذ فترة  مشاركتكِ لمنشورات تختص بشؤون المرأة والاتحادات النسوية، هل انضممتِ إلى إحداها ولم تخبريني ؟ 
- كنتُ أتمنى ذلك ، حقيقةً كم تمنيتُ أن أصبح من أولئك النسوة ذوات الشأن في المجتمع ، أشارك في صنع القرارات الخاصة بالمرأة المهمشة، ويصبح وقتي كله مشغول باهتمامات النساء المطحونات وقضاياهن ، ولكن .....
- أعرف فيروزة بقية الحديث ، لا تكملي ، لقد حصلنا على شهادات جامعية لا قيمة لها ،هذا كل ما في الأمر.
- لم تدع لنا حياتنا العائلية فرصة للمشاركة العامة ، صحيح ، هذا كل ما في الأمر .
- سأغادر الاّن قبل عودة الأولاد ، يجب ان أعرّج في طريقي على الصيدلية لشراء مسكن للصداع الذي لا يفارقني ، إلى اللقاء في احتفال نهاية الأسبوع .
في الصيدلية ، وبينما كانت نيروزة تشرح للصيدلانية المسؤولة  أمر ذلك الصداع الذي يعزف أبشع مقطوعاته في رأسها يومياً،، قاطعتها الصيدلانية وردتْ على هاتفها المحمول ، تجاذبتْ أطراف الحديث مع الطرف الاّخر قائلة :
-    سنقدم اقتراحاتنا في تقرير تفصيلي ، للدكتورة رئيسة الاتحاد النسوي، لن نسكت على تمرير ذلك القانون المجحف، كيف نسكت ونحن " الكوتا النسائية " ؟
تنهيدة طويلة خرجتْ من صدر نيروزة ، امتدتْ مذ سمعتْ لغة الصيدلانية إلى أن وصلتْ بيتها ، فقررتْ أن تعاود فتح حسابها ،وأن ترسل رسالة لفيروزة  لتخبرها عن تلك اللغة التي تحلم بها الصديقتين، على حدٍ سواء .
-    لقد أوجعتِ قلبي نيروزة برسالتك ِ ، كم أحسد أولئك النسوة الفاعلات .
-    كحالتي فيروزة ، لقد عصر الألم قلبي عند سماعي لتلك اللغة الجريئة القوية ، لماذا نحن هكذا؟ لمَ لا نكون مثلهن لا ينقصنا شيء فيروزة ؟
-    صحيح ، سأذهب بعد أن أجهز طعام الغداء للصيدلانية وأطلب منها تفاصيل الاشتراك بالاتحاد الذي تنضم إليه.
-    حسناً ، لا تنسيني فيروزة ، لقد سئمت من البيت وأريد أن أكون فعّالة أيضاً .
في الصيدلية :
-    أرغب في معرفة إمكانية الإنضمام لأحد التجمعات النسوية في المدينة ، ورفيقتي كذلك ، نحن جامعيات ولم نحظَ بأي فرصة للمشاركة في الحياة العامة .
-    بكل سرور ، أهلاً بكِ وبصديقتكِ ، سيكون يوم الأحد القادم هو "يوم المرأة العالمي " وسيعقد الاتحاد احتفالاً مهيباً يليق بالمرأة ومكانتها الحقيقية في المجتمع ، مري بي غداً وسأكون قد وفرتُ لكما بطاقتين للدخول ، سيكون احتفالاً يضم صفوة نساء المدينة، وستناقش فيه كل المواضيع الدقيقة والخطيرة التي تعنى بالمرأة  وستقدم كل الانجازات التي أحرزها الاتحاد أمام الجميع ، وسنحتفي بها كونها أعظم ما توصلنا له كنساء فاعلات ومؤثرات في صنع القرار ، وهل يعقل أن نبقى حبيسات البيوت كالمحكوم عليهن بالسجن الانفرادي  ؟ لم نُخلق لنكون سلبيات ، لم تُخلق النساء للمطبخ والانجاب وتنفيذ أوامر الرجال.
-    أشكركِ جداً ، لا تتخيلي مدى فرحتي ، منذ سنين وأنا أشعر برغبة قوية في المشاركة العامة ، أشكركِ بصدق.
رجعت فيروزة وأخبرت نيروزة  برسالة فيسبوكية عن إنجازها التاريخي ، كان أسبوعاً مليئاً بالأحلام الوردية للسيدتين .
-    ولكن ماذا سنرتدي في الاحتفال؟ يجب ان نشتري ملابس جديدة  .
-    لا أعرف ، فمنذ مدة لم أشتري شيئاً جديداً ، ولا أدخر مالاً إضافياً لهذا الغرض ، كل ما ادخرناه في الأشهر الماضية قمنا بصرفه على تركيب مكيف للهواء في غرفة الصالون ، وشراء ثلاجة جديدة ، وسجادة لغرفة الضيوف ، ولا تنسي اشتراكات الأولاد في نادي كرة القدم والبنات في معهد اللغات ، لم يبقَ معنا من الادخار أي فلس .
-    ونحن كذلك ، لقد أجرينا عملية جراحية مكلفة لزوجي ، وكانت ولازالت الأدوية التي يتناولها تشترك معنا في المصروف وكأنها بنتنا الشرعية ، بالإضافة لطاولة السفرة اللعينة تلك ، لقد كانت مكلفة جداً، يا ليتنا لم نقتنيها.
-    اسمعي ، سنذهب بملابس عادية ، ولن نكلف أنفسنا عناء شراء ملابس جديدة .
-    صحيح ، هدفنا من الالتحاق بالاتحاد هو تسليط الضوء على المرأة المهمشة فقط .
-    بعد يومين :
-    تعالي لتناول القهوة .
-    أحفر جبلاً من الكوسا والباذنجان ، لن أستطيع ، تعالي أنتِ.
-    حسناً ، بعد أن أنظف السمك ، وأجهزه .
-    لماذا تأخرتِ ؟
-     أخبرتني ابنتي الكبرى أنها تحتاجني لأُسمّع لها بعض القصائد لتتأكد من حفظها ، ستشترك في مهرجان شعري الأحد القادم ، وقد قدمتْ لي دعوة لحضور المهرجان، لرؤيتها وهي تتألق في إلقاء الأشعار .
-    وهل ستذهبين ؟ يصادف نفس اليوم الذي سنذهب فيه للاحتفال بيوم المرأة !
-    أعرف ذلك ، اعتذرت منها ، لن أذهب .
-    هل أساعدكِ؟
-    نعم ، لقد تأخرت ، فقد أمضيتُ صباحي وأنا أقرأ عن تاريخ الاتحادات النسوية خشية أن يسألني أحد ولا أعرف الإجابة .
-    أرسليها لي حتى أقرأها أنا أيضاً ، عندما أعود للبيت .
-    لقد نسيت ، اليوم يجب أن أصنع معجنات ، فأولادي سيذهبون في رحلة غداً.
-    سأساعدكِ .
-    ليس هناك وقت ، سأشتريها من المحل جاهزة ، واستغل الوقت لقراءة بعض انجازات الاتحادات النسوية .
-    نيروزة .
-    نعم .
-    مازال ظهري يؤلمني .
-    وأنا أيضاً ،انسيه ، واقنعي نفسكِ أنكِ ستتخلصين من الألم عندما نحلق في عالم اّخر ، غير هذا الذي نغرق فيه يومياً .
       بعد يومين :
     - ما بكِ ؟
    - لم أستطع فهم معظم البنود التي قرأتها ، هل أنا غبية فيروزة ؟ أخشى أن أظهر كذلك أمام نساء مميزات .
    - لن نتكلم ما لم يُطلب منا ذلك .
    - هذا أفضل بكثير ، أتمنى ان لا يقمن بسؤالنا عن أي شيء .
    - بالأمس شعرتُ بالدوار عندما أعدتُ قراءة ما تضمنته تقارير الاتحادات النسوية ، ولكني مصممة على الاشتراك .
     أرغب في تجربة عالم غير هذا .
-    سنجرب صديقتي وسنجد أنفسنا ونعرف قيمتنا الحقيقية . 
-    كم أشتهي الفستق ، ألا يوجد عندكِ فستق مشوي ؟
-    كان بالأمس وأكله الاولاد قبل أن أخبئ لكِ منه شيء .
-    زوجي قد قام بدعوة أصدقائه لتناول العشاء هذه الليلة ولا أعرف ماذا سأعدُّ لهم ، هل ليدكِ اقتراحات مناسبة؟
-    أكيد ، سأرسلها لكِ في رسالة ، أتابع منذ فترة مطبخاً يقدم أطعمة رائعة.
       صباح اليوم التالي :
-    كيف كانت مائدة الأمس ؟
-    ممتازة ، ولكن ..
-    ماذا ؟
-    ظهري ...
-    يا إلهي لقد اقترب موعدنا للاحتفال يوم المرأة العالمي ، وكلانا تعاني من ألم في الظهر .
-    فيروزة .
-    نعم .
-    سأنتعل كعباً عالياً ، سيكون طولي مناسباً وسيضفي بعض الرقي على هيئتي .
-    وأنا كذلك ، ولكن ظهري يؤلمني  ؟
-    وأنا أيضاً ،سنتحمل مدة الاحتفال ، لا يهم ، أليس كذلك ؟
-    أكيد .
-    ماذا ستفعلين  الاّن ؟
-     سأذهب للبحث في خزانة المطبخ  عن فستق، أشويه مع الملح، كي نتناوله سويةً برفقة الشاي ، ونتناقش في أمر يوم المرأة العالمي .
-    ذكرتني بالفستق ، اشتقت له كثيراً .
-    أين الفستق ؟
-    لم أجد شيئاً ، تذكرت أنني قمتُ بشيّه للأولاد قبل يومين .
8 / أذار / يوم المرأة العالمي :
    سيداتي وسيداتي وسيداتي ،
هي المرأة ، كانت وستبقى ، عمود المجتمع وقاعدته الصلبة ......
-    فيروزة .
-    نعم .
-    من هؤلاء ؟
-    إنهن صفوة المجتمع من النساء ، إنهن " الكوتا ".
-    ملابس راقية
-    رائحة العطور
-    لاحظي صبغات الشعر الرائعة .
-    انظري لكل واحدة فيهن كيف تجلس وقد لفّت ساقاً على ساق ، بطريقة برجوازية ارستقراطية، سأحاول تقليدهن 
-    منظركِ غريب أرجعي ساقكِ لوضعها العادي ، جميعهن ينتعلن كعوباً عالية ، لم نتميز ولن، لا تتعبي نفسك .
-    كل واحدة تجلس في الصف الأمامي تحمل بين يديها خطاباً ستقرأه الاّن ؟
-    كاميرات تصوير لمحطات فضائية !
-    نعم ، أسمع وأرى مثلكِ ، لا تثرثري ، اصمتي الاّن .
-    ولكن لِمَ يجلس هؤلاء الرجال بينهن أيضاً ؟
-    أعتقد أن هؤلاء هم رعاة هذه الاتحادات ومموليها .
-    هل فهمتِ شيئاً مما يقلن ؟
-    لا ، كتلك التقارير التي قرأتها سابقاً ، كلام يتلوه كلام فقط .
-    لم ألمس مشكلة حقيقية بكامل جوانبها ، ابتداءً من تصنيفها انتهاءً بوضع حلول جذرية لها .
-    لم يطرحن نماذج من حياتنا ، إنهن يحيين بعضهن البعض فقط !!
-    مضى وقت طويل ، يجب أن نعود إلى بيوتنا ، تركنا الأولاد منذ مدة .
في  طريق العودة ، كانت الصديقتان تتوكأ كل منهما على الأخرى .
-    لم نحتفل بنجاح الأولاد . 
-    لم أستمتع برؤية ابنتي وهي تلقي شعراً رائعاً .
-    لم أصنع لرحلة الأولاد طعاماً صحياً ، لقد فضلتُ الجاهز .
-    لم نستفد شيئاً نيروزة. 
-    نعم ، لم تأتِ "الكوتا النسائية" على ذكر (أم محمد) بائعة الجرجير والبقدونس، التي تتخذ من زاوية الشارع  أمام الصيدلية مقراً لها منذ سنين ، رأيتها بالأمس وهي تتحسس ركبتيها ، لو أنهن قمن بمفاجأة ميدانية ، وقدمن الزهور ،وطبق من الكيك الفاخر، وفاتورة مدفوعة لعمل تحاليل مجانية لها ، تقديراً لجهودها العصامية في تربية أبناء أغلبهم معاقين 
-    كنتُ أحب أن أرى (رسمية) الخياطة تتصدر الاحتفال ، كامرأة تخيط القطعة الأولى للزبائن مجاناً حتى يعودوا من جديد إليها ، كنتُ أعتقد أنهن سيتذكرن أن (أم محمد) و(رسمية) هن صفوة سيدات المجتمع . 
-    لماذا وقفتِ هنا فيروزة ؟
-    ألا تلاحظين أننا نعرج ، سأبتاع حذائين رياضيين لي ولكِ ،سنضع أحذيتنا العالية في حقائبنا ، لن نستطيع الوصول للبيت بهذا الشكل .
-    هكذا أفضل ؟
-    نعم ، بكثير .
-    لماذا وقفتِ هنا نيروزة ؟
-    سأشتري فستقاً مشوياً لي ولكِ ، سنأكله في طريقنا للبيت.
-    نيروزة :  من فضلك يا عم ، كيسين من الفستق الحار .
-    البائع المتجول : تفضلي ،   يا إلهي !!
-    ما بك يا عم ؟
-    يداكِ يا ابنتي ، لقد بدأ الدم يأخذ طريقه للخارج ، يجب أن تضعي مزيج الليمون وزيت الزيتون عليهما مدة نصف ساعة كل يوم ،البسي قفازات وامتنعي عن استعمال المنظفات القوية ، ما زلتِ شابة .
-    كم أنتَ لطيف ! أريد ان أسألك يا عم : ماذا يعني لكَ  "يوم المرأة العالمي" ؟
-    بائع الفستق : بل هو "عالم المرأة اليومي " 
-    هو يا ابنتي ، أن تسرق امرأتان جميلتان ساعة من عالمهما اليومي و تتسكعان في الشارع بأحذية رياضية، لأن ألماً لن يقدره أحد يغزو أسفل الظهر ، ويقصفه بلا رحمة ، وتأكلان الفستق المشوي على النار أمام المارة ، وتتقبلان نصيحة رجل عجوز لم يكن ليسمح ليدين حبيبته أن تتشققا .

التعليقات

تعليقك على الموضوع

تم ارسال التعليق