المخرجُ .. تسويةٌ تاريخيّةٌ بين مختلف الاتجاهات

شبكة المدونون العرب - هاني المصري - فلسطين

يوجد مخرجٌ واحدٌ للمأزق العام المتفجر الذي تمر به مصر حاليًا، بعد عزل الرئيس محمد مرسي، وتنظيم مظاهرات واعتصامات حاشدة من جماعة الإخوان المسلمين وحلفائهم منذ أسبوعين حتى الآن، إضافة إلى قيامهم وتشجيعهم على استخدام العنف ضد الجيش، خصوصًا في سيناء؛ والمخرج هو التوصل إلى تسوية تاريخيّة تستهدف مشاركة جميع الاتجاهات الليبراليّة والقوميّة واليساريّة والإسلاميّة، وتضمن المساواة بين المواطنين بغض النظر عن لونهم وجنسهم ودينهم وقوميتهم، وتفصل ما بين الدين والدولة على أساس أن "ما لله لله وما للوطن للجميع".
صحيح أن هذا المخرج صعب ويبدو بعيد المنال، ولكنه هو المخرج الوحيد، وكلّما تم اعتماده سريعًا كان ذلك أفضل من اعتماده بعد زمن طويل يُدفع فيه ثمنٌ باهظٌ؛ ويجعل مصر والعرب خارج مكانهم في التاريخ لفترة إضافيّة لا يعلم مداها إلا الله.
لقد ثبت بعد ما جرى في مصر وفلسطين وتونس وليبيا والعراق وفي عموم المنطقة العربيّة عجز اتجاه واحد مهما كبر حجمه عن قيادة الشعب والدولة بمفرده وإقصاء الاتجاهات الأخرى.
مثل هذه التسوية التاريخيّة قامت بشكل أو بآخر في أوروبا وأميركا وفي كل دولة مستقرة، وهي التي سمحت بقيام دول ديمقراطيّة بعد سلسلة من الثورات والتجارب المؤلمة والحروب الأهليّة والصراعات الدّامية ضمن عمليّة تاريخيّة استمرت مئات السنين.
فهناك أشياء تجمع كل شعب يجب البناء عليها، وهناك قواعد مشتركة للعمل السياسي يجب الاتفاق عليها، ومن دون هذا وذاك لا تجربة ديمقراطيّة حقيقيّة، وستدخل البلاد في الفوضى والدمار وتحل شريعة الغاب من الآن وحتى أجل غير مسمى.
جماعة الإخوان المسلمين التي تاقت إلى الحكم طوال أكثر من أربعة وثمانين عامًا، وعانت الأمرّين أثناء مكوثها في مقاعد المعارضة طوال هذه المدة؛ لم تصدق نفسها بعد فوزها في الانتخابات البرلمانيّة ومن ثم الرئاسيّة في مصر، وتصورت أن هذا الفوز يعطيها تفويضًا لتحكم كما تشاء على أساس فهم ضيق للديمقراطيّة، باعتبارها مجرد صندوق اقتراع أو حكم الأغلبيّة، وتجاهلت أن الديمقراطيّة تعني أيضًا حماية حق الأقليّة في المعارضة وفي العمل من أحل الوصول إلى الحكم. إن على الجماعة أن تراجع تجربتها وتدرك وتدرك أهميّة الوطن والمواطن وأولويتهما على الجماعة.
إن الديمقراطيّة تعني، قبل كل شيء، اتفاق الأغلبيّة والأقليّة على مرجعيّة واحدة تحدد الأسس والأهداف وأشكال العمل الأساسيّة. مرجعيّة تجسد ما يجمع الشعب عليه أو ما تتفق عليه أغلبيّة ساحقة على الأقل. مرجعيّة يتم الاحتكام إليها لإدارة الخلافات الموجودة التي ستبقى موجودة بسبب استمرار وجود عقائد وطبقات مختلفة وتباعد في الرؤى حول المجتمع المراد بناؤه وحول الدين وموقعه من النظام السياسي وحول السياسة والاقتصاد والثقافة.
لقد تصورت جماعة الإخوان المسلمين أن من حقها الحكم منفردة أسوة بالحكام الرجعيين الذين حكموا ولا زالوا يحكمون في عدد من البلدان العربيّة، والعسكريين والقوميين الذين حكموا عددًا من البلدان العربيّة منفردين طوال عشرات السنين، وتجاهلت أن هذا الحكم وذاك لم يحقق الأهداف العربيّة القطريّة والقوميّة المتوخاة، وجاء في ظروف مختلفة:
فأولًا، جاء ضمن مشروع نهوض عربي بالرغم من إخفاقاته وهزائمه إلا أنه حقق إنجازات تاريخيّة لا يمكن نكرانها، وكان من أهم أسباب سقوطه عدم اعتماده الديمقراطيّة في الحكم، حيث أدى الحكم الفردي العسكري وإقصاء الآخرين إلى الفساد والاستبداد، وساعد على عودة التبعيّة بأشكال ربما تكون أسوأ من السابق، فهل من المفترض أن نجرّب المجرب الذي أدى إلى ما نحن فيه ولا يسرّ صديقًا ويسعد كل الأعداء.
وثانيًا، نحن نعيش في عصر العولمة والاتصالات والفضائيات والإنترنت، وما يعنيه ذلك من تمكين كل فرد وأقليّة وحزب وجماعة من العمل بحريّة وفاعليّة بصورة أصبح بعدها لا يمكن إسقاط أي قوة من الحساب، لأنها قادرة على التخريب إذا لم تتمكن من المشاركة.
لقد أقصت جماعة الإخوان المسلمين خلال تولي الرئيس محمد مرسي الاتجاهات الأخرى، بما فيها القوى التي ساهمت معها في صنع ثورة 25 يناير، وهناك أدلة على ذلك، أبرزها وأهمها إقرار دستور بلون واحد، ولهذا السبب وبحكم الأخطاء الأخرى المرتكبة خلال عام واحد كانت كافية لخروج عشرات الملايين من المصريين في الشوارع مطالبين بعزل مرسي وإجراء انتخابات رئاسيّة مبكرة.
هناك ما يبرر ثورة 30 حزيران التي تشكل الموجة الثانية من الثورة المصريّة وتحاول تصحيح مسار الثورة، لأن عدم استجابة الرئيس محمد مرسي لإجراء انتخابات رئاسيّة مبكرة كان يمكن أن يؤدي إلى حرب أهليّة لولا تدخل الجيش. وهذا التدخل يمكن أن يقود إلى تحقيق أهداف الثورة، أو إلى إجهاضها مرة أخرى وقيام نظام مباركي جديد بقشرة ديمقراطيّة زائفة.
الشرط الحاسم الذي سيجعل هناك إمكانيّة للقول إن الأحداث تسير للنهوض بمصر وبالتالي بالعرب؛ هو الإسراع في إنهاء الفترة الانتقاليّة وضمان أن يكون الحكم ديمقراطيًا يضمن للجميع المشاركة والمنافسة من دون تكفير أحد وإقصاء أحد، وليس مقبولًا أن يتم إقصاء الاتجاه الإسلامي ردًا على ما قام به من إقصاء، لأنه في هذه الحالة لا يكون أحد أحسن من أحد.
لا تكفي الدعوات الحميدة إلى الحوار والمصالحة والمشاركة في الحكومة والانتخابات القادمة، بل يجب توفير الأجواء المناسبة للنجاح، فلا يمكن أن تكون الدعوة للحوار والمصالحة جديّة، بينما يتم إغلاق المحطات المحسوبة على الاتجاه الإسلامي، وحجز الرئيس المعزول، واعتقال عدد من قادة الإخوان المسلمين، وملاحقة أعداد أخرى، ورفع دعوات باتهامات لهم تبدأ بالتحريض على العنف والقتل ولا تنتهي بالتعاون مع جهات معادية.
هذا لا يعني عدم المحاسبة على العنف وجرائم القتل، ولكن هذه قاعدة عامة يجب أن تشمل كل أعمال القتل والعنف المرتكبة منذ ما قبل الثورة وخلالها، والمنظور بقسم منها أمام المحاكم المصريّة، من دون تجريم تيار بكامله ولا إقصاء أي فصيل، وإنما محاسبة من قام بالجريمة فقط، لأن الأخذ بمحاسبة كل من حرض يعني محاسبة الجميع تقريبًا.
وإذا أصرت جماعة الإخوان المسلمين وغيرها من قوى الإسلام السياسي على رفض المشاركة بعد توفير شروط المشاركة وأجوائها المناسبة تكون هي من أقصت نفسها بنفسها، وهناك فرق جوهري حاسم بين إقصائها أو أن تقوم بإقصاء نفسها. فالإقصاء للإخوان المسلمين يمكن أن يكون أسوأ من حكمهم. والإقصاء يقدمهم بوصفهم ضحايا، خصوصًا أن كل مبررات عزل الرئيس الوجيهة لا تنفي أن شرعيّة إقصائه ستبقى محل شك إلى حين قيام تجربة ديمقراطيّة تعدديّة جديدة.
يُخْطِئ من يعتقد أن الإسلام السياسي قد خرج أو أُخرِج من المشهد السياسي المصري، مع أن ما حدث في 30 حزيران وبعده قد وجه ضربة قويّة جدًا لوجوده وستؤثر كثيرًا على مستقبله، والدليل تظاهر الملايين (وهناك تقديرات تصل إلى 20 مليون مصري) منذ أكثر من أسبوعين وحتى الآن؛ دفاعًا عن شرعيّة الرئيس المعزول، ما يعطي رسالة بالغة الدلالة بأنه لا يمكن انفراد اتجاه أو عدة اتجاهات بالحكم وإقصاء اتجاه أو عدة اتجاهات أخرى. فأهم درس ينبغي تعلمه من الثورة المصريّة أن الشعب المصري حيوي ومستمر بثورته ما دامت لم تحقق أهدافها، وأن ما حرك الشعب المصري في 25 يناير و30 يونيو يمكن أن يحركه في موعد آخر ضد رئيس آخر إذا لم تتحق أهداف الثورة.
بالرغم من عَظَمة الثورة المصريّة إلا أنها تفتقد إلى قيادة وتنظيم وهيئة أركان ورؤية متكاملة وبرنامج عمل واضح قابل للتنفيذ، وتعاني من عدم إعطاء مسألة الاستقلال الوطني والتعبيّة للخارج الأهميّة التي يستحقها؛ لذلك سُرِقت الثورة من الإخوان المسلمين عبر صفقة شاركوا فيها مع العسكر والأميركان، ويمكن أن تسرق الثورة مجددًا من قبل العسكر وبمشاركة بعض الليبراليين والفلول والأميركان، ولكن الشعب المصري سيكون لأعداء الثورة بالمرصاد.
فالشعب المصري لا يريد ثورة من أجل تأمين حريّة الكلام فقط، بينما يبقى الفقر والاستغلال الفساد وتدني مكانة مصر والعرب على حاله، فالشعب المصري يستحق حياة أفضل وأن يأخذ مكانه الذي يستحقه تحت الشمس.

التعليقات

تعليقك على الموضوع

تم ارسال التعليق