رجع أيلول ....

شبكة المدونون العرب - هدى ثابت - فلسطين

رجع أيلول .... وبأي حالٍ رجعت يا أيلول ...
استدار شهر النار الأحمر ... أعطاهم ظهره وغادر إلى المدى ...
مسلماً مهامه لأخيه من أبيه ... فهما أخَوَان ولكنهما ليسا  شقيقان ... 
ذاك كانت أمّه صيفيةً حمراء ... أما هذا فأمّه خريفية صفراء
وكعادة النساء من البشر ..هي ..هي..عادة النساء ..
عادة الإناث من كل المخلوقات ...من كل الأشياء  ... 
 الغيرة ديدنهن .... هي بالنسبة للنساء نبيذ الحياة 
لا يُثمل بغيرها ... الغيرة وما أدراكَ ما هي..
 لا يعرف متعة سكرتها إلّا هُنَّ ...
رجع أيلول ... واستلم مهام أخيه في تعداد الأيام وخصمها من زمن الحياة ..
خصمها من عمر البشر والأشياء 
رجع أيلول ...واستلم العهدة من أخيه الذي اختتم فصلاً دموياً 
حيث  أوصته أمه النكدة 
... أن لا تترك لابن ضرتي إلّا الخراب ..
وكعادة الولد الذي تربى على كيد النساء  ..
أخذ من ألاعيبهن ما أخذ ... وأخذ من مكرهن ودهائهن ما يكفي لإحداث الضرر المطلوب في الخصم 
والخصوم هنا أبناء ضرائر ...
سمع كلام أمه الذي لا رجعة فيه فقد كانت ماهرة في حياكة المكائد والتفنن فيها
رجع أيلول .. فوجد إرثاً ضخماً من الأحزان أورثه إياه أخيه خاتم فصل الدماء
ولأن الإخوة يختلفون عن بعضهم .. كان أيلول مختلفاً
كان ضعيف الشخصية .. متردداً ..هشاً .. لا حول له ولا قوة 
لأن أمّه كانت مسكينة .. ولا نصيب للمسكينات من الحياة إلّا البؤس
لمّا رأى ما  رأى ...
 رأى تركة ثقيلة على نفسه ، روحه  ، وأيامه
احتار كيف يفعل ؟
عدد الشبابيك التي كان  ينثر تحت قواعدها أوراقه الصفراء التي تميز مهمته السنوية 
نقص نقصاناً واضحاً ، 
المفروض أن شبابيك الناس تزداد وليس العكس !!
أين ذهبت شبابيكي التي أعمل على تلوينها بأوراق أمي الصفراء ؟ قال أيلول مخنوقاً ولم يبكِ بعد 
أين هم الناس الذين أراهم كل عامٍ  ؟ كانوا هنا وهناك 
بعضهم كان يحبني ويكتب في أيامي أحلى الكلام 
يحب قدومي لأني أزحت حرارة إخوتي السابقين
بعضهم كان يستبشر بقدومي ،  لأرضه  ، زرعه ومواسمه
والبعض كان يكره صفرتي وتقلبي 
هشاشتي وضعفي وقلة حيلتي 
أين هم ؟ لو أني أعرف أين ذهبوا بشبابيكهم تلك ، ألا يعرفون بقدومي ؟ كيف يرحلون هكذا؟
بمروره اليوم عبر شوارعهم ، اكتشف إجابات لأسئلته الحائرة 
لم يستقبله أحد ، لم يحتفي بقدومه شعراءَ ولا أحباب 
لا مزارعون استقبلوه ولا أصحاب
وجد أناس يتجمعون حول ركام منازلهم
نظر إليهم ، دقق في ملامحهم ، هم ذاتهم أولئك الذين كانوا هنا يوماً
كانوا أصحاب تلك البيوت
ولكن بيوتهم ماتت ، ككل الأشياء التي تموت ،
وماتت معها شبابيكي (قال في نفسه)
تجول أيلول كثيراً في كل شوارع مدينتهم أُنهكت قواه من هول ما راّه
أخذ يتحدث للرابضين فوق ركام المنازل الميتة 
أخبروه أنها لم تمت ميتةً طبيعية 
هي في الحقيقة قُتلت !! أُغتيلت !!
سألهم أيلول : وبأي ذنبٍ قُتلت ؟ ولماذا أُغتيلت ؟
قالوا : لأنها تتشوق لانتظار خيراتك وبشائرك
فالشوق في عرف الغيلان حرام 
لأنها كانت تطرب لسماع طقطقة أوراقك الجافة على زجاج شبابيكها 
والطرب في عرف الغيلان حرام 
لأنها كانت تحب سماع أشعار المجانين في لياليك 
وحب الشعر في عرف الغيلان حرامٌ ، حرام 
لم يُبقِ أخوك وسابقه لها رغبةً في حب أي شيء ، لا حلالاً ولا حرام 
قال أيلول وقد ازداد اصفرار وجهه وامتلأت عينيه بالدموع :
إنّي والله بريءٌ مما فعل إخوتي 
أين أذهب الاّن وقد أفسد إخوتي السابقين عملي ؟
ومع أول دمعات أيلول ، هطلت دموع  حراس الركام ، حراس الشبابيك 
أصبحوا يستفيقون كل صباح وعيونهم ملأى بدموع جمّعها أيلولَ لهم 
أصبحت عيونهم مشابهة لعيونه
ولأنهم يشبهون أيلول ..في دموعهم العزيزة الخجلى
ولأنهم يشبهون صدقه وبرائته من الإثم
قالوا له على استحياء :
لا عمل لك عندنا هذا العام 
فما نحن إلّا غرباء  كأنتَ أيّها الغريب 
ولأنهم صادقون 
صدقوه الوعد والعهد 
أقسموا له بالريح وربها
أنه سيرجع في العام القادم وسيجد له عملاً كثيراً 
لن يكون عاطلاً كهذا العام 
تم العهد والقسم بينه وبينهم ، أن غداً لناظره قريب
لملمْ أيامك ، نهاراتك ، ولياليك
لملمْ ألوانك ، تياراتك ، أصوات صفيرك من اّذاننا 
وارحل ...
ثم عد العام القادم .
قال أيلول وقد زاد كلامهم حزنه حزناً :
هل أستطيع تقديم أي مساعدة ؟
قال حراس الركام والشبابيك المذبوحة :
نعم ، فقط أخبر القادمين من إخوتك أن يأتوا لنا بالخير فنحن أبناء الحياة
نريد الخير فقط ..
ولكن تمنى عليهم بلساننا أن لا يقسو ، فالقسوة ستجهز علينا 
قل لهم أن هناك من لا يستطيع تحمل قسوة الشتاء لأنه بات في العراء 
أخفض أيلول رأسه خجلاً وقال : 
سأنقل لهم الرجاء ، وأرجو أن تسامحوني إن فشلت فما نحن إلّا أبناء ضرائر 
مكائدهن سوداء .
تم العهد والقسم بينه وبينهم 
أنه سيجد العام القادم من الشبابيك الكثير ليعصف بورقه الخريفي تحتها
سيرجع أيلول مراتٍ ومرات 
سيغني لهم صفيرا ، 
سيغزلونه  خلف الشبابيك أشعارا
سيغزلونه نجمات 
سيدق على زجاج بيوتهم الوليدة البكر 
سبيشرها بالكثير
سيُهنئها بالميلاد والحياة .

التعليقات

تعليقك على الموضوع

تم ارسال التعليق