الخطر المميت في الصحافة

أحمد الشرقاوي - خاص بـ "شبكة المدونون العرب"

"

صدرت عن اللجنة الدولية لحماية الصحافيين، إحصائية تتضمن أرقاماً مرعبة بشأن عدد الصحافيين الذين قُتلوا بسبب ممارسة مهنة الصحافة والإعلام في بلدان العالم المختلفة، الإحصائية تؤكد أن 43 صحافياً وصحافية قُتلوا خلال الشهور التسعة الأولى من العام 2018 الحالي بسبب عملهم الصحافي، كما أن هناك 15 صحافياً قُتلوا عام 2018 في ظروف غامضة، لم يتم فيها إثبات أن عمليات القتل بسبب عملهم المهني، أما الاعتقال والسجن والنفي والتشريد، فحدّث ولا حرج.
155 صحافياً سُجنوا حول العالم في 2018 «في 9 أشهر فقط»، إضافة إلى 142 مواطناً صحافياً من الهواة غير المحترفين، بسبب كتاباتهم على مدوناتهم أو صفحاتهم الشخصية على وسائل التواصل الاجتماعي مثل المدوّن المصري الشهير وائل عباس، كما تم خلال الفترة نفسها اعتقال وحبس 19 شخصاً ممن تسميهم اللجنة بالمساعدين الإعلاميين «مصورون للتلفزيون أو مهندسو صوت أو إضاءة أو حتى عمال يعملون في مجال الإعلام».في الواقع، هذه أرقام كارثية مرعبة، والزميل الصحافي جمال خاشقجي، سواء قُتل أو خُطف، فإنه بمثابة آخر ضحايا مهنة الصحافة، فما كان له أن يُخطف أو يُقتل ما لم يكن صحافياً يحمل قلماً في يده، وفكرة في ذهنه، وإرادة فولاذية للوصول إلى الحقيقة ودعم الحريات.
طوال 30 عاماً قضيتها في العمل الصحافي داخل مصر وخارجها، لم يمر على مهنة الصحافة والإعلام عام كارثي مثل عام 2018، لم يصل الأمر أبداً إلى الإحساس بالخطر المميت، كان هناك دائماً إحساس بخطر، لكنه ليس من النوع المميت، كل ما في الأمر، وأقصى حدود ذلك الخطر هو الاعتقال والسجن، وهنا كنت أحتمي بنقابتي وقانون الصحافة الذي ناضل الصحافيون المصريون طويلاً، حتى ينص على حظر حبس الصحافي في قضايا النشر، بعد إسقاط قانون مشبوه استهدف حبس الصحافيين في العام 1993. حتى خارج مصر، عندما انتقلت للعمل كمدير لمكتب وكالة الأنباء الرسمية المصرية «أ. ش. أ» في لندن بين عامي 2002 و2006، ودخولي عش الدبابير عند تغطية المحاكمة البريطانية في مقتل سندريلا السينما العربية سعاد حسني في العاصمة البريطانية، وشعوري بالخطر المتزايد كلما زاد انخراطي في التغطية، وإمساكي بتلابيب خيوط هذه القضية الحساسة، لم أشعر أبداً بهذا الخطر المميت، ولم يراودني هذا الإحساس مطلقاً.
كانت ثورة 25 يناير 2011، نقطة انطلاق جديدة صوب الحرية، تعطي لكل صاحب قلم حر أو رأي ناقد، قوة دفع كبرى في إطار مجتمع يسعى إلى الانعتاق من العبودية والاستبداد، لا أزعم لنفسي هنا بطولة من أي نوع، فأنا مجرد صحافي مصري عاش 3 عقود من حياته المهنية في تلك الظروف، التي تعلمت فيها أن إحساس الخطر المميت لدى الصحافي يقتل لديه رغبته في الاجتهاد والبحث والاستقصاء.
لماذا وصلنا إلى هذا الوضع الكارثي؟! الأسباب كثيرة، لكنني أظن أن موقف الرئيس الأميركي دونالد ترمب من الصحافة والصحافيين في بلاده، ربما كان سبباً مباشراً في إغراء الطغاة والمستبدين حول العالم، وفي منطقتنا على وجه الخصوص، للعصف بتلك المهنة وسجن أو نفي وربما قتل العاملين فيها.
وأظن أيضاً -وليس كل الظن إثماً- أن هذه الفترة العصيبة التي تعيشها مهنة الصحافة لن تزيد العاملين فيها إلا إصراراً، لأن خطر الطغاة والمستبدين وتهديدهم لحياة الصحافيين بالقتل، يجعل المعركة بين الطغاة والصحافيين عبارة عن «مباراة صفرية»، إما نحن أو هم، وتجارب التاريخ تؤكد أن الحرية باقية بينما الطغاة زائلون.;

"

التعليقات

تعليقك على الموضوع

تم ارسال التعليق