طبز ، وطــوبــز

الدكتور محمد فتحي راشد الحريري

الدكتور محمد فتحي راشد الحريري

شبكة المدونون العرب - الدكتور محمد فتحي راشد الحريري - الإمارات العربية المتحدة-

جاءت فكرة هذا المقال من نكتة مفادهـــا أنّ بدويّا أو ريفيّــا ، كان يشكو  بواسير
في منطقة الشرج ، وذهب للطبيب  للمعالجـــــــــــة ، والأخير طلب منه أن يجلس بالمقلوب ويدير ظهره ويرفع أليتيه ويباعد بينهما ، كي يتمكن من فحص الشرج ومعاينته بشكل جيد والتأكد من وجود البواسير ومدى حاجتها للتداخل الجراحي ، واحتـــار الطبيب كيف يوصل الفكرة للمريض ، فقال مرافقـه له : طوبــز ، وكانت الكلمة كفيلة بتحقيق الهدف بالنسبة للطبيب  الذي أكمل إجراءات الفحص.
وتعجب الطبيب من هذه اللغة التي عبّرت بكلمة واحدة عن المطلوب ، ونابَتْ مناب عدّة جملٍ من كلام الطبيب الكثيــر .
ورحنــا نحن نتساءل هل كلمة (طوبز / طبز) من الفصيح ؟
طبز في (لسان العرب) :
قال أَبو عمرو: الطِّبْزُ ركن الجبل .
والطِّبْزُ الجَمَلُ ذو السَّنامين الهائجُ.
وطَبَزَ فلانٌ جاريَتَه طَبْزاً: جامعها.
والطِّبْزُ  في (القاموس المحيط) :
الطِّبْزُ، بالكسر: رُكْنُ الجَبَلِ، والجَمَلُ ذُو السَّنامَيْنِ.
وطَبَزَها: جامَعَها. (قلنا :ولعلّ المقصود أن يكون جامعها من الخلف وهي مجبية).
والطَّبْزُ: المَلْءُ لِكُلِّ شيءٍ ، فمن أين جاءت (طوبز) بالوضــع المقلـــــــوب الآنف؟
في محاولــة تفسير المفردة وردّهـــا إلى الفصيح ، خطرت بذهني عـدّة تساؤلات :
*طوبز ، هل لها علاقة بشكل الجمل ذي السنامين ؟  فالمرء حين ( يطوبز ) تـبـدو أليتــــاه وكأنّهما سناما  بعير .
*هل من توارد في خاطر العربي حين أطلق لفظ (طوبز) ، بين الهيئــــــــة وبين وضعية جماع معروفة هي طبــز المرأة في وضع المقلوب ، أو وهي مجبية كما عبّر الحديث الشريف (*) .
ومن الألفاظ القريبة من الطبز ، التجبية ، وقد جاء في اللسان :
وجَبَّى الرجلُ: وضع يديه على ركبتيه في الصلاة أَو على الأَرض، وهو أَيضـــــــــاً انْكبابه على وجهه؛ قال:
 يَكْرَعُ فيها فيَعُبُّ عَبّا، ***مُجَبِّياً في مائها مُنْكَبّا
وفي الحديث : أَنَّ وَفْدَ ثَقِيفٍ اشْتَرَطــــوا على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أَن يُعْشَروا ولا يُحْشَروا ولا يُجَبُّــــوا، فقال النبيُّ ، صلى الله عليه وسلم : لكم ذلك ولا خَيْرَ في دِينٍ لا رُكُوعَ فيه ؛ أَصل التَّجْبِيةَ أَن يقوم الإنسان قيــام الراكـع، وقيل: هو السجود؛ قال شُــــمّــر: لا يُجَبُّوا أَي لا يَرْكعــــوا في صلاتهم ولا يسجدوا كما يفعل المسلمون، والعرب تقول جَبَّى فلان تَجْبِيَةً إذا أَكَبَّ على وجهه بارِكاً أَو وضع يديه على ركبتيه منحنياً وهو قائم. ولنلاحظ أنّ هناك تقاربــاً بين الألفاظ :
طوبز
جبّى
ركع
ولكن ليس بينها ترادف كامل ، إنما تداخل ومصاهرة جذورية .
---------------------------- حاشية:
(*) – الحديث الذي قصدناه ما رُوي عن أم سلمة رضي الله عنها :" قالت كانت الأنصار لا تجبي وكانت المهاجرون تجبي (أي تعاشر النساء بالمقلوب في مكان الولد ) فتزوج رجل من المهاجرين امرأة من الأنصار فجباها فأبت الأنصارية فأتت أم سلمة فذكرت ذلك لها فلما أن جاء النبي صلى الله عليه وسلم، استحيت الأنصارية وخرجت فذكرت ذلك أم سلمة للنبي الأكرم فقال:" ادعوها لي فدعيت له فقال لها ( نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ) سماما واحدا والسمام السبيل الواحد".
أخرجه الإمام أحمد (6،\/305)و الدارمي ( رقم : 124) – و اللفظ له – و الطبري ( 2/397)و الطحاوي في " شرح المعاني " ( 2/42-43) من طريق وهيب بن خالد ؛ و أحمد (6/ 318-319) و الترمذي ( رقم: 29769) و ابن أبي شيبـــة بالمصنّف ( 4/230) و الطبري ( 2/396و 397) و أبويعلى ( رقم : 6972) ورواه البـيـهـقــي ( 7/195)- مختصرا عند بعضهم و مطولا – من طريق سفيان الثوري ، و أخرجه أحمد ( 6/310)و عبدالرزاق ( رقم : 11/443) من طريق معمر بن راشد ، و البيهقي ( 7/195) من طريق روح بن القاسم ، و الطبري ( 2/396)من طريق عبدالرحيم بن سليمان ، كلهم عن عبدالله بن عثمان بن خثيم عن ابن سابط عن حفصة عن أم سلمة به .و عند الدارمي و غيره : قال ابن سابط : " سألت حفصة بنت عبد الرحمن هو ابن أبي بكر قلت لها إني أريد أن أسألك عن شيء وأنا أستحيي أن أسألك عنه قالت سل يا ابن أخي عما بدا لك قال أسألك عن إتيان النساء في أدبارهن فقالت حدثتني أم سلمة به " فذكره .و هذا إسناد حسن . قال الترمذي :" حديث حسن صحيح وابن خثيم هو عبد الله بن عثمان بن خثـيـم وابن سابط هو عبد الرحمن بن عبد الله بن سابط الجُمَحي المكي وحفصة هي بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ويروى في سمام واحد"  ،
والسمام والصمام بمعنى واحد .
و في لفظ الزهري عند مسلم : " إن شاء مجبية وإن شـــــــــاء غير مجبية ، غير أن ذلك في صمام واحد".
و قد أخرجه الطحاوي في " شرح المعاني " (3/41) وابن أبي حاتم في " تفسيره " من طريق ابن جريج أن ابن المنكدر حدّثه عن جابر فذكره ، و فيه :فقال رسول الله : " مقبلة و مدبرة ما كان في الفرج " .و إسناده صحيح

التعليقات

تعليقك على الموضوع

تم ارسال التعليق