التعذيب في المسلسلات السورية… أمل عرفة ممنوعة من الظهور الإعلامي؟ قضية زياد عيتاني وعار العدالة اللبنانية

راشد عيسى - خاص بـ "شبكة المدونون العرب"

"

 إعلام النظام السوري منزعج قليلاً من الدراما التلفزيونية السورية، كما عرضت في رمضان الأخير. من بين أسبابه مشاهد تعذيب المساجين على يد رجال الشرطة الحكوميين، كما ظهرت في غير مسلسل. لكن لا مناظر الدم تسيل من وجوههم، ولا الشبْح، أو الضرب والحرق هو ما سبّب الأذى النفسي لإعلاميي النظام، كل ما هنالك أن نقاد الصحف الرسمية لا يستسيغون «رفض المتهم أو المجرم الانصياع أو الاعتراف رغم شراسة التعذيب وبقع الدماء». يقولون إن ذلك «يعزز فكرة «المجرم القبضاي»، الشهم «النخوجي» الذي يؤوي صديقه ويرفض الاعتراف به برغم خروجه على القانون»!
يعتبر هؤلاء أن تلك المشاهد «مقصود بها إدانة مؤسسات الدولة وإظهار عجزها»، و «دفع الجمهور للتعاطف مع المجرم والتسامح معه من ناحية أخرى، وهنا تكون السلطة في قفص الاتهام والمجرم هو المخلّص.. تتحول مؤسسات الدولة إلى مؤسسات تعذيب ويتحول القاتل إلى بطل يتضامن معه الكبير قبل الصغير من أصحاب الفرجة السطحية».
أمل عرفة الممنوعة
ممنوع إذن أن يظهر السجان السوري ضعيفاً حتى في المخيلة. ممنوع أن يرفع السجين رأسه بالرفض أو أن يتلكأ بالاعتراف حتى في سيناريو تلفزيوني.
إعلام النظام لا يقبل بأقل من صور «قيصر»، حيث بدا المعتقلون كما لو أنهم خارجون من محرقة، بعد تجويع وتعذيب وتشويه وتنكيل.
حتى لضرورات الدراما، أو لمقتضيات فنية أو أدبية، لن يسمح موالو النظام بقول «لا». قوانين الرقابة في سوريا الأسد قبل الحرب، على شدّتها، ليست كما بعد الحرب. لنر ما في جعبتهم من مفاجآت.
نفت صحف أن يكون قد صدر قرار رسمي سوري بمنع الفنانة أمل عرفة من الظهور في وسائل الإعلام بعد اعتذارها (الملتبس) عن الإساءة بحق الضحايا السوريين، إثر بث لوحة كوميدية من مسلسل «كونتاك» شاركت فيها عرفة، إلى جانب عدد من الفنانين السوريين، أثارت استياء وتعليقات.
النفي أشار إلى أن قرار إلغاء مقابلة أمل عرفة مع إذاعة «المدينة» المحلية السورية «جاء بناء على قرار إدارة الإذاعة وليس بقرار رسمي من وزارة الإعلام».
لكن الكل يعرف أن منع فنان من الظهور لا يحتاج إلى قرار معلن، وأن الإذاعات، حتى الخاصة منها، موجهة أمنياً، وحين تقرر إحداها منع صوت فإن الجميع سيحذو حذوها.
في سوريا الأسد، ستجد أن الناس تقضي في السجون بسبب أو من دونه أعماراً بحالها من دون قرار أو محاكمة أو وثيقة، فكيف إذا تعلّق الأمر بأمر عابر يخص فنان هو أساساً من عظام الرقبة.
لا أحد يتوقع أن تمضي أمل عرفة في اعتذارها، أو أن تتحول الممثلة والمغنية السورية إلى معارضة النظام. هي مجرد فركة أذن، ولن يطول بها الأمر حتى تثبت وفاءها على مختلف المنابر والشاشات.
العدل في لبنان
ثلاثة مشاهد مؤثرة يرويها زياد عيتاني (الممثل المسرحي اللبناني الذي لفّقت له تهمة التعامل مع إسرائيل) لجيزيل خوري فيبرنامج «المشهد» على «بي بي سي»: كيف هدّده المحقق بالمجيء بطفلته ذات الأحد عشر ربيعاً «كي يحتفلوا بعيد ميلادها على طريقتهم»، مع شتيمة كبيرة من العار أن تقترن بطفلة. ثم كيف كان زياد ملقى في زنزانة انفرادية فيما يسمع اسمه يتردد في نشرات الأخبار من دون أن يتمكن من رفع الصوت والدفاع عن نفسه. وصولاً إلى مشهد الدخول إلى سجن رومية ومواجهة عيون السجناء الكثيرة وهمساتهم بعد أن كانت حكاية عيتاني قد وصلتهم من الإعلام.
أضعف الإيمان أن يدان المتهم في قضية عيتاني، أن يحاكم من لديه قلة الضمير اللازمة لتلفيق اتهام بهذا الحجم وتدمير إنسان وعائلته، ولن نطمح بمحاكمة نظام أمني ظالم.ثلاثة مشاهد من شأنها أن تضع لبنان برمته في موضع الاتهام والإدانة، في وقت رست القضية على تبرئة المقدم سوزان الحاج، التي كانت وراء تلفيق الاتهام، والاكتفاء بإدانة مقرصن أجير.
النظام الأمني والقضائي مرعب في هذا البلد، جملة وتفصيلاً، وحال السجون كذلك، كما وصفها عيتاني، وكما نعرفها من تجارب ووثائقيات وأعمال تلفزيونية وسينمائية روائية مثل فيلم «كفرناحوم» الكابوسي لنادين لبكي.
أما وقد عصف القضاء اللبناني بـ «أضعف الإيمان» فقد حقّ القول: «والعدل في لبنان يبكي الجنّ لو سمعوا به..».
الصمت المبدع
العصيان المدني الشامل. هذا عنوان ما يجري في السودان الثائر اليوم. ما يعني أن خلوّ صور الشوارع، الساحات، والمتاريس، من البشر إثبات على أن العصيان يمضي كما رسم له المحتجون على النظام الذي يحاول الاستئثار بالحكم.
كاتب فلسطيني سوريبالأمس فقط كنا ننظر إلى شوارع السودان ونقيس ثورتها بحشود البشر الذين يملأون الفضاء بقبضاتهم، وموبايلاتهم المرفوعة، بهتافتاهم وأغانيهم.
هذا هو الفراغ المليء بالمعنى إذن. ثورة السودان الآن هي هذا الصمت، المبدع، الحزين، والمحتشد بأرواح الذين قضوا أخيراً تحوم في سماء البلاد.

"

التعليقات

تعليقك على الموضوع

تم ارسال التعليق