فهم طبيعة الكذب ومدى فطريته يجعلان أولياء الأمور والمعلمين قادرين على مواجهته من البداية وعدم تحويله لخداع ونصب وإساءة في المستقبل.

الكذب في سن مبكرة دليل على امتلاك الطفل مهارات إبداعية

  • منوعات
  • 0 تعليق
  • الأحد, 12 مايو, 2019, 00:03

شبكة المدونون العرب - محمود زكي - القاهرة

نسمع عن برامج كشف الكذب، لكن صدور إعلان حول برامج تعالج الكذب لدى الأطفال أثار الانتباه، لأنه يمكّن من معالجة مشكلة مزمنة لدى كثير من الأسر تحتار في كيفية تربية صغارها على أسس التربية السليمة التي تقوم على الصدق.
وقدمت المعلمة لبنى عزيز مشروعا مدرسيا مبتكرا في مصر لمجابهة الكذب عبر وسيلة غير مألوفة نجحت من خلالها في أن تحول حلمها في محاربة الكذب إلى مؤسسة صغيرة تقدم برامج تقي الطفل من السقوط في هذا الفخ. ويبدأ الأطفال في سن الثانية والثالثة التعود على ترديد أنواع مختلفة من الكذب، بهدف التغطية على أخطاء ارتكبوها، ويفشلون في حبكة القصص المطلوبة لذلك، ويتعامل غالبية أولياء الأمور مع المسألة بصورة غير جدية.
في سن الرابعة تصبح سلسلة الأكاذيب أكثر معقولية، أما في السابعة من العمر فيردد الأطفال كذبا من المستوى الثالث ويظهرون انسجامًا كبيرا مع الحقائق. ويطوِّر الأطفال مهارة الكذب عند بلوغ الثامنة، ويكتسبون مهارة ذهنية تساعدهم على الاحتفاظ بالمعلومات بشكل مؤقت، وإذا أراد الطفل أن يكذب بإتقان عليه أن يحتفظ بمجموعة من المعلومات لتمرير كذبته بنجاح.
أوضحت لبنى عزيز أن فهم طبيعة الكذب ومدى فطريته يجعلان أولياء الأمور وبعض المعلمين قادرين على مواجهة الكذب من البداية وعدم تحويله لخداع ونصب وإساءة في المستقبل.
ويعتبر الكذب بذرة الشر الأولى التي تنشأ لدى الإنسان وتظهر الجانب السيء لشخصيته، وصراعات الخير والشر داخله. من هنا بنت “عزيز″ فكرتها، قائلة “محاصرة أوجه الكذب البدائية لدى الطفل مسؤولية يشترك فيها المجتمع والأسرة والمدرسة”.
وتقوم برامج علاج الكذب التي تطرحها المعلمة صاحبة الخبرة في مجال التربية والتعليم، على ثلاثة أنماط، الأول موجه للطفل مباشرة، بداية من عمر الثالثة وحتى الـ11 وتتكون من تدريبات نظرية وعلمية واختبارات تقيس درجة المراوغة والهروب لدى الطفل.
ويهم النمط الثاني، الأسرة حيث يقع على عاتقها عبء كبير في فكرة ميل الطفل نحو الكذب، فهو يقوم بذلك ليهرب أحيانا أو يتجنب العقاب أو يخشى من البطش، بالتالي يحتاج الأب والأم إلى تعلم سبل التربية السليمة، وبعض الممارسات الصحية للتعامل مع الطفل.
ويتركز النمط الثالث على المعلم في المدرسة، وعليه الإلمام بسبل التعامل مع الكذب لدى الصغار، كي لا يصل إلى حد مرضي، يحمل معه تأثيرات سلبية كبيرة على أفراد الأسرة. ويرتبط ظهور الكذب بكثافة لدى الأطفال بعوامل أسرية معقدة، أبرزها التفرقة في المعاملة بين الأبناء، وخوف الطفل من العقاب بسبب القسوة الزائدة، ما يجعله يلجأ إلى الكذب لتجنب العقاب.
وأكدت عزيز أن الضغوط الناجمة عن الأزمات الأسرية الكبرى، مثل انفصال الأب والأم، تجعل الطفل يرى تلقائيا في الإدعاء ملاذا له للخروج من هذا الضغط، في محاولة للاستحواذ على بعض الأشياء أو الإحساس بالنقص جراء عدم مرور مراحل نضجه في الإطار الطبيعي.
وأشارت إلى أن هناك عوامل مرتبطة بالتربية تختلف من أسرة لأخرى، وتؤثر في درجة الكذب لدى الصغير، منها أن يكون الأبوان قدوة سيئة ويسارعان إلى الكذب أمام أطفالهما. وتقدم مؤسسة لبنى عزيز ثلاثة برامج تعليمية في شكل دوارات مكثفة للأطفال وأولياء الأمور والمدرسين. وتعتمد على مبادئ عملية. وتقدم شرحا وافيا لكيفية التعامل مع مواقف الثواب والعقاب عند التعامل مع كذب الأطفال.
ويجب على الأم أو المعلمة، في حال كذب الطفل أمام الآخرين، أن تنتظر حتى تنفرد به وتشرح له سوء هذه العادة دون غضب أو تأنيب أو عقاب في المرة الأولى، فالموقف يحتاج تعاملا واقعيا لمنع ترسيخ اللجوء إلى الكذب.
وتحوي برامج علاج الكذب نصائح مهمة، مثل ضرورة عمل شبكة تواصل بين البيت والمدرسة لمحاصرة هذه الظاهرة لدى الطفل، عبر الاتفاق مع المدرسين على تنفيذ سلوك واحد في التعامل مع الصغير عند الكذب. وانزعجت أميمة أحمد، وهي أم حضرت دورات معالجة الكذب منذ شهر، من رؤية ابنها يكذب بشكل تلقائي رغم عدم تجاوز سنه السبعة أعوام، ومع إغفال المسألة لفترة من الوقت بدأت الأكاذيب تزداد سوءا، ووصلت إلى حد الإدعاء بموت والده وأنه طفل يتيم.
وأضافت  أنه عندما “استشرنا الطبيب النفسي أكد أن الأمر يرتبط بمشكلاتنا الزوجية، ونصحنا بمواجهة حالة الكذب عند ابننا من خلال استخدام وسائل تربوية صحيحة لتقويم سلوكه ومنعه من اللجوء إلى الكذب من أجل الهروب، من بينها إشعاره بالأمان، وإشباع خياله بهوايات مثل الرسم والموسيقى وقراءة القصص المسلية”.
وكشفت دراسة حديثة صدرت عن كلية علم النفس بجامعة تورنتو في كندا، أن الكذب عند الأطفال دليل على الذكاء، فهو عندما يكذب تتطور بعض المهارات الذهنية لديه، ويتمتع بقدر من السيطرة على النفس يجعله يتحكم في حديثه وتعبيرات وجهه ولغة جسده، لتنجح خدعته.
وأوضحت الدراسة أن شروع الطفل مبكرا في الكذب لا يستدعي غضب وقلق الآباء، بقدر ما يعطي مؤشرًا إيجابيًّا على التطور الذهني والإبداع لإيجاد حلول للمشكلات في حدود عالمه.
من جانبها شددت عزيز على أن برامج معالجة الكذب تهدف إلى عدم تحويل الكذب إلى قارب يقفز إليه الطفل كلما واجه مشكلة في حياته، وهو ما يجعله يعتاد على هذا النمط فتنشأ مشكلات أكبر. ويعتقد البعض أن الكذب مرتبط بالأذكياء ويظهر في الصغر ويتطور مع سن الرشد، ويصبح لدى البعض بمثابة أكسير حياة ووسيلة مرور من الأزمات والهفوات.
وينصح خبراء التربية بضرورة إدراك أن زيادة معرفة الأسرة بأن الأطفال لا يولدون وفي داخلهم بوصلة أخلاقية، وهم يتعلمون عن طريق الاستكشاف والحصول على ردود أفعال من البيئة المحيطة بهم. ويجدون، وهم في سن صغيرة، حافزهم في تطبيق مبدأ المتعة الذي يدفعهم إلى الحصول على المزيد مما يحبونه وتقليل ما يلفظونه.
ويعد تطبيق سبل التربية السليمة، من ثواب وعقاب، ضمانة للحفاظ على خيال الطفل الخصب المليء بالجموح والاستكشافات، الأمر الذي يضمن عدم الانزلاق خلف أكاذيب الطفل بصورة تفسد تكوين شخصيته وتؤثر على تماسك الأسرة.

التعليقات

تعليقك على الموضوع

تم ارسال التعليق