سألوني الناس .......؟

شبكة المدونون العرب - هدى ثابت - فلسطين

من أكثر أسئلة الناس لي : كيف هي الأحوال عندكم ؟
يسألها الأصدقاء والصديقات (على استحياء) ممن لم يمنحهم القدر فرصة السكنى في مدينة الأحزان ،
ممن يتوقون للتواجد معنا في غزة الحزينة ، بل ويتمنون لو أنهم هنا ..
إلّا أننا نحن من أراد الله لنا التواجد هنا ولم يحالفهم الحظ بمرافقتنا في رحلة التواجد الإنساني في غزة الدامية 
 يسألون على استحياء لأنهم يعرفون  أننا لسنا بخير
  أُمرر أصابعي على أزرار الحاسوب لأكتب كلمة او كلمتين كجواب يناسب السؤال 
أكتب ثم أحذف ، ثم أكتب ثم أحذف ، الأمر الذي يشعرني بالحرج الشديد لطول مدة كتابة رد من المفروض أن يكون سريعاً ...
الحمد لله .. هي المخرج دائماً ،
 فرب العالمين يحمد على الضراء قبل السراء هكذا عقيدتنا ، وهي فلسفتنا أيضاً..
على مدار أيام الحرب ال 49....لحد الاّن. ونحن مازلنا نَعُدّ ..... 
فألة الحرب لم تتوقف بعد إلى هذه اللحظة ،كان تواصل الأصدقاء والصديقات دائم ويومي 
على مواقع التواصل الإجتماعي التي قربت البعيد وهيأت الفرصة لتعارف الناس ، 
(وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفو) وكان نِعمَ التعارف ، 
فجأةً ، وجدت لك عشرات الإخوة والأخوات ممن يهتمون لأمرك ويحبون سماع أخبارك ويجتهدون في دعمك بالكلمة الجميلة الطيبة ، 
من خلال مقالة تدخل القلب كأغنية فيروزية صباحية على الرغم من إمتلاء الأجواء برائحة البارود الكريهة ، 
أو بيت شعر يتلوه اّخر ليكوّن قصيدة تخترق روحك كأغنية فيروزية صباحية  تبعث في النفس طمأنينة الهدوء 
على الرغم من عواصف العنف وزوابع القصف اللواتي يتخطفن الأرواح دون رحمة
ما يصيبك بالإحراج أكثر هو طبيعة الجملة التي تلحق بحمد لله والثناء عليه حق الثناء ،   
فالمقابل يريد منك ان تقل شيئاً ، شرحاً أو تحليلاً ولو موجزاً ، ينتظر أن يعرف منك أي شيء 
لأنك من تتواجد في قلب حمام الدم الساخن فمن المؤكد أنك تعرف تفاصيل لا يعرفها من هم بالخارج ،
فأنت من اختارك الله أن تكون هنا ، وأنت من اختارك القدر أن تبث الكلمات من خلف بخار الموت الأسود 
 تحتار الكلمات عند رغبتها وصف الحال ، تعجز التعبيرات عن الاصطفاف  لوصف شعور ليس كأي شعور 
يقفز أمام ناظريك الخَرسْ ويتجسد كجنيٍ يلبسك فهو متمرسٍ على لبس الناس  العاجزة عن أن تنبس ببنت شفة 
لا تستطيع أن تأمر دماغك أمراً مناسباً ليترجمه حروفاً فكلمات ، فالخرس قد أصاب كل حواسك ولم يعد حكراً على اللسان
  أصابعك القلقة  من اختيار لفظ لا يرتقِي لقيمة الدم المراق  تبدأ فوراً بالتأتأة ، والفأفأة ، وجميع أعطاب اللسان تتجلى هنا.........
لا تصدق أن أصابعك من تُتأتئ وتُفأفئ !
هي في الحقيقة أصيبت بعطل يصيب اللسان في الأحوال العادية .
ولو أن ذلك الصديق أو تلك الصديقة  لا يراك أولا تراك فأنت خلف حاسوبك لوحدك 
إلّا أنك تشعر أن حروفك تمارس التأتأة والفأفأة بامتياز 
يا إلهي ، ماذا أكتب ؟ 
فالمقابل يرغب بالاطمئنان عليك وبالتالي على مدينة الأحزان كلها من خلالك 
من الممكن أنه لا يوجد له صديق هنا غيرك ليطمئنه ،  أنت الاّن شاهد العيان المسؤول عن وصف الحال !!
من الوقاحة ان لا تجيب بشكل لائق ، ولكن من أين تأتي بتعبيرات تشرح الحال 
كيف تشرح بحروف عددها تسعة وعشرون حرفاً فقط
 كيف تشرح ؟
 تدفق الدماء في شرايين الدماغ وتزاحمها بغير انتظام كتزاحم الجوعى الصعاليك على معونة غذاء مجانية لذيذة
 لتجبرك على شعور عارم تمتزج فيه المخاوف مع الإيمان ، الصلابة مع الهشاشة ، الفقد مع الوجود 
كيف تشرح ؟ 
كيف أُصبتَ بالشلل التام في أول أيام العيد عندما سألكَ الأطفال كيف تتحول الأرجوحة إلى مقصلة ؟
وهل سيكون هو نفس  الحال من هذا العيد فصاعداً ؟ 
كيف تشرح ؟
شعورك وانت تحاول أن  تعيد صفة الأرجوحة كرمز للفرح والمرح 
مع مخالفتك الواقع أنها باتت رمزاً للتصفية الجسدية ، باتت عنواناً للإعدام 
كيف تشرح ؟
للأصدقاء أنه لم يعد يعنيك إطلاقاً هلوسات قديمة لك تثير الشفقة كانت تسمى أحلاماً ؟
كيف تشرح مدى سخافتك عندما كنت تسطر بحروف الاماني أحلام الهباء 
كيف تشرح للجميع أن هنا مازال يوجد بشر ، هم تماماً على هيئة البشر ،
شهيقهم زفيرهم  ما زال موجوداً لكنه ازداد سرعةً عن ذي قبل ، ستعرفهم من سرعة أنفاسهم 
حنينهم واشتياقهم للأشياء ، لكل الأشياء ما زال موجوداً ، لكنه أكثر حرارةً من السابق 
 لن يتحمل حرارته من سيقترب منهم ،
 دقات قلوبهم متناسقة كدقات قلوبكم لكنها تعزف بمرورها على سلم الموت أعذب ألحان الحياة 
كيف سأشرح أنا
 أنني ما زلت هنا وضربت عرض الحائط جميع ما سبق  من غصات واحزان وها أنا ذا 
أستعير عناوين  لكلماتي من فم  فيروزتي.......
إن عاود سؤاليَ الناس :
على جناح المحبة لكل الاصدقاء 
سأقول أننا مازلنا هنا .....
نستعير عناوين لخطابات وجودنا  من فم فيروزتنا ..

التعليقات

تعليقك على الموضوع

تم ارسال التعليق