العلاقات العامة تحت المجهر (4)

الدكتور: أحمد عيسى - مصر

الدكتور: أحمد عيسى - مصر

الدكتور: أحمد عيسى - مصر - خاص بـ "شبكة المدونون العرب"

"

إلى كل الباحثين عن بناء جمهور قوى ، على مستوى المؤسسات والدول والهيئات ، أهدى إليهم خلاصة أبحاثى فى هذا الأمر.....
كان النظام الإسلامى حريصا على إكتساب ثقة الجمهور الذى أحتضن نشأة الدعوة الإسلامية فى بداية مهدها وأسس لهذا نظاما لا يمكن لمن طبقه أن يخسر جمهوره أبدا .
ولكن تعالوا بنا نتدبر هذه الأية لنستنبط منها كيف إهتم الإسلام بالجمهور :
قال تعالى (إن الذين أمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من أمن بالله واليوم الأخر ....) إلى أخر الأية . سورة البقرة أية 102 .
الذى نستنبطه من هذه الأية هو عناية الإسلام بتقسيم الجمهور ، وليس ذلك فحسب ، بل وتصنيفهم ،ولو لم يكن للجمهور إعتبار فى جهاز العلاقات العامة الإسلامية ، لأكتفى بتصنيف الجمهور إلى فريقين فقط ؛ مؤمن و كافر.
وفى هذه الأية نجد الجمهور هو (المؤمنين – اليهود – النصارى – الصابئة ) ثم جمعهم حول الرسالة الموجهة لكافة الجماهير وهى الإيمان بالله واليوم الأخر ، ولكن مع إختلاف طريقة الإتصال بكل صنف من أصناف الجماهير السابقة .
وتعالوا بنا نطلع على هذا الحصر الذى قمت به لأهم الجماهير النوعية التى تعامل معها جهاز العلاقات العامة الأول ممثلا فى النبى صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام والرعيل الأول .
1- مؤمن .
2- مؤمن نفعى (المؤلفة قلوبهم ) .
3- مذبذب . (المنافقين ) .
4- أهل كتاب . (اليهود – النصارى ) .
5- مشركى قريش عبدة الأصنام .
6- المجوس.
مما سبق يتضح لنا مدى قوة جهاز العلاقات العامة فى الإسلام فى السبق لنظرية أعرف جمهورك والتى تنسب لعالم العلاقات العامة "إيفى لى "، وذلك من خلال المعرفة الدقيقة بشرائح الجماهير النوعية التى تؤثر فى جهاز العلاقات العامة الإسلامى الأول ، وكذلك تتأثر به .
إذاً كانت هناك فلسفة خاصة للمنظور الإسلامى للعلاقات العامة فى التعامل مع الجمهور الذى يعتبر المحور الذى تدور حوله قضايا العلاقات العامة .
والأن مع شرح لأهم القواعد العامة التى نتعلمها من المنظور الإسلامى فى فن التعامل مع الجماهير النوعية ، والتى تعتبر منطلق جديد لتصحيح مسار العلاقة مع الجمهور ، وإليكم القواعد :-
1- حب الجمهور وتمنى له الخير أيا كان نوعه أو جنسه أو دينه :
الدليل على هذه القاعدة ، قوله صلى الله عليه وسلم (ألق السلام على من عرفت ومن لم تعرف ) .
2- مراعاة مشاعر الجمهور :
سبب نزول قوله تعالى (ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وإبتغ بين ذلك سبيلا) أن المشركين كانوا لا يحبون سماع القرءان .
3- إستخدام نظرية تفريق الجمهور :
أستخدمها النبى صلى الله عليه وسلم بشكلين رائعين على النحو التالى
أ- مع جمهور المؤمنين : من إجل إشعال روح المنافسة والحماسة لتحقيق الهدف وذلك عندما كان يقسم المسلمين فى الحرب إلى معسكرين ، معسكر المهاجرين ومعسكر الأنصار
ب- مع جمهور غير المؤمنين : كان حريصا على التفريق فى رسائله الإتصالية بين المشركين وبين أهل الكتاب ، وحتى طائفتى أهل الكتاب ، كان التعامل معهم على أنهم يهود ونصارى ، والأقرب هم النصارى كما صرحت أيات القرءان .
4- نظرية النملة : حذر و خدر
أكتشفتُ قاعدة إدارية فى تعامل النملة مع باقى النمل فى القرءان ، ومما لاشك فيه أن القرءان ذكرها لنستخلص منها قاعدة هامة فى التعامل مع الجمهور الداخلى ، يقول تعالى فى محكم التنزيل :
(وقالت نملة يا أيها النمل أدخلوا مساكنكم ، لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون ) ..عندما يكون هناك خطر أو هجوم على المؤسسة ، فان العلاقات العامة تقوم على فعل احد أمرين أو خيارين وهما :
أ- تخفى الخبر على الجمهور حتى لا يضطرب وتشيع البلبة ، وهذا ما حدث معنا فى أيام النكسة حتى صدم الشعب من هول الصدمة .
ب- تقوم أجهزة العلاقات العامة بإطلاع الجمهور الداخلى على الحقيقة كاملة وهنا تنهار المؤسسة قبل إقتراب الخطر المتوقع منها ، ويصدق فى هذه الحالة المثل القائل "جنت على نفسها براقش ".
ولكن ولأول أمرة أجد حالة علاقات عامة يتم فيها إخبار الجمهور الداخلى بالحقيقة كاملة دون أن يضطرب الصف أو ينهار وتشيع البلبلة .
والسر فى ذلك يكمن فى قوله تعالى على لسان النملة (وهم لا يشعرون ) .
فأسست لقاعدة إعلامية قمت بتلخيصها كالتالى فى "حذر و خدر "
 فكان التحذير فى قولها (لا يحطمنكم ) والتخدير فى قولها (وهم لا يشعرون ) .
إن شيوع الطمأنينة والثبات أحد عوامل تنفيذ الخطة المُعَدة من أجهزة العلاقات العامة للوصول بالمؤسسة لبر الأمان عند النوازل والأزمات والملمات .
أنظروا وتأملوا معى ، إنها نقلت للجمهور بإحترافية عالية لا يمكن أن تراها  إلا فى أقوى أجهزة العلاقات العامة على الإطلاق، الخطر المُحدق بهم بل والمؤكد أن يلحق بهم  إن هم لم يتبعوا الخطة المعدة من قبل جهاز العلاقات العامة ممثلا فى النملة ، ثم بعد ذلك قامت بتخدير موضعى للجمهور بقولها وهم لا يشعرون حتى تجعلهم لا يسرفون على أنفسهم فى التفكير فى أسباب التحطيم ، ولماذا يريد سليمان وجنوده تحطيمهم ، وما الذى فعلوه كنمل ، حتى يستحقوا التحطيم من قبل سليمان وجنوده ، وكل ذلك وغيره من الأسئلة التى من الطبيعى أن تجدها مع أى جمهور داخلى يشعر بخطر ناتج عن ظلم او إضطهاد ، والتى يمكن أن تكون سببا فى مضيعة الوقت وإلحاق الضرر ، إن لم يتحرر منها الجمهور ويفكر جديا فى خطة العبور بالمؤسسة لبر الأمان ، إذا وقع مكروه لا تتوقف طويلا أمام أسبابه ، وأشغل نفسك فى كيفية تخفيف الأضرار الناتجة عنه أولا حتى لا تتفاقم الكارثة .
5- تهيئة الجمهور :
لابد لأجهزة العلاقات العامة قبل أن تشرع فى البدء فى حملة أو تنفيذ خطة إتصالية مع الجمهور ، أن تقوم بتهيئة الجمهور أولا ، وذلك ما فعله النبى صلى الله عليه وسلم عندما أرسل مصعب بن عمير للمدينة المنورة سفيرا ، لتهيئة الجمهور فى المدينة المنورة أولا قبل ذهاب النبى صلى الله عليه وسلم .
6- الشورى :
إن إشراك الجمهور فى صنع القرار ، يجعله يشعر بقيمته ، ليس ذلك فحسب ولكنه سيدافع عن تلك المؤسسة التى سمحت له بالشعور بذاته .
7- نظرية الهدهد :
(العفو عن الصغائر إذا كانت لأجل منع الكبائر )
وذلك يتضح جليا فى موقف الهدهد مع نبي الله سليمان ، عندما تغيب عن أمر تنظيمى خاص بالملك سليمان ، فقال له سليمان عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام
 (لأذبحنه أو ليأتينى بسلطان مبين ) سورة النمل أية 21 .
فعفى سليمان عليه الصلاة والسلام عن الهدهد لما كان الهدف الذى أدى إلى خروجه عن النظام الإدارى المتبع هو الصالح العام للملكة .
8- المرونة :
عند كتابة وثيقة صلح الحديبية ، أعترض المشركون وعلى رأسهم سهيل بن عمرو على لفظ (رسول الله ) الوارد فى الوثيقة بعد إسم النبى محمد صلى الله عليه وسلم ، وقالوا لو كنا نعلم أنك نبى ما قاتلناك  ، ورفض على بن أبى طالب أن يستجيب لهم ويمسح الأسم ، فما كان من النبى إلا انه قال لعلى بن أبى طالب أرينيها ، فوضع على بن أبى طالب يد النبى صلى الله عليه وسلم ، وقام النبى بمحوها .
إنه بعد النظر والمرونة والقياس على المصالح والمفاسد ، فالنبى رأى ان المصلحة التى تعود على الدولة الإسلامية اعظم من الضرر الذى يمكن ان يكون ناتجا عن مسح لفظ رسول الله.
9- العفو عن الاعداء عند المقدرة مالم يترتب ضرر على العفو عنهم :
تروى كتب السيرة أن النبى صلى الله عليه وسلم ، كان نائما ومعلقا سيفه فى شجرة بجواره ، فجاء إليه اعرابى وأخذ سيف النبى يريد قتله وقال له يا محمد من يمنعك منى ؟
فقال له النبى : الله
فسقط السيف من يد الأعرابى ، وأخذه النبى ووضعه على رقبة الأعرابى وقال له من يمنعك منى ؟
فقال له الأعرابى : يا محمد كن خير أخذ .
فقال له النبى : تشهد أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله .
فقال الأعرابى:  لا ،ولكنى أعاهدك أن لا أقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلوك .
فتركه النبى صلى الله عليه وسلم ، وعندما ذهب هذا الرجل إلى قومه قال لهم جئتكم من عند خير الناس ، ثم عاد إلى النبى صلى الله عليه وسلم ليعلن إسلامه ، فتعجب النبى وقال له ، ما منعك أن تسلم يومئذ ، فقال الاعرابى ، حتى لا يشاع أنى اسلمت خشية القتل .
أنظروا إلى جمال الفطرة ، والرسائل الإتصالية الإقناعية التى تحتاج إلى مجلدات لنستخلص ما فيها من فنون إدارية ، بعكس ما يدعو له أمثال "روبرت جرين " عندما تحدث عن قاعدة من قواعده فى الإدارة قائلا "إسحق أعدائك متى تمكنت منهم ، ومتى  سنحت لك الفرصة "
لا شك أن قواعد خير الأنام فى الإدارة خير وأبقى أثرا ، وبمثلها تستطيع أن تغزوا أجهزة العلاقات العامة قلوب جماهيرها .
10- التدرج عندما يكون الهدف من الرسالة الإقناعية تغيير قناعات :
إذا كانت الخطة او البرنامج الإتصالى المقدم للجمهور متعلق بتغيير قناعات أو سلوكيات تعودت الجماهير عليها فيجب مراعاة التدرج فى التغيير ، مثلما حدث فى قصة تحريم الخمر.
حيث تم تحريمها على ثلاثة مراحل عبرت عنها الثلاث الأيات التالية :
المرحلة الأولى :
قال تعالى ( يسألونك عن الخمر والميسر ، قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس ، وإثمهما أكبر من نفعهما ) .
المرحلة الثانية :
قال تعالى (لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى )
المرحلة الثالثة :
(إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فأجتنبوه ) .
وتعد هذه القواعد العشرة فى التعامل مع الجمهور من أقوى القواعد التى تؤسس لأتصال جمهورى فعال يمتد نفعه لأجيال ، وبإغفال أى منها فلابد ان تجد خللا فى المنظومة الإتصالية الإقناعية ، ولما لا وهو مستمد من مشكاة النبوة الذى لا ينطق عن الهوى ، والذى أرسله من يعلم السر وأخفى والذى يعلم ما يصلح النفس ويفسدها .

"

التعليقات

تعليقك على الموضوع

تم ارسال التعليق