يصبّحك بالخير ....

شبكة المدونون العرب - هدى ثابت - فلسطين

مع بزوغ الشمس يظهر ،
يدفع عربته بقوةٍ تارةً ، وكأنها جرار زراعي معطّل ،
وبحنية وهدوء تارةً أخرى وكأنها عربة تقديم شاي الساعة الخامسة لملكة بريطانيا ،
يتلوى برفقتها ( وكأنها هي من تقرر طريقة الالتفاف والانعطاف (
متخذاً طريقه إلى الشارع العام عبر أزقة وحواري المخيم الملتوية ككيد النساء،
يستعمل صوته الخام ، فهو لا يحتاج لأجهزة تنقية الصوت التي تخضع لها جميع
أغاني العاشقين ليصلوا إلى جيوب المستمعين .
عبارات جميلة أحياناً ومزعجة غالباً يتكئ عليها عمله الشاق ، بعضها يرسخ في الذاكرة
منذ الطفولة كشعارات الأحزاب العربية ، حفظناها ولم نفهم معناها !
لطالما ركضنا خلفه ، لطالما كان هو الحلم ،
لطالما كان مالك مستودعات اللذة اللامنتهية ،
كان بمثابة كأس الفوز لمباراة نهائية ، فعلاً كان هو .
أما وقد تقدمت سنين العمر برقاً ورعداً ، وتطورت الأصناف والأنواع والأشكال ،
وأصبح طفل الأمس اللاهث خلف قطعة حلوى من بائع متجول ،
باذلاً مصروفه اليومي المتدني في سبيلها، أصبح على درجة من الوعي مع أبناءه ،
الذين تهفو نفوسهم كما كان بالأمس إلى ما تحمله العربة الخشبية من قطع غريبة
لا يوجد في المحال الخاصة بالحلوى لها مثيل ولن يعرف سرّها إلّا المتجول الجميل .
أُحذّر أبنائي من شراء الحلويات من الباعة المتجولين ، لأني أخاف عليهم من الأمراض ،
أخاف من مجرد التفكير بما تحمله أسطح تلك الحلويات من (مايكروبات)
وكيف ستغزو أجسامهم ودمائهم ، أُمعن في تحذيرهم ، أغلظ التهديدات لكل من تسول
له نفسه المريضة الدنيئة الاقتراب من البائع المتجول ، أقدم لهم على الفور
بدائل نظيفة من محلات راقية وجميلة ، واجهاتها بلورية مضيئة ،
تصطف فيها قطع الحلوى بانتظام عازفي الأوركسترا ،
مزيّنة هنا وهناك بحبات الكرز الحمراء ،
ورشات الفستق الحلبي الخضراء ، كما لو كانت حديقة غنّاء .
محلات مكيّفة ، جميلة ، موظفوها يرتدون زي موّحد كفريق كرة قدم عالمي ،
يستخرجونها كما لو أنها أحجاراً كريمة في محلات المجوهرات ،
مستعينين لفصلها عن بعضها كالجراحين المتمرسين بأرقى الأدوات والاّلات ،
وفوق كل ذلك يلبسون في أيديهم قفازات !!!
يتناول الأولاد البدائل المقدمة من (أم غير مقتنعة) ، يفرحون وينتهي الأمر بالنسبة لهم .
إلّا أن حزني كبير كمتذوقة بارعة ، ومميزة للنكهات على أصولها ،
منعتْ وبكل غرور وغباء فلذات كبدها من الاستمتاع بالنكهة الحقيقية ،
إلّا أن خوفي عليهم كان أكبر .
في المرات التي تُعد نادرة التي أخرج فيها إلى السوق ، أتناسى للحظات
كل التهديدات والتحذيرات ، لا شأن لي بها في حضرة متجول الحلويات ،
بعيداً عن أنظار الأبناء والبنات ، ولا إرادياً ، أتوجه بخطىً خجلات ،
إلى إحدى الزوايا ، حيث تقف تلك العربة التي تبيع الجنون ،
أكون حذرة من كاميرا مراقبة هنا أو هناك ،
أتحسس حقيبتي وعيني على المارّة ، فالمشهد لم يعد كالسابق ،
أخرج المعلوم على استحياء،
وكأن لسان حالي يخبرني أنها مادة غير قانونية للبيع والشراء ،
اختلفت العربة قليلاً ، أصبحت منظمة أكثر ومؤطرة بزجاج
يوهمك ان ما بداخلها أنظف من ذي قبل ، إلّا أن الورق الذي
تُلفُ به الحلوى هو ذاته منذ قرون ورق دفاتر مدرسية ،
البائع هو ذاته أيضاً ، واثق ثقة عمياء من أن حلوياته هي الأصل
وواثق ثقة عمياء أن زبائنه ستغريهم الكلمات الصباحية المرافقة
لذكريات طفولية ، وسيلحقون به لا محالة ولو على استحياء ، ليتمموا ذكرياتهم بالمذاق .
الحلويات طرأ عليها بعض التعديل كنوع من التطور الذي أصاب كل ما حولنا ،
لكنها بقيت تتصدر صالة الاستقبال في قلوب الذين كانوا يوماً أطفال .
أشتري كمية معقولة ، وانصرف بسرعة كي لا تلمحني عيون الأبناء أو أصدقاء الأبناء
وكالمدمن المشتاق لجرعة السموم ، وكالحزين المشتاق لكتفٍ يرمي عليه الهموم ،
نصنع سويةً جلسة طربية تتناغم فيها رائحة الذكرى والطعم المسروق من أيام مخيم
شقيق ، فما اليرموك إلّا جباليا والوحدات والمية ومية وعين الحلوة والدهيشة والنصيرات
لا أحد سوانا ، أنا وجزء من ورق الدفاتر يحوي ما يحوي من الجمال،
مسافة الرجوع إلى البيت وتحضير جلسة الاشتياق للماضي تكون كفيلة
بانهمار قطرات العسل واغراقها للورقة ،
هي بالنسبة لي قصائد (جون كيتس ) مغمّسة بالحنين ،
يبدأ الحوار بيني وبين الزمان في لحظات مسروقة من الزمان .
***
خرجت برفقة أولادي ذات يوم في نزهة سيراً على الأقدام ،
وظهر البائع المتجول الهمام ، وبدأ الحنين يدق أبواب القلوب ،
أقنعت نفسي أنه ليس من حقي أن أحرم فلذات كبدي من التجربة
اشتريت لهم !!
وقبل أن يأكلوا قرأت ( قل لن يصيبنا إلّا ما كتب الله لنا ( 
استمتع الأولاد وأنا زادت ثقتي بتاريخي ، لم أعد أخفي عشقي للحلوى
المكشوفة وعزوفي عن تلك الأنيقة الارستقراطية .
العربة اليوم أنظف من السابقة ، لا توجد تلك الذبابة الحمقاء الغبية التي
لا تنفك تطارد البائع المتجول ولا يحلو لها الانتحار إلّا فوق قطعة حلوى ،
فالعربة الآن محصّنة ضد الذباب كسيارات المسؤولين ضد الرصاص
ثم ما الضير ، لو وجد هنا أو هناك جناح نحلة ضلّت طريقها ؟
كل صباح ، اسمعك تنادي ،
ومن مكاني أقول :
أيّها المتجول ، يصبّحك بالخير .

التعليقات

تعليقك على الموضوع

تم ارسال التعليق