اللامركزية كسبيل للخروج من دائرة الشلل الحكومي

باسم الزيدي - خاص بـ "شبكة المدونون العرب"

"

يمكن ان تعرّف اللامركزية على انها "نظام لتوزيع السلطات الإدارية بين الحكومة المركزية والهيئات الإدارية المحلية المنتخبة في المحافظات التي تتولى إدارة شؤونها المحلية بالتنسيق مع السلطة المركزية وتحت رقابتها، وتمارس هذه الهيئات المحلية سلطاتها بموجب القانون وتحل محل السلطة المركزية استناداً إلى مبدأ الحلول في السلطة".
ويُمكن تعريف اللاّمركزية على أنها "عدم تركيز السلطة بمستوى إداري واحد، وتوزيعها على المستويات الإدارية المتعددة في المؤسّسة أو الدولة".
كما يعرفها عالم الإدارة (وايت) بأنها "عملية نقل السلطة بأنواعها التنفيذية والاقتصادية والتشريعية من مستوى إداري أعلى إلى مستوى إداري أدنى".
أما العالم (ماديك) فيعرفها على أنها "تتكوّن من مصطلحين: المصطلح الأول هو تفكيك السلطة، وتعني: قيام الإدارة المركزية بتفويض السلطة إلى إدارة بعيدة جغرافياً للقيام بمهام معينة، والمصطلح الثاني يتعلق بالتخويل وهو: منح السلطة الدستورية بعض صلاحياتها للقيام بوظائف معينة".
وتتنوع اللامركزية بين الجغرافية والوظيفية والسياسية والاقتصادية وغيرها، تبعا لطبيعة نوع العمل اللامركزي المطلوب تحقيقه في المجالات آنفة الذكر، والتي أسهب اهل البحث والتحليل في سرد تفاصيلها ودقائقها لكن من دون الإشارة الى دور المواطن او الشعب فيها والتي من المفترض ان يكون فيها (الانسان) المحور الذي تدور حوله اللامركزية.
غياب ذكر المواطن في اغلب هذه التوصيفات عن اللامركزية خالفه المرجع الراحل السيد محمد الشيرازي في كتابه (الفقه/ الإدارة) عندما أشار اليها بالتعريف على انها "ممارسة فعلية لمبدأ الاستشارية السياسية التي تقوم على اساس مشاركة المواطنين في إدارة شؤونهم وفي صنع القرار بأنفسهم"، خصوصاً عندما يكون هنالك "مجلس تأطير التشريع في ظل نظام استشاري يوفر مبدأ السيادة الشعبية، ممثلة في حرية الاختيار والمعارضة والتعبير عن الرأي والأخذ بالأغلبية ووجود رقابة شعبية على صانعي القرار، فان نقل السلطات الى المحليات ومنح المحافظين كافة السلطات والمسؤوليات دون الرجوع الى السلطة المركزية، هو تطبيق عملي للاستشارية".
ولعلنا احوج ما نكون في عصرنا الراهن الى فهم كيفية بناء مفهوم اللامركزية ومن ثم تطبيقه عملياً حتى نتجنب ويلات المركزية وما عانته شعوب المنطقة والعالم من اثارها المدمرة على المستوى السياسي والاقتصادي والجغرافي والاجتماعي والثقافي والذي سلب إرادة الناس في المشاركة في الحكم واتخاذ القرار وتحقيق التنمية والرفاهية والتطور.
وتحدث الشيخ مرتضى معاش الى مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث، حول ما يمكن ان تقدمه اللامركزية من حلول تساهم في تغيير الواقع الاستبدادي للمركزية انه "يمكن ان تقدم اللامركزية الكثير من الحلول في تحقيق التنمية والتقدم، إذا ما اخذنا بنظر الاعتبار ان الكثير من الازمات المعاصرة التي نشهدها اليوم سببها استحواذ الحكومات المركزية على كل الموارد المتاحة في الدولة وبالتالي تهميش المواطنين وتهميش المحافظات والاقاليم وعدم المشاركة في الحكم او القرار".
وأضاف "بل ان كثيرا من المشاكل والازمات التي يمكن ملاحظتها اليوم سببها ان الفساد يأتي من خلال المركزية التي تمارسها الحكومة والقوانين التي تضعها وتؤدي الى شل حركة المواطنين عن العمل والتطور، ويمكن تقديم مثال على هذا الامر في ازمة الكهرباء التي أصرت الحكومة المركزية منذ البداية (منذ عام 2003) على ان يكون الحل مركزي، ولو كان الحل لا مركزي لانعدمت مشكلة الكهرباء في الوقت الراهن".
مبيناً "ان الحل الحقيقي لازمة الكهرباء كان لا بد في ان يبدأ من القاعدة من خلال قيام المحافظات والاقضية والمدن وحتى القرى بعملية توليد الطاقة من داخلها ومن ثم نشر هذه الطاقة الى باقي المحافظات والمدن، أي تقوم بعملية بيع لهذه الطاقة، كما يحصل الان في كثير من دول الغرب (كندا على سبيل المثال تقوم بتشجيع الناس عن طريق اقراضهم لتوليد الكهرباء من الطاقة الشمسية واخذ ما يسد حاجته وبيع الفائض الى الحكومة)".
ويرى ان "مشكلتنا الأساسية سببها ان الحلول المركزية هي حلول فاشلة، والحكومة المركزية هي حكومة فاشلة، وبالتالي لا بد من الذهاب وراء اللامركزية وتشجيع المواطنين على المشاركة والاستثمار وتفعيل دور القطاع الخاص عبر وضع قوانين تشجع على اللامركزية وتخرج الكثير من القدرات والقوى التي بيد السلطة المركزية".
"اللامركزية لا تعني بالضرورة مجرد نقل الصلاحيات من العاصمة (الحكومة المركزية) الى المحافظات (الحكومات المحلية)، بل ان المركزية في معناها الحقيقي عملية بناء تفويض السلطة وتحقيق المشاركة الشعبية الشاملة، بمعنى مشاركة كل الشعب في الحكم وبناء البلد والاعمار والتنمية من خلال وجود اليات توضع بعد دراسة وبحث دقيقين".
في معرض اشارته الى فوائد اللامركزية يؤكد الإمام الشيرازي على فوائد النظام اللامركزي لما فيه خدمة الصالح العام، وأهمها (كما أوردها في كتابه) هي ايجاد العلاقة المباشرة بين الجماهير والمسؤول المحلي في المحافظة، بحيث تتم تلبية حاجات الجماهير أسرع مما لو كانت العلاقة بين الجماهير والمسؤول في الحكومة المركزية. ويضيف بأن هذا الواقع من شأنه أن يحد من "الاضطرابات والانقلابات".
كما يشير السيد الشيرازي الى فرصة النضوج الإداري لدى المسؤولين المحليين، عندما يكونون مقابل المسؤولين في الحكومة المركزية، بحيث يكون همهم التطبيق الأصح والأكمل للقوانين العامة، كما يكونون حريصين على الأداء الجيد في داخل المحافظة، ثم تكون هنالك حالة تنسيق وتواصل بين المحافظة الواحدة وسائر المحافظات، بما يفتح الطريق أمام التنافس والتسابق نحو الأفضل.
ويورد الامام الشيرازي في كتاب "الفقه الإدارة" ما يمكن ذكره عن مساوئ اللامركزية، التي من أبرزها زيادة النفقات الحكومية على الدوائر المستحدثة من الوزارات والمديريات، وايضاً زيادة أعداد الموظفين في عموم البلاد، وكذلك احتمال حصول التعارض في بعض القوانين القضائية بين المحافظة والمركز، لأن التقاء الجماهير والقيادة السياسية على هذا النظام يجعلها محط الانظار ومكمن الآمال والطموحات، لكن "بشرطها وشروطها"، وفي مقدمتها الأمانة التي يجب أن يتحلّى بها المسؤولون والسياسيون.
لكن في جميع الأحوال فان اللامركزية من شأنها أن تسهم في دفع عجلة الاقتصاد والتسريع في النمو والتطور والخروج من دائرة الشلل الحكومي بفضل الصلاحيات الممنوحة للمحافظات والمواطنين وتحقيق المشاركة المجتمعية الشاملة.



أراء حره

"

التعليقات

تعليقك على الموضوع

تم ارسال التعليق