السّكرة الأخيرة

شبكة المدونون العرب - الثريا رمضان - تونس

"أنا ﻻ أريد لهذا الحب أن يولد"، تقول امرأة للغريب المُنتظِر.. تخرج من الحانة العتيقة.. تفوح من فمها رائحة قُبَلِ الخيْبة.. تتأبّط نُدوبها.. وتجرّ البرد بين أصابع ذاكرتها المشروخة..
"أنا ﻻ أريد لهذا الحب أن يُصبح".. تصرخ في وجهه.. فالصّباح كذبة لبِسَتْها سِنينا قبل أن تلبسَ الشمسُ السماء.. توهّمته ميقات التّراتيل المقدسة.. حين كان وهْم النظرةِ الولهانة يَصبغ شعرها بلون الشهوات كل فجر.. 
يُلوّح الغريب لها من بعيد.. يختنق البوحُ في حلقه.. تمضي غير عابئة به.. فكُلّهم صاروا عندها سواء.. هو يمشي وراء امرأة سكرانة.. مهووسا بجنونها.. وهي وسط الشارع تترنّح.. تلعب الريح بفستانها.. يركض الغريب ليستُر فخذيها من عيني شهوته المكبوتة في صدره.. فتلْعنُ يديه.. وتُطلق العِنان للريح أكثر.. "رقصة التانغو تحتاج لاثنين عاشقين.. وأنا ﻻ أحبّك.. فابتعد يا غريب."
فوق الرصيف غجرية فرشت أوراق التاروت.. تصيح.. "يا بنت أرض الحزن.. يا ملح أطفال اﻷرض.. الورق ﻻ يكذب.. ووجهك يُخفي جرح المَنِيّة.. صُوغي هذا الليل قصيدة حياة.. ميلاد قلب الغريب.. ﻻ تتركيه معلقا في الفراغ بتهمة خنجر سبق أصابعه.."
قهقهتْ مع الريح كثيرا.. وقهقه معها حزنها مفجّرا مطر أيلول.. أيلول الحزين يبكيها.. وهي تبكي كذبة الشجر الأصفر.. 
"ﻻ ليل يجمعنا يا غريب.. في الحانة القديمة كنت أدمن السراب.. وكان السراب شحيحا.. يرسم لي بركة الماء فارغة.. فأسقط دوما في هاوية أنانيته.. ﻻ أريد أن أشرب من سراب آخر.. ﻻ ترسم لي ابتسامة غبية.. فالحب بدايات موبوءة بالخرافة.. الخرافة ﻻ صدق لها.."
عبثية الحياة ومجون المرأة في نظرة واحدة منها.. مواسم الجرأة والرقص على حبال النشوة المختومة بطابع النهايات.. ﻻ وقت للحب.. القلب عصفور يقتنص اللحظة.. وحدها أوراق الخريف تغنّي تحت كعبها العالي.. تدوس به على وجعها.. وتمضي نحو أرض القيامة بلا خوف..
الغريب كظلّها.. في الليل ﻻ ظﻻل.. يرسم صورته على اﻷرض بقلم الرصاص.. يتحرّك وإياها.. وهي الأنثى المبتورة المشاعر.. لكنها تمضي وهي تدري.. أن القلب المعطوب ﻻ يمسك بالحب كاملا...

التعليقات

تعليقك على الموضوع

تم ارسال التعليق