عين الكاميرا.. لا تدمع

شبكة المدونون العرب - نهى الصراف - لندن

هذا هو الموعد السنوي لمهرجان إراقة ماء وجه الفقراء!
يمكن أن نتعرف إلى وجوه الفقراء بسهولة؛ ملامح شاحبة، أجساد هزيلة وتلك النظرات المنكسرة في العيون.. نظرات نكاد لا نميزها عن نظرات سائح حالم يهيم بروحه بين جنبات طبيعة خلابة، فيدور ببصره الساكن وكأنه ينظر إلى شيء ما بعيد على مدّ البصر، بينما تتقلص زوايا عينيه بين لحظة وأخرى عندما تمرّ في خاطره ذكرى حزينة.
كلنا فقراء على أبواب أحلامنا المراقة على عدد سنوات عمرنا، قطرة فقطرة.
لكن الجوع موضوع آخر..هو الحقيقة الأكثر سطوعا في حياة بعض الناس الذين لم يتعرفوا يوما إلى مذاق الأحلام.. جوعهم وفقرهم حياة يومية ملموسة، واقع أشد خبثا من الكوابيس وجلاد مسلط على رقاب أيامهم يستلذ بتعذيبهم.
مع ذلك، فإن أرواحهم النقية تشبه جرحا مفتوحا على الدوام يمكن أن تثلمه نسمة هواء خفيفة، جرح لا يندمل لكنه يجيد الاختباء خلف ستارة يسدلها دائما على ملامحه متى ما لمحه غرباء.
يأتي أحمق، محاولا فتح الستارة من دون استئذان.. فيعرّض الجرح لعاصفة من النظرات بسلاح يشبه شبكة صيد ميتة، أجهزة تصوير تجيد تسجيل جرح الفقير، انحناءة ظهره وانكسار نظراته، في اللحظة ذاتها التي يتوجب عليه فيها أن يتلقى صدقة تقيم أوده وتؤجل من زمن جوعه، شرط أن يتم هذا الفعل الجبان على رؤوس الإشهاد. تفعل هذا الأمر بحرفية، عيون كاميرا محاطة بمعدن بارد لم تتعرف بعد إلى تقنية ذرف الدموع.. فالكاميرا منزوعة المشاعر تماما مثل أصحابها.
فقراء تطفو أكواخهم على مناجم من ذهب.. هم إدانة حقيقية لمجتمع متخاذل ومستسلم، متخم باللصوص والمنتفعين، أصحاب الأقنعة المتعددة التي يبدلونها مع تبديل المواقف والأماكن والمناسبات.
مهرجانات رمضان لإذلال الفقراء، صارت فواصل بين عروض أخرى لا تقل تهريجا؛ مسلسلات الدراما الرديئة التي يصرّ أصحابها على إزعاجنا وتكدير أمزجتنا بتكرار سيناريوهاتها المملة. لا يدرك هؤلاء وأولئك أن مكوث أرواحنا على نارهم الفاترة مدة طويلة من الزمن، قد أنضجها وزرع الملح في شقوقها فلم تعد تنطلي علينا حيلهم القديمة لتسويق أنفسهم واستعراض عضلاتهم الإنسانية.
كنت أتساءل دائما: ما الذي يفعله الفقير عندما ينتهي شهر رمضان ويقفل مهرجان الإحسان أبوابه ثم تسدل الستارة على عروض المهرجين السمجة؟ هل يستأصل معدته؟ هل يبتلع دواء مسكنا لآلام الجوع تطيل زمن صبره أحد عشر شهرا أخرى، أم يقلب لوحة التقويم السنوي رأسا على عقب حتى تتساقط الأيام مسرعة مثل جيش من النمل المذعور؟
في روايته (الفقراء)، يقول دوستويفسكي على لسان بطله: إن الفقير لمرتاب وظَنون.. إنه يلاحظ من خلال مؤق العين كل عابر.. يصيخ السمع لكل كلمة، معتقدا أن الناس تتحدث عنه دائما وتنتقد مظهره الخارجي الوضيع.. يعلم الجميع بأن الفقير لا يتمتع بأي اعتبار.. مهما كتب عنه هؤلاء الثرثارون المتحذلقون، فإن وضعيته لن تتغير، لأنه يتعين عليه، بحسب هؤلاء، أن يوضع مكشوفا لضوء النهار، لأنه من المحظور عليه أن يتمتع بكرامته الشخصية. خذي مثلا ما قاله إيميليان يومها، فقد صرح لي بأن اكتتابا أقيم لفائدته من طرف جهة ما، أعلنت بأن من حق المتبرعين أن يشرعوا في تحقيق يشبه أن يكون رسميا، يجلو لهم شخصه ويكشف لهم عن حياته.
لقد ظنوا أنهم يهدون إليه دريهماتهم.. كذب هذا! الحق، أنهم دفعوا ثمن رؤية رجل فقير!

التعليقات

تعليقك على الموضوع

تم ارسال التعليق