يـــومـيــات عــائــلــة أســير.... أُكســجّــيـن الــحّــيــاة

نسيم شاهين

نسيم شاهين

نسيم شاهين - خاص بـ "شبكة المدونون العرب"

"

هيئة نفسي لجولة عمل في منطقة أريحا والأغوار، لزيارة بعض المشاريع الانتاجية، للتعرف على أهميتها وديمومتها، ودراسة مدى إمكانية أن نعمل في مجال مشابه، لأننا نسعى إلى توفير فرص عمل للخريجين/ت من أبناءنا، إنطلاقاً من اهتمامنا في البحث عن أفكار ريادية نتمكن من خلالها توفير فرص عمل، تساهم في تقليل نسب ومعدلات الفقر والبطالة في مجتمعنا في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، وبشكل خاص للأسر الفقيرة والأكثر تضرراً، لتحسين ظروفها المعيشية.  
على مشارف إحدى تلك المشاريع ببضع كيلومترات، بدأت أشتم رائحة كريهة للغاية، وسألت الزملاء برفقتي: ما هذه الرائحة؟، فأجابني أحدهم ضاحكاً، إلى (السوق الحرة) لشراء بعض عطور الماركات العالمية، ضحكنا جميعا ودار بيننا حواراً فكاهياً.  وصلنا إلى المزرعة، وبدأ صاحبها بجولة لنا داخلها، وخلالها أُصّبت بصداع ودوارٍ شديد، وبدأت أشعر بأوجاع بمعدتي ورغبة شديدة بالتقيؤ، وبعد الانتهاء، قُدمت لنا الضيافة، لكن من هول ما رأت عيناي وما أصابني اعتذرت لهم ولم أتذوق شيئاً، غادرنا المكان، وفي طريقي عودتي إلى البيت بدأت باشتمام رائحة ملابسي، وبلحظة وصولي وضعت ملابسي في حوض الغسيل، وتطيبت بأطيب ما توفر من شامبوهات وعطور.
وذات يوم في نهايات شهر شباط من هذا العام، وانا عائدة من عملي، وبالقرب من ميدان الشهيد ياسر عرفات في رام الله، بدأت ابواق السيارات تتعالى، اقتربت مثل غيري من الماره، لأعرف سبب ذلك، وكانت كلها بمناسبة نيل أسيرين الحرية، بعد أن أمضيا 16 عاماً في سجون الإحتلال، غمرتني الفرحة والحزن في آن واحد، فرحاً بنيل أسيرين من أسرانا حريتهم بعد تلك السنوات الطويلة، وحزناً لأنني ما زلت أنتظر مثل هذه اللحظة لأحتضن أخي الحبيب حسام حراً طليقا وقد مضى على اعتقاله أيضاً 16 عاماً من محكومية أصلها 27 عاماً.  إقتربتُ من إحدى المركبات، وسألت من بها؟ من هم الأسيرين؟ فأجابا: إنهم إسماعيل البرغوثي ومحمد البرغوثي "ابا عميد"، اقتربت المركبات التي تحمل الأسيرين، وبدأت بتلويح يدي مرحبتاً بهم أحراراً كباقي الماره، لكن لفت إنتباهي أمراً غريباً، لقد كانا يستنشقان الهواء بشكل غريب، فقلت بداخلي: يا إلهي، هل كل هذا عطشاً وشوقاً لإستنشاق الحرية؟ وبكل صدق كنت أراهما في كل لحظة شهيق يستجمعا كل الأوكسجين من الجو ويعبئان بهما رئتيهما، بقيت تلك اللحظات في مخيلتي، إلى حين زرتهما مهنئة كلاهما بالحرية، ووجهت سؤالي لهما عن سبب ذلك، وضحك كلاهما، فكانت الإجابة:
أجابني إسماعيل ضاحكاً: ملاحظتك في مكانها الصحيح، وبدوره "أبا عميد" معقباً: لأننا لم نشتم هواءً نقياً كهذا من قبل. فوجهت سؤالاً آخر، لكن معرفتي أنكما كنتما في سجن النقب الصحراوي، والظروف في بعض الاقسام وبشكل خاص الخيم مختلفة، ألم تمكنكما من ذلك؟ ضحك إسماعيل مرة أخرى، وبدأ بشرح الأمر: نعم نحن كنا في سجن النقب الصحراوي، لكن ما اتبع من سياسات، عكست أثراً سلبياً على أوضاعنا الصحية هناك، حيث تم إنشاء العديد من مزارع تربية الأبقار في كامل محيط معتقل النقب الصحراوي، وهذا ما أدى إلى حرماننا من استنشاق الهواء النقي طوال سنين اعتقالنا، ولحظة نيلنا الحرية، كنا كالطفل حديث الولادة، عندما يستنشق الاوكسجين لأول مره يبدأ بالصراخ، ونحن بلحظة نيلنا الحرية ولدنا للحياة من جديد.  وبتلك الاجابة خجلت من نفسي، كوني خلال جولتي، لم أتمكن من تحمل نصف ساعة من تلك الظروف الصعبة، أمام قساوة ما عاشا خلال سنوات الاعتقال.
قرائي الأعزاء، وبشكل خاص العاملين في القطاع الصحي والبيئي؛ المدركين لمخاطر هذه الظروف العصيبة، هل لكم أن تتخيلوا مدى معاناة أسرانا، وحرمانهم من أبسط مقومات الحياة، ألا وهو استنشاق هواءً نقياً، ليحافظ على رئة خالية من الأمراض، فما بالكم بأعداد أسرانا القابعين في سجن النقب الصحراوي أو في الزنازين المغلقة، وحرمانهم من أكسجين الحياة سنوات طويلة، لذا؛ تذكروا جميعاً عندما تقفون أمام مرآتكم، وتتعطرون بأطيب العطور، أن أسرانا لا يتمنون منا عطوراً من ماركات عالمية، أو نحشد الحشود لتحريريهم، بل موقفاً إنسانياً مسانداً لاحتياجاتهم الانسانية؛ لتمكينهم من استنشاق هواءاً نقياً يغذي روح الحياة.

"

التعليقات

تعليقك على الموضوع

تم ارسال التعليق