عمليات التجميل، العبودية الحديثة

شبكة المدونون العرب - سناء أبو شرار - الأردن

الحرية تبدأ في العقل ثم تأخذ شكلها في السلوك.
لا يمكن أن تبدأ الحرية من الجسد ثم تأخذ طريقها للعقل.
فجميع القوانين التي تنادي بالحريات بدأت في عقول المشرعين والمفكرين، وجميع الحريات التي ينادي بها الأقلية أو الأغلبية تبدأ أيضاً من العقول لا من الأجساد. ولكن هناك حرية واحدة تبدأ من الجسد ثم تأخذ طريقها الوعر نحو العقل. إنها حرية إجراء عمليات التجميل، لا يشمل ذلك عمليات التجميل لدواعي طبية وعلاجية؛ ولكن العمليات التي تجعل المرأة أجمل أنحف أقصر أو أطول.
إنها حرية إجراء عمليات التجميل، فلا أحد يستطيع أن يقول للمرأة لا تقومي بإجراء هذه العملية، ولا يوجد أي قانون يمنع أي امرأة من إجراء أي عملية تجميلية إلا في إطار الخطورة على الجنين إن كانت حامل، عدا ذلك فلها مطلق الحرية بالتصرف بجسدها كما تشاء.
ولكن حين نقرأ عن عدد الوفيات وعدد التشوهات التي تحصل بسبب عمليات التجميل ندرك بأنه ليس قرار عقلاني بل جسدي محض، قرار لإرضاء الصورة الخارجية للجسد، وهي صورة تتغير مع مرور الزمن، وتبدو المرأة بها مثل من يصعد إلى سلم كهربائي سريع النزول.
فماذا تريد المرأة من عمليات التجميل؟
أن تبدو أصغر سناً، أن تكون أجمل، أن تكون أكثر امتلاءاً أو أكثر نحافة، قائمة طويلة من الأسباب التي تدفع المرأة لإجراء عمليات التجميل ولكن الهدف الأساسي هو إرضاء الرجل، حتى لو قالت بأنها تقوم بهذه العمليات كي تشعر بحالة نفسية أفضل بغض النظر عن رأي الرجل، فهو قول غير صادق بشكل كامل.
هذه المحاولة المستميتة وهذه المجازفة بالصحة وبالحياة كلها لأجل إرضاء الرجل وهي محاولات تقترب بالمرأة إلى نوع حديث من العبودية تجاه الرجل، وهي عبودية اختياريه وليست إجبارية فقليل جداً من الرجال من يجبروا نسائهن على إجراء عمليات التجميل، بل المرأة هي التي تنتقد نفسها بأغلب الحالات ولا تشعر بالرضى عن مظهرها الخارجي.
إنها عبودية حديثة، لأنها تجرد المرأة من قبولها لذاتها، وتجردها من التفكير الناضج والواعي بأن من لا يرغب بها كما هي فلا حاجة له في حياتها، وأن من أشد أنواع الحياة صعوبة هي الحياة من مع نحاول إرضاءه بكل الوسائل. والعمليات التجميلية هي محاولات مستميتة لإرضاء الرجل بكل الوسائل.
وما لا تدركه المرأة وبكل أسف بهذه الحالة، بأن الرجل يضجر بل وينفر ممن تحاول إرضاءه حتى عن طريق المجازفة بصحتها بل بحياتها كلها، فهي لا تدرك بأنه لن يتخلى عن فكره الزواج بأخرى، ولن يتخلى عن حريته الشخصية، ولن يتخل عن تسليته مع أصدقائه، ولن يتخلى عن حب آخر في حياته، فقط لأنها قامت بإجراء عملية تجميلية جعلتها تبدو عشر سنوات أصغر، أو عملية تجميلية تجعلها تشبه تلك التي يهتم بها زوجها.
تم إصدار المئات من القوانين لتحرير المرأة ومنحها الحقوق والامتيازات في كل دول العالم، ولا تزال المرأة تطالب بالمزيد؛ ولكنها تتغاضى وتصمت حيال الضحايا من النساء بسبب علميات التجميل؛ تتغاضى عنها ذلك لأن سببها ليس الرجل وإن كان الهدف هو إرضاءه؛ السبب بها هي تلك العبودية الحديثة الخفية والتي لا تعترف بها المرأة؛ فهي قوية ومستقلة، لها كيان مادي واجتماعي، ولكنها تتسلل خفيةً إلى عيادة طبيب التجميل لإجراء عمليات الشفط والحقن وتغيير الملامح وأو تكبير أو تصغير بعض أو كل أعضاء الجسد.
الحرية تبدأ من العقل، وأرقى أنواع الحرية هي قبول الانسان لذاته ولصورته كما هي، وقبوله لتقدمه بالسن بتعقل وحكمه، وإدراكه بأن هذا الجسد وسيلة للحياة بكرامة عبر المحافظة على الصحة، وأن الأهم من كوننا الأجمل هو أن نكون الأفضل. وأن رغبات الرجل لا يجب أن تكون أهم أنفاس الحياة في جسد المرأة، وأن إرضاءه ليس الهدف الأول للمرأة، فهناك عشرات الأشياء أهم، والأهم من هذا كله هو أن الرجل لن يزيد حبه أو ينقص بعلميات التجميل بل بمدى استقلالية المرأة النفسية والمعنوية عنه. وحين تتمدد أهمية الجسد على حساب العقل وما خُلق له فلابد أن تدرك المرأة بأنها سوف تبقى في دوامة الجسد وتحسينه وتجميله، وفي نهاية المطاف حتى عمليات التجميل لن تحقق لها السعادة المنشودة؛ ما يحقق السعادة الحقيقة والدائمة في الحياة هو عقل ناضج واعي مستنير مدرك سبب وجوده بهذه الحياة ولا يلهث لإرضاء أي انسان.




التعليقات

تعليقك على الموضوع

تم ارسال التعليق