النادي والصالون في الجذور(2)

شبكة المدونون العرب - الدكتور محمد فتحي راشد الحريري - الإمارات العربية المتحدة

نتابع حلقة الأسبوع الفائت

إذن فأقدم الصالونات الثقافية كان شعريا في صدر الإسلام ، بل أتجرّأ وأقول كانت ظاهــــــــــــــــرة الصالونات قد بدأت عند العرب قبل الإســلام، في ســـوق عكاظ ، الذي كانوا يتعاكظون فيه ، قال صاحب اللسان :
وعُكـــاظ : سُوق للعرب كانوا يتَعاكَظُون فيها؛ قال الليث: سميت عكاظاً لأَن العرب كانت تجتمع فيها فيَعْكِظ بعضُهم بعضاً بالمُفاخَرة أَي يَدْعَكُ، وقد ورد ذكرهــــــا في الحديث ؛ قال الأَزهري : هي اسم سُـوق من أَسْـواق العـرب ومَوْسـمٌ من مَواسِــــم الجاهليّــة، وكانت قبائل العرب تجتمع بها كل سنة ويتفاخرون بهــا ويَحْضُرهـــــــا الشعراء فيتناشدون ما أَحدثوا من الشعر، ثم يَتفرّقون ، قال : وهي بقرب مكة كان العرب يجتمعــون بها كل سنة فيُقيمون شهراً يَتبايَعُـــون ويتفاخرون ويتناشدون ، فلما جاء الإِسلام هدَمَ ذلك ؛ ومنه يَوْما عُكاظ لأَنه كانت بها وقعـة بعد وقعـة ؛ قـال دُرَيْد بن الصِّمّة:
 تَغَيَّبْتُ عن يَوْمَيْ عُكاظ كِلَيْهِما،***  وإِن يَــكُ يـــــــومٌ ثالِـــثٌ أَتَغَيَّــبُ
قال اللحياني: أَهل الحجاز يُجرونها وتَمِيم لا تجريها؛ قال أَبو ذؤيب:
إِذا بُنيَ القِبابُ على عُكاظٍ، *** وقامَ البيْعُ واجْتَمعَ الأُلوفُ
أَراد بعكاظ فوضَع على موضع الباء.
أما أقدم الصالونات الأدبية في العصر الحاضــر فهو ما أقامته السيدتـــــان مروش ومي زيادة (في حلب والقاهرة)، ولكنني اكتشفت صالونا أدبيّــا أقدم منهما ، أقيــم في جنوب سورية ( منطقــــة حــوران ) وتحديـــدا في بلدة الشيخ مسكين ، والتي يسميها العامة (اشمسكين) ، أسسته السيدة زينب فــوّاز العاملية(نسبة لجبل عامل في جنوب لبنان) ، وكان اكتشافنا من وراء قصاصة ورقية (ألوكـــة) عبـــارة عن رسالة كتبها أحد أعضاء المنتدى ، وهو جــدي المرحـوم الشيخ محمّـد فرحــــــان الحريري كتبها إلى الشهيد أحمد موسى مريود ( من جباثا الخشب ) وقد تغيّب عن بعض جلسات هذا المنتدى العتيد ، والنص الكامل للرسالة الوثيقـــة هو :
}  ..... قالت زينب فواز العاملية: إنَّ المرأة ضــاعت بين تأويلات المتفاقهــيـــن ، والحقيقة أنَّ في كلامها كثيراً من الصواب، لولا خروجهــــــا عن كثيرٍ مما نعتقده ونألفــه، هو رأيي يا أخي أحمد مريود ، وقد تجرّأتْ مرارا على هناء كوراني بل تجنّت في اجتماعنا الأخير في بيتها ، وأقرَّ زوجهـــا الأديب أديب نظمي الطناحي بذلك . ويشهد الله كم تمنيت أن يكون الاجتمــــاع في دمشق أو بيروت وليس في شيخ مسكين كي تُتاح الفرصة للأديبة هناء ونسمع وجهة نظرها ، وشاركني في أمنيّتي السيد إسماعيل باشا الترك والصديق سليم غلموري وخوري نامر المحترم ، وكان نيافته متحمّساً لفكــرة أن يكون الاجتماع أدبيّاً ولا بأس أن نلقي فيه شيئا من الشعر . وأن يكون جمعيّاً أي كلَّ جمعة، وسُرَّ الحضور جميعا بأخبار التيمورية ، وتعاقدنا على الكتابة في جريدة الشام العطرة الغــرّاء .
أخوكم محمد فرحان الحريري . { .
وهذا تعريف سريع ببعض رواد وأشخاص المنـتـدى الأدبــي في الشيـخ مسكيـــن ( حوران – جنوب سورية) المذكورين في الوثيقـــة :
*زينب فواز العاملية(  1846 - 1914م) صاحبة كتاب ربّـــــات الخدور ، أديبـة ومؤرخة وشاعرة شيعية من جنوب لبنان، تزوجت السيد أديب نظمي عام 1896 وانفصلت عنه بعد فترة قصيرة، ولعلها المؤسِّسة للصالون ، ماتت في مصر بعد انفصالها عن زوجها الذي عاشت معه في بلدة الشيخ مسكين شمال درعـــــــــــا (أذرعــات ) مقـرّ المنتدى .
*أديب نظمي الطناحي : أديب وصحفي دمشقي ، زوج زينب، عاش مقعــدا أواخـر حياته وتوفي سنة 1818 م ، وكان عمر زينب حين زواجها منه خمسين سنة.
*أحمد موسى مريود ، الشهيد السوري الشريف المثقف الأديب الذي أطلق الثـورة السورية الكبرى قبل الأطرش، وهو من مواليد جباثـــــــا الخشب على سفوح جبل الشيخ 1886م، أخو الشيخ فرحان الحريري بالرضاعــة، وهو خريج معهد عنـبـر بدمشق، استشهد في بدايات الثورة السورية ببلدته 1926 شابّاً في مقتبل العُـمُـر رحمه الله، وجذوره حوراني من المهادوة في شرق الأردن .
*هناء الكوراني : أديبــــة معاصــرة لزينب، ولا علاقــــــة لهــا بالصالون بل كانت تناهضها وتناوئهـا، مثّلت سورية في مؤتمر الاتحاد النسائي العالمي في سانتياغو 1893م ، وكانت معارضة لزينب العاملية ، تدعو إلى تعليم المرأة ما ينفعها فقط .
*إسماعيل باشا الترك الحريري : (1862 – 1956 م ) زعيم حوران بلا منازع وكان يدعى أبو حوران، كان مثقفا ويجيد عدة لغات ، من المجاهدين المشهود لهم ضد الاستعمار الافرنسي والداعمين لنهضة حوران ، نودي به أميراً لحوران فأبى متشبثاً بوحدة تراب سورية.
*سليم غلموري : أديب وكاتب سوري أظنه من الطائفة الشركسية من الجولان .
*خوري نامــر :أحد الآباء اليسوعيين، كان قد افتتح مدرسة لتعليم اللغة الفرنسية في قرية نامر ذات الأقلية المسيحية، ونامر قريبة من أشمسكين .
*التيموريــة : يقصد بها الأديبة المصرية عائشة تيمور المشهورة ، وكانت ترتبط بالشيخ فرحان الحريري بعلاقات فكرية وأدبية ، ذكرنـاهـــا في مقدمة كتاب الشيخ (أصقاع حوران فيما سمي بالدير أو الخان) الذي حققناه ونشرناه قبل عدة أعوام . وهو مهدى من المؤلف (جدي رحمه الله) إلى التيمورية .
*الشيخ فرحان (محمد فرحان) بن حسن بن عبد الباقي الحريري: جدي رحمه الله ، أديب وشاعر ، داعية ومجاهد وباحث من مواليد جباثا الخشب (على سفوح جبل الشيخ) وجذوره من بسر الحرير ، عمــــود حوران ، له ديوانا شعر (خ)، وكتـاب (أصقاع حوران فيما سُمّي بالدير أو الخان) (ط) وقد نشرناه بتحقيقنا قبل سنوات.
والشيخ فرحان جار الشهيد مريود بالسكن وأخوه بالرضاعة، ورفيقه في كفاحه وأسفاره ، وهو من مؤسسي منتدى الشيخ مسكين بالتعاون مع العاملية ، توفي في أواسط الأربعينات من القرن الماضي وقد ناف على الثمانين .

التعليقات

تعليقك على الموضوع

تم ارسال التعليق