العلاقات العامة تحت المجهر (3)

الدكتور: أحمد عبد الفتاح عيسى - مصر - خاص بـ

الدكتور: أحمد عبد الفتاح عيسى - مصر - خاص بـ " شبكة المدونون العرب "

شبكة المدونون العرب - الدكتور: أحمد عبد الفتاح عيسى - مصر - خاص بـ " شبكة المدونون العرب "

بناء أعضاء جهاز العلاقات العامة فى الإسلام
إن المتابع للسيرة النبوية يلمح بوضوح الشكل الذى بنيت به الدولة الإسلامية وجهاز العلاقات العامة بها ممثلا فى النبى صلى الله عليه وسلم وصحابته ، وإليكم كيف كان يتم بناء أفراده من خلال الخطوات التالية :
1- الإختيار والتوظيف  : فى بادئ الأمر لم يكن كل الناس مقبولين فى الدين الإسلامى ، يعنى ليس كل من أراد الإنضمام إليه والعمل في أجهزته يتم قبوله ،فقد كانت تقتضى المصلحة أحيانا أن يظل الشخص مع اهله ويأمره النبى بالرجوع إليهم نظرا لان الفائدة العائدة على الرسالة من بقاءه مع أهله أفضل من الفائدة العائدة على الرسالة بلحاقه بالنبى صلى الله عليه وسلم ،ويؤكد ذلك ما ذكرته كتب السيرة من أن نُعيم بن مسعود ذهب للنبى يريد إتباعه وإعلان إسلامه ، فقال له النبى أما الأن فلا ، ولكن ستلحق بنا العام القادم .
2- الإنصهار : ويظهر ذلك جليا فى المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار ، وسيتم التحدث بالتفصيل عن الإنصهار فى موضوع الطاقة الذى سيأتى كأخر فقرة فى هذا المقال .
3- توثيق الصلة : ويظهر ذلك فى الزيارات المتبادلة فيما بينهم .
4- الإلتقاء على طاعة : لابد للجانب الروحانى ان يكون حشو العلاقة بين فريق العمل الواحد ، وذلك كفيل بإزالة الران من على قلوب اعضاء الفريق الذى قد يطرأ على العلاقة بسبب إبتعاد القلوب
5- قوة اليقين : بأن الدنيا ستأتى لا محالة ولكن الأخرة هى التى تحتاج للتفكير ، وأدى ذلك لغياب التنازع فيما بينهم على أمور الدنيا ، والتنافس على أمور الأخرة مما أدى وساهم فى قلة الخلافات لأن نفوسهم أرتقت وترفعت عن صغائر الدنيا .
وطبقا لأحدث الدراسات العلمية فإن بداخل كل إنسان خمس أنواع من الطاقات ، ويجب على من يبنى فريق العلاقات العامة أن يراعى هذه الطاقات الخمس ، وهذا ما فعله النبى صلى الله عليه وسلم ، وإن لم يقله صراحة ولكن مواقف السيرة التى دونتها المراجع تؤكد حقيقة حرص النبى صلى الله عليه وسلم على مزج شخصيات الصحابة فى إناء واحد ، وهو ما أدى إلى قوة ووحدة البناء الداخلى لجهاز العلاقات العامة إن صح القول فى الدولة الإسلامية الأولى .
وهذه الطاقات هى :
1- الطاقة العضلية :
الطاقة العضلية ويمكن تفريغ شحناتها حتى يتم مزج الفريق من خلال جعلهم يمارسون نشاطا عضليا وهم فى أماكنهم ، وهل كان إجتماع النبى صلى الله عليه وسلم  مع الصحابة على الطعام إلا أحد أوجه مزج الطباع المختلفة للصحابة حوله من خلال مزج طاقاتهم العضلية وذلك بجمعهم على طعام واحد .
2- الطاقة الحركية :
ويتم مزج الطاقات الحركية لفريق العلاقات العامة وكذلك أى فريق أخر أو جمهور بجعل الأشخاص يجتمعون على نشاط حركى ، كلعبة رياضية مثل كرة القدم أو العدو إلخ  ، وحملت لنا كتب السير أن النبى صلى الله عليه وسلم دخل مسابقات مصارعة فى أكثر من واقعة ، وعمر بن الخطاب كان يتميز بطول النفس تحت الماء .
ومن مقامى هذا أوجه رسالة إلى الأسر العائلية ،وهى أنه من الأهمية بمكان مراعاة مزج الطاقات المختلفة إذا أردنا أن نرفع مستوى التفاهم والتقارب بين أعضاء الأسرة وتقليل الفجوة وحجم المشكلات التى هى ناتج طبيعى لأى تفاعل إنسانى .
3- الطاقة الفكرية :
ويتم تفريغ شحناتها السالبة من خلال جمع الفريق على مسابقات ثقافية أو جمعهم على جلسات تدبر وتأمل ولو ساعة أسبوعية فى مكان مفتوح ملئ بالخضرة ، فإن له عظيم الأثر إن شاء الله .
4- الطاقة العاطفية :
ويتم صهر الفريق فى بوتقة الطاقة العاطفية  من خلال إعلاء قيمة الهدية والإيثار لدى أعضاء فريق العلاقات العامة ، ومن أجمل صور الإيثار وظهور الرباط العاطفى بين فريق العلاقات العامة الأول فى الإسلام ما حدث فى معركة اليرموك ، أنظر كيف صهر النبى صلى الله عليه وسلم الفريق الأول ....
جاء فى السيرة أن عكرمة بن أبى جهل كان جرح جراحا خطيرة وكان بجواره عشرة من الجرحى أيضا ويقول بن عمه ، كنت فى السقيا (شخص يخصص فى المعركة لتوزيع مياه الشرب على الجنود والجرحى ) ، فوجدت عكرمة يئن من شدة الجراح ويقول أريد أن أشرب ، فذهبت إليه ، فما أن وضع الإناء على فمه ، حتى سمع رجلا بجواره يريد أن يشرب فقال ، والله لا أشرب حتى يشرب أخى ، فذهبت للأخر ، فسمع من بجواره يريد ان يشرب ، فرفض أن يشرب قبل أخيه ، وهكذا حتى وصلت للعاشر ، فلما جئته ، قال لى والله لا أشرب حتى يشرب عكرمة ، فلما ذهبت لعكرمة وجدته قد مات ،،،رضى الله عنهم أجمعين .
5- الطاقة الروحية :
وهى تعتبر الطاقة المغذية لكل الطاقات السابقة بل هى روحها ، التى تدعم عملية إستمرار مزج الفريق من خلال الطاقات السابقة كلها .
وتم مزج فريق العلاقات العامة الأول فى عهد النبوة من خلال جلسات المسجد التى كان يجمع فيها النبى الصحابة على غير موعد صلاة ، يتحدث فيها معهم كما يقوى علاقاتهم جميعا بالله ، والطاقة الروحية تتلخص فى قول بن عباس (من أحب لله وأبغض لله فقد أستكمل عرى الإيمان فى قلبه ) ...
إن الطاقة الروحية بإختصار هى الطاقة التى كانت تسيطر على كل طاقات الفريق السابقة وذلك من خلال جعل تفريغ الطاقات السابقة يكون خالصا وإبتغاء مرضاة الله ، وليس لأى غرض دنيوى أخر .
وتعالوا بنا نأخذ بعض اللمحات من الواقع المر الذى تغييب فيه الطاقة الروحية عن السيطرة على باقى طاقاتنا ...
عندما تغييب الطاقة الروحية وتفقد السيطرة على الطاقة العضلية ، تجد الإنسان ممكن أن يجتمع على أكل لحم أخيه الإنسان ، ولا أقصد الغيبة والنميمة ، وإنما أقصد الاكل الحقيقى الذى يتم من قبل أكلى لحوم البشر سابقا .
و يمكنك أن ترى الإنسان يأكل الكلاب والخنازير وأشياء أخرى لا يمكن ذكرها .
وأيضا عندما تفقد الطاقة الروحية وتغييب عن الطاقة الحركية ، تجد الفريق يصرف الطاقة الحركية فى الرقص أو الشجار أو الأمور التى لا طائل من ورائها .
وعندما تغييب الطاقة الروحية عن الطاقة الفكرية ، تجد الفريق يجتمع ليخطط لعمل إجرامى كسرقة أو خلافه .
وعندما تغييب الطاقة الروحية عن العاطفية ، تجد العاطفة تخرج فى غير محلها ، وما صور الزواج المثلى إلا إحدى صور إضطراب الطاقة العاطفية بسبب غياب الطاقة الروحية عنها .
وتعالوا بنا ننظر إلى الصور التى دمج فيها الإسلام فريق العلاقات العامة الأول فى أكثر من موقف ،،فأنظر إلى الصلاة ،يتم فيها دمج الطاقة الحركية بالفكرية بالعاطفية بالروحية ،،أنظر إلى الإفطار فى رمضان ، يتم فيه دمج الطاقة العضلية بالفكرية بالعاطفية بالروحية ...فما العبادات إلا معامل دمج الطاقات المختلفة التى صهرت فريق العلاقات العامة الأول .....
وبعد أن عرفنا كيف تم بناء فريق العلاقات العامة الأول ، جاء الدور على معرفة الجمهور الذى تعامل معه هذا الفريق الأول وأليات التعامل معه ، والتى رسخ لها الكتاب والسنة ، وهذا ما سنعرفه فى المقال القادم إن شاء الله تعالى فإنتظرونا .

التعليقات

تعليقك على الموضوع

تم ارسال التعليق