زواج القاصرات... جريمة "منظّمة" في مصر

شبكة المدونون العرب - القاهرة

تستمرّ ظاهرة زواج القاصرات في مصر، خصوصاً في المناطق الريفيّة والفقيرة. ويبدو أن النسبة آخذة في الارتفاع، ما يؤدي إلى مشاكل اجتماعية كثيرة، إذ إن أزواجاً كثيرين لا يعترفون بأبنائهم. في النتيجة، يدمر هذا الزواج مستقبل الفتيات والأطفال
ترتفع نسبة زواج القاصرات في مختلف محافظات مصر. يكتب المأذون "ورقة عرفيّة" تبقى في حوزته حتى تبلغ الفتاة سن الزواج وهو 18 عاماً. وتعدّ محافظات الصعيد الأكثر إقبالاً على هذا الزواج لاعتبارات عدة، من بينها أن "الزواج سُترة"، و"البنت لها بيتها"، أو الخوف من العنوسة. وتتحول آلاف القاصرات إلى ضحايا من جراء الاستغلال الجنسي والعمل القسري، حين يصرن خادمات لأزواجهن.
ولمواجهة المشاكل الاجتماعيّة التي تطرأ على زواج القاصرات، تلجأ عائلات مصريّة إلى حيل قانونية لضمان حقوق بناتهن في حال الانفصال، منها طلب الحصول على نسختين من "إيصال أمانة" أو "شيك على بياض"، واحدة يحتفظ بها والد العروس والثانية المأذون الذي يعقد القران من دون وثيقة رسمية، ليكون ذلك بديلاً لـ "قسيمة الزواج"، فضلاً عن الاحتفاظ بـ "فيديو حفل الزفاف" وصور للعروسين بزي الزفاف كدليل على زواجهما. وحين تبلغ الفتاة السن القانوني للزواج وهو 18 عاماً، يعقد المأذون قرانهما رسمياً، ويستردّ العريس إيصال الأمانة.
وتفيد تقارير لمنظمات نسائية مصرية بأن هناك أكثر من 100 ألف حالة زواج لقاصرات سنوياً، بينما سجل العام الماضي 124 ألف حالة، ما يشير إلى ارتفاع نسبة تلك الظاهرة التي تكثر خلال فصل الصيف. ويمكن أن يكون العريس مصريّاً أو خليجياً. وتوضح التقارير أن من يساعد على إتمام تلك الزيجات هم أهالي الفتيات وسماسرة الزواج. ولا تخلو قرية مصرية من حالات زيجات مبكرة. حتى أن قاصرات في مناطق فقيرة يقعن ضحايا زيجات مؤقتة من أغنياء في مقابل المال، الأمر الذي يصفه حقوقيون بـ "الدعارة والاستغلال الجنسي" الذي غالباً ما ينتهي بالطلاق. تتابع التقارير أن المشكلة الأخطر من زواج الفتيات القاصرات هي حين يكون الزوج نفسه قاصراً، وينتشر الأمر بسبب ارتفاع نسب الأمية.
ووصلت نسب دعاوى إثبات الزواج في المحاكم لأمهات قاصرات في عام 2017 إلى نحو 16 ألف دعوى، و14 ألف دعوى إثبات نسب أطفال لا يعرفون مصيرهم. وتتعدّد الحكايات لآباء وأمهات في المحافظات المصرية حول زواج القاصرات. وتقول مها محمد (16 عاماً)، وقد تقدمت بدعوى أمام محكمة الأسرة في إمبابة إنها تزوجت ثم سافر زوجها. وحين أنجبت، وقعت مشاكل بينهما ورفض تسجيل الطفل. تضيف أن الوحدة الصحية ترفض إعطاء اللقاحات اللازمة للطفل لعدم وجود شهادة ميلاد، ما دفعها للجوء إلى القضاء.
ماجدة سيد (47 عاماً) تعيش في منطقة الزاوية الحمراء في شمال القاهرة. تقول إن ابنتها تزوجت وهي في الرابعة عشرة من عمرها. جرى التوقيع على إيصال أمانة وورقة الزواج العرفي، واتفق على عقد القران رسمياً حين تبلغ ابنتها السنّ القانوني. حينها، يستردّ الزوج إيصال الأمانة مرة أخرى. تضيف: "ابنتي أنجبت طفلاً. وحين بلغت الثامنة عشرة، تهرّب زوجها وأرسلها للإقامة معنا واختفى". نصحنا المحامي بعدم استخدام الإيصال الآن حتى لا ينكر الزواج، "وما زلنا في مرحلة التفاوض مع أهله، ولا أعلم كيف سيكون مستقبل ابنتي وطفلها".
من جهتها، تقول حنان محمد التي تعيش في محافظة الأقصر في صعيد مصر إنها تزوجت في الرابعة عشرة من عمرها وأنجبت طفلة. "كانت الحياة عادية إلى أن اقترب موعد عقد القران الرسمي الذي انتظرته لأتمكن من استخراج شهادة ميلاد لابنتي التي لم أسجلها حتى الآن، وفوجئت به يدعي أنه لم يعد يحبني واشترط أن يطلقني بعد عقد القران الرسمي، الأمر الذي رفضه والدي فتركني معلقة، وتقدمت بدعوى ضده".
أما سمر أحمد (17 عاماً)، وهي من منطقة بولاق الدكرور في محافظة الجيزة، فتقدمت أيضاً بدعوى قضائية أمام محكمة الأسرة. تقول إنها تزوجت من ثري عربي لمدة 6 أشهر على يد إمام مسجد، وعندما عرف أنها حامل، قرر الهرب بحجة أن لديه أعمالا في بلده، على أن يعود خلال شهرين، إلا أنه اختفى نهائياً. سفارته في القاهرة رفضت مساعدتها واكتشفت أن العقد مزوّر وغير موثّق.
إلى ذلك، يُشير محمد محمود، وهو مأذون، إلى جشع المحامين وآخرين ممن ينتحلون صفة مأذون وبعض أئمة المساجد، لأنهم وراء انتشار هذه الظاهرة التي تؤدي إلى استغلال الفتيات وتدمير مستقبلهن. ويقول إنّ ما يحدث جريمة وتشجيع لبيع الأطفال ودعارة مقنعة. ويلفت إلى أن القوانين التي صدرت لمواجهة زواج القاصرات لا تنفذ، مضيفاً أن مصر تحولت إلى "ترانزيت" لزواج القاصرات أو الزواج السياحي، مطالباً بضرورة إجراء مراجعة تشريعية لمواجهتها.
من جهة أخرى، تشرح الطبيبة النسائية إكرام حسن مخاطر الزواج المبكر على الفتيات، قائلة: "الأعضاء التناسلية للفتاة في هذه السن الصغيرة تكون غير مكتملة، ما يجعلها لا تستطيع تحمّل أعباء الحمل والولادة، وتكون عرضة لأمراض السكري والضغط عدا عن التشوهات الخلقية. كما تزيد معدلات وفيات الأمهات والأطفال خلال فترة الحمل والولادة، نتيجة عدم قدرة أجسامهن على الحمل والولادة"، مشيرة إلى أنها تستقبل قاصرات في وضع صحي خطير في عيادتها الخاصة يومياً.
بدورها، ترى أستاذة علم الاجتماع في جامعة عين شمس سامية خضر أن زواج القاصرات جريمة تنتشر في الريف والصعيد، مطالبة بضرورة وجود ردع قانوني بحق الآباء الذين يزوجون بناتهن قبل 18عاماً، مشيرة إلى أن الجهل والفقر والخوف من العنوسة كلها عوامل تدفع الآباء إلى تزويج بناتهم وهن قاصرات. وترى بعض قرى الصعيد أن تأخّر الزواج عار، وغالبية الآباء يجبرون بناتهم على ترْك التعليم من أجل الزواج مبكراً لرفع العبء عنهم.
ويتهم نائب مدير مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، زياد عبد التواب، الحكومة بالمسؤولية في انتشار الزواج المبكر، مشدّداً على أن استبدال "قسيمة الزواج" بإيصالات أمانة أو شيكات جريمة مكتملة الأركان، فهذا تزوير لأوراق رسمية، ويحاكم من ارتكبها سواء كان مأذوناً أو محامياً أو ولي أمر. يضيف أن زواج القاصرات أشبه بـ "الزواج العرفي"، مشيراً إلى أنه في أحيان كثيرة، يعمد المأذون إلى ابتزاز أهل الزوج والزوجة، وأخذ مبلغ مالي أكبر مما يستحق، نظير الموافقة وحضور هذا الزواج بخلاف الزواج الرسمي.
مشاكل كثيرة
ترى أستاذة علم الاجتماع في جامعة عين شمس في مصر، سامية خضر، أن الزواج المبكّر يؤدي إلى مشاكل في العلاقة الزوجية بسبب عدم نضج الفتاة والمشاكل في الإنجاب وضعف صحتها، لافتة إلى أن ما يحدث ظاهرة اجتماعية خطيرة أدت إلى إنجاب أطفال بلا نسب، عدا عن المشاكل الكثيرة داخل العائلات المصرية.

التعليقات

تعليقك على الموضوع

تم ارسال التعليق