مدونات سوريات: مازال التدوين فعلا ذكوريا

شبكة المدونون العرب - بيروت: وليد بركسية

تتعالى الأصوات النسائية السورية اليوم عبر محركات التدوين أكثر من أي وقت مضى. ورغم ذلك، مازال التدوين حتى اليوم فعلاً ذكورياً إلى حد ما. نتيجة ليست بالجديدة بل أكدت عليها دراسة أكاديمية أعدها باحثون في جامعة هارفرد الأمريكية عام 2009 بعنوان Mapping the Arabic Blogosphere، وأشارت بوضوح إلى أن سوريا هي ثاني أكبر تجمع للمدونين الذكور في الشرق الأوسط بنسبة 87% من إجمالي المدونين في البلاد.
تجارب مختلفة
الكتابات الأدبية وسيلة تعبير أساسية للمدونات السوريات. رهام الكوسى في مدونتها 'فتات أيام' تطرح قضايا مختلفة من الحياة اليومية ضمن قوالب قصصية، تدمج فيها العام مع الخاص، لعكس أبعاد اجتماعية واقتصادية وسياسية مختلفة. وترى الكوسى في حديث مع 'هنا صوتك' أن التدوين جاء للتعبير عن ذاتها أولاً، ولإضفاء صبغة جدية على كتابتها الأدبية، بعيداً عن ثرثرة شبكات التواصل الاجتماعي. فيما تعتبر لميس الجاسم مدونتها 'حبل غسيل' مساحة للتعبير عن الرأي، أو مؤسسة إعلامية صغيرة تديرها بنفسها للتفاعل مع الآخرين، وتسرد فيها منذ عام 2008 القصص الصغيرة التي تمر بها يومياً بغرض نقد التفاصيل الدقيقة في المجتمع السوري.
المدونة السورية يارا توما 'Magdalena' ترى التدوين بكل بساطة، بحثاً عن الهدوء في عصر الضجيج. وتبحث من خلاله عن قارئ يفتح صفحات لا تمر عليه ضمن عشرات المنشورات الأخرى، لتطرح كتاباتها قضايا متعددة تكسر فيها المحرمات التقليدية 'سياسة - دين - علاقات اجتماعية' بشقين متوازيين قصصي أدبي وإعلامي نقدي.
أما المدونة سنا الشامي فتفرغ مدونتها 'La Vie' من أي بعد خيالي أدبي، وتخصصها بالكامل للبحث والتفكير الإيديولوجي. وتطرح مقالات معمقة عن حالات سياسية وفكرية متباينة الالتصاق بالواقع، ولجأت إلى التدوين أساساً لمشاركة أفكارها مع الآخرين في ظل قلة الصحف السورية.
مصاعب وعقبات
ربما يكون شح الأصوات النسائية على محركات التدوين في سوريا، امتداداً للعقلية الذكورية الحاكمة في المجتمع السوري، والتي تهمش دور المرأة عموماً وتعاملها كإنسان من الدرجة الثانية على صعيد التفكير الحر واتخاذ القرارات خصوصاً. لكن الشامي والكوسى تريان في الموضوع تقصيراً من النساء أنفسهن في ظل توافر الإنترنت للجميع. أما الجاسم فتتجاوز الموضوع نحو انتشار التدوين نفسه أمام طغيان شبكات التواصل الاجتماعي دون أن تنكر وجود مشكلة في تعبير المرأة عن نفسها نظراً للقيود الكثيرة التي تحدها، مشيرة إلى فكرة النوع المتمثل بالانفتاح الفكري الرافض للصور النمطية المشوهة مقابل الكم.
من جهة أخرى لا يشكل التدوين وسيلة التعبير الوحيدة المتاحة أمام المرأة، وهو ما تطرحه توما التي تتساءل بمنطقية: 'هل تريد المرأة حقاً أن تدون؟ هل حقاً تريد أن تكون كاتبة؟' وتتخذ انطلاقاً من هذه النقطة موقفاً حاداً ترفض فيه التصنيف والهوية 'الجندرية - الجنسية' مفضلة إلغاء القوالب الجاهزة تحت أي مسمى (تحرر، مساواة، تقديس، ..) والتعامل مع المدون ذكراً كان أم أنثى كإنسان فقط.
الحرب والدوافع
على صعيد شخصي، ترجع الشامي سبب قلة تدويناتها في الفترة الأخيرة، إلى تكيفها مع الشبكات الاجتماعية، التي يلجأ إليها الجميع اليوم. فيما ترجع الكوسى ذلك إلى 'خوفها الدائم من عدم ارتقاء كتابتها للمستوى الأدبي والفكري المطلوب. إضافة لاعتبارها الكتابة فعل ترف في ظل أولوية الحصول على لقمة العيش'.
تلقي الجاسم بالمسؤولية على عاتق الأزمة السورية، التي فرضت عليها أسئلة هامة، تتمحور حول الأثر الذي يمكن أن تحدثه التدوينة في مواجهة الواقع السوري. إضافة إلى التغير الذي أصاب شخصيتها على صعيد مشاركة الآخرين في الأفكار. وتضيف توما في ذات السياق مفسرة تباعد تدويناتها: 'ربما يكون الكسل، أو حالة فقدان اليقين في ظل الحرب. لا أريد أن تكون كلماتي جزءاً من بروباغندا سياسية أو ابتزاز عاطفي. ولا أريد أن أكون شريكة في معاناة أحد. أصبحنا نعلم أن الكلام ليس مجانياً، بل قد يكون ثمنه روح إنسان. كان لدي صديق هو الذي شجعني على الكتابة والتدوين وقتل في الحرب'.

التعليقات

تعليقك على الموضوع

تم ارسال التعليق