صناعة الزيف.. خطر يداهم الرؤساء والدول والمشاهير "الديب فيك" سلاح جديد يجعل المتلقي يصدّق كل ما ينشر، وحروب السياسة والمصالح تدخل مرحلة ما بعد الحقيقة.

شبكة المدونون العرب -

تعتبر فنون التضليل والمغالطة من أقدم الفنون والمهارات التي اكتسبها الإنسان منذ بداية صراعه مع الطبيعة، إما للتحايل بقصد المحافظة على البقاء وإما لتحقيق منافع على حساب أطراف أخرى بنشر أفكار أو خطابات مغشوشة. مع التطور التكنولوجي الذي اجتاح العالم في القرون الأخيرة، وحققت هذه الفنون مآربها بتقنيات جديدة يغلب عليها طابع الحيلة والتضليل، وقد وصل استخدامها عبر تطبيقات انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي إلى إثارة نعرات وخصومات سياسية قد تؤدي حتى إلى الحروب، آخر هذه الابتكارات المثيرة للجدل تكمن حتما في مقاطع الفيديو المعروفة باسم “الديب فيك” التي تثير قلق الدول والرؤساء ومعظم المشاهير في العالم.

 فتح التطور التكنولوجي الذي غزا العالم الحديث، الباب على مصراعيه أمام انتشار منصات إعلامية على مواقع التواصل الاجتماعي تبث مئات الأخبار بشتى الأشكال وفي كل المجالات المهمة تقريبا لدى القارئ والمتلقي، وخاصة لدى المولعين بالتطبيقات الذكية الحديثة.
لكن هذا التطور التكنولوجي وعلى أهميته الكامنة أساسا في سرعة نشر الأخبار في شكل مقالات أو صور أو فيديوهات أو تسجيلات صوتية، انساق في السنوات الأخيرة إلى ابتكار تطبيقات متقدّمة مهمتها الوحيدة صناعة وإنتاج الزيف والتضليل خدمة لأجندات سياسية موجّهة يتم استغلالها إما خلال فترة الحملات الانتخابية أو لتدمير دول، بذريعة “فيديوهات” عادة ما تكون مفبركة لكن حيلتها تنطلي في نهاية المطاف على المتلقي.
آخر هذه التطبيقات المثيرة للجدل، تكمن حتما في “الديب فيك” التي بات يحذّر منها  الخبراء لما تكتسيه من طابع تضليلي يكون في أغلب الحالات قادرا على التلاعب بالانتخابات أو مستقبل التوازنات السياسية العالمية.
هذه التقنية تسمح بإنشاء مقاطع فيديو معدلة رقميا لقادة العالم، بما في ذلك مثلا الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أو الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما وغيرهم.
وتم استخدام هذه التكنولوجيا في مختبرات الأبحاث لعدة سنوات حتى الآن، ولكن تم انتشارها بين العديد من الأفراد خلال برنامج يسمى “فيك آب” (FakeApp)، وهو تطبيق سهل الاستخدام يمكن تنزيله مباشرة إلى أجهزة الكمبيوتر.  وتثير هذه التقنية استهجانا لدى الوجوه السياسية العالمية والمشاهير لما تمثله من مخاطر على مستقبلهم لمعرفتهم أن المتلقي قابل لتصديق أفلام أو صور مزيفة.
هذا الغول التكنولوجي المخيف حتّم على الأجهزة الحكومية التعمق في إعداد أسلحة مضادة تتمثل في إنشاء مؤسسات تكون وظيفتها منحصرة في التأكد مما ينشر قبل الشروع في اتخاذ موقف منه.
وتحمل هذه التكنولوجيا وفق تقرير نشره موقع “فورين أفار” الأميركي في طياتها خطرا كبيرا. فبمجرّد تخيّل شريط فيديو يصور رئيس الوزراء الإسرائيلي في محادثة خاصة مع زميل له، يكشف فيها عن خطة لتنفيذ سلسلة من الاغتيالات السياسية في طهران، أو مقطعا صوتيا لمسؤولين إيرانيين يخططون لعملية سرية لقتل زعماء السنة في محافظة معينة من العراق. في عالم مليء بالعنف، ستمثل حتما هذه التسجيلات تحريضا كبيرا على استقرار الأمن العالمي.
ومن مخاطر “الديب فيك” أنه متاح لأي شخص لديه جهاز كمبيوتر موصول بالإنترنت، فهو يمكن من تزييف تسجيلات ومقاطع فيديو بطريقة مقنعة إلى درجة أنه من المستحيل التمييز بين ما هو حقيقي وما هو مفبرك.
وبمثل هذه البرامج “أصبح التلاعب الرقمي أسهل من أي وقت مضى، إذ يمكن تصوير شخص يقول أو يفعل شيئا لم يقله أو لم يفعله أبدا.
مخاطر على قارعة الإنترنت
تملك برمجة “الديب فيك” القدرة على التكاثر على نطاق واسع، وقد ظهرت بالفعل خدمات تجارية توظفها في السوق الحرة، ومن المرجح أن تظهر إصدارات أخطر في السوق السوداء. فانتشار هذه الخدمات سيقلل من الحواجز التي تحول دون الاختراق. ثم إن القدرة على التزوير الاحترافي ستصبح في متناول أي شخص قادر على التعامل مع التكنولوجيا الخبيثة.
كما يمكن عبر هذه البرمجيات تسجيل مقاطع فيديو بالصوت والصورة لشخصيات سياسية يتم حشرها في خطابات وتصريحات أو سلوكات لم تقم بها على أرض الواقع.
وسبق لإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب مثلا أن أطلقت صيحة فزع محذرة من “الديب فيك” بعدما نشر البعض عددا من المقاطع باستخدام وجه الرئيس ترامب. وعلى الرغم من أن التسجيلات يتضح منها أنها للسخرية، فإنه من السهل تخيل تأثيرها إذا استخدمت لأغراض الدعاية.
كما استخدم البعض تقنية البرنامج لإدراج وجوه الأشخاص في المواد الإباحية دون موافقتهم أو معرفتهم، وأدى تنامي سهولة إنشاء محتوى فيديو مزيف إلى توفير فرص أخرى للابتزاز. وهو ما ينذر بأنها ستكون أكثر التطبيقات المرعبة في مجالات السياسة والشؤون الدولية. إذ يمكن استخدام تسجيلات مزيفة لإنشاء أكاذيب فعالة قادرة على التحريض على العنف، أو تشويه سمعة القادة والمؤسسات، أو حتى توجيه الانتخابات.
وعلى عكس أواخر القرن العشرين -وفق مجلة “فورين أفار”- حيث كانت فيها وسائل الإعلام التقليدية قادرة على إدارة تدفق المعلومات، فإن حصول الناس على معلوماتهم اليوم من منصات وسائل التواصل الاجتماعية، تنتشر الأكاذيب أسرع من أي وقت مضى.
وتجعل البرمجيات الحديثة من وسائل التواصل الاجتماعية أرضا خصبة لزرع الأخبار الزائفة، التي تؤثر على السياسة، حيث أظهرت محاولة روسيا للتأثير على الانتخابات الرئاسية الأميركية سنة 2016، والتي تمثلت في نشر رسائل تؤدي إلى الانقسام على فيسبوك وتويتر، مدى سهولة إدراج المعلومات المضللة في مجرى وسائل التواصل الاجتماعية.
عصر التزييف
يعتقد البعض من مستخدمي برمجيات التضليل أن استعمالها يقتصر على بث نوع من السخرية محدودة التداعيات، إلا أن ذلك قادر على التأثير حتى على التوازنات السياسية، فعلى سبيل المثال عندما انفجرت السفينة “يو.أس.أس مين” في ميناء هافانا في 1898، استخدمت بعض الصحف الأميركية روايات مضللة عن الحادث لتحريض الجمهور على الحرب مع إسبانيا. وفي الآونة الأخيرة، سهّلت تقنيات مثل فوتوشوب تزييف الصور، وسهّلت تطبيقات أخرى التلاعب بالمحتوى الصوتي والفيديو بطريقة كانت تقتصر على استوديوهات هوليوود أو وكالات الاستخبارات الأكثر تمويلا.
ولذلك سيكون المستخدمون مفيدين أيضا للجماعات المتمردة والمنظمات الإرهابية، التي تفتقر إلى الموارد اللازمة لصنع ونشر محتوى صوتي أو فيديو يمكن تصديقه. وستكون هذه المجموعات قادرة على تصوير خصومها، بمن فيهم المسؤولون الحكوميون، وهم ينشرون كلمات تحريضية أو ينخرطون في أعمال استفزازية، للتأثير على الجماهير المستهدفة.
كما سيزيد المستخدمون من حدة الحروب التضليلية التي تعطل، السياسات المحلية في الولايات المتحدة وأماكن أخرى من العالم. ففي عام 2016، كانت عمليات التضليل التي رعتها روسيا ناجحة في تعميق الانشقاقات الاجتماعية القائمة في الولايات المتحدة. فالحسابات الروسية المزيفة على وسائل التواصل الاجتماعي التي تدعي أنها تابعة لحركة بلاك لايفز ماتر نشرت محتوى مصمما لإثارة التوترات العرقية.
ويشير “فورين أفار” أيضا إلى أن روسيا حاولت أيضا عشية الانتخابات الفرنسية في 2017، التسلل لتقويض الحملة الرئاسية لإيمانويل ماكرون من خلال الإفراج عن وثائق مسروقة، تم تزييف الكثير منها. وقد أخفق هذا الجهد لعدة أسباب، منها الطبيعة المملة للوثائق، وقانون الإعلام الفرنسي الذي يحظر تغطية الانتخابات في الـ 44 ساعة التي تسبق التصويت.
ومن المخاطر التي تمثلها هذه البرمجيات المعتمدة على الزيف تكمن في تآكل الديمقراطية بطرق أخرى. إذ لا يقتصر استخدام التكنولوجيا على زيادة الانقسامات الاجتماعية والأيديولوجية، بل سيسهل على بعض الأشخاص التشكيك في الأدلة ضدهم، ولو كانت هذه الأدلة صحيحة.
للخروج من الأزمات التي قد تسببها هذه التقنيات الجديدة، يتطلب ذلك اهتماما كبيرا، لا بد أن يكون متبوعا بالكشف عن التزوير. ولا يكون ذلك وفق الخبراء إلا عبر وضع الباحثين لقدر كبير من الوقت لكشف زيف الوثائق مثلا.
وفي إطار تنفيذ هذه الخطوة، أعلن على سبيل المثال علماء الكمبيوتر في جامعة دارتماوث في يونيو 2018 عن إنشاء برنامج يكشف عن التزييف من خلال البحث عن أنماط غير طبيعية لحركة الجفون خلال الفيديو. لكن في سباق التسلح، فإن مثل هذه التطورات لا تخدم سوى الموجة المقبلة من الابتكار. حيث سيبقي المستقبل تغذية الشبكات بأشرطة فيديو للتدريب تتضمن أمثلة لوميض العينين الطبيعي. وتبقى المشكلة تكمن في سرعة التدفيق، فبحلول الوقت الذي يرن فيه جرس الإنذار، قد يكون الضرر قد تم بالفعل.
لكن ورغم حدة خطورة هذه البرمجيات التي تتجنّد العديد من الهياكل الدولية للحد من تفاقمها بوسائل قانونية أو تقنية منها مثلا العلاج التكنولوجي الثاني المتمثل في توثيق المحتوى قبل نشره، فانه لا يوجد اليوم باجماع الخبراء أي سلاح مثالي للتصدي للأخبار الزائفة التي تستخدم بدورها العديد من الحيل القانونية والتكنولوجية المضادة ما يصعّب التغلب على المشكلة تماما.

التعليقات

تعليقك على الموضوع

تم ارسال التعليق