الإِتـْــبــاع والجــذور

الدكتور محمد فتحي راشد الحريري - الإمارات العربية المتحدة

الدكتور محمد فتحي راشد الحريري - الإمارات العربية المتحدة

الدكتور محمد فتحي راشد الحريري - الإمارات العربية المتحدة - خاص بـ "شبكة المدونون العرب"

"

العرب أمّة بلاغة وبيان ، وقد ابتكروا أساليب بيانية كثيرة في لغتهم زادتها جمالا وبهاء ، فشاع في لغة الضاد ظواهر جمالية متعددة ، مثل الاشتقاق والإبدال والمشترك والترادف (الجزئي) والقلب ، والنحت والإتـبـــاع ، موضوع بحثنا :
قال ابن منظور عن الإتباع (ولم يأت بتعريفٍ جامع مانع له ):
الإِتْباعُ في الكلام: مثل حَسَن بَسَن وقَبِيح شَقِيح. ، والمتتبع يلاحظ أنّ هذا دارج في لغة العرب الفصحى ولهجاتهم ، وله أمثـلـــة أخرى كثيـــرة .
وهو من الجذر الثلاثي (ت ب ع) ، تبع الشيء تبعــاً وتبوعا ، أي سار في أثره وعلى نهجه . وهو عمليّا (أو تطبيقياً) أن نأتي بلفظتين متتابعتين على وزن واحد غالباً، بدون حرف عطف، إحداهما تؤكد الأخرى أو تضفي عليها مسحة من الجمال أو تعطي المستمع أملا بشيءٍ يتوقّعـه .
واللفظتان المتواليتان ليس بالضرورة أن تكونا من عائلة جذورية واحدة ، فقد تنتميان إلى جذر واحد وقد يكونان من جذرين مختلفين ، مثل ( حسن بسن ) أو (شذر مذر).
ولنلاحظ أنَّ الاختلاف بين التابع والمتبوع غالبا ما يكون بحرف واحد كـ : حيص بيص ، شحيح نحيح ، خبيث نبيث ، جائع نائع ، وقد يكون الاختلاف بأكثر من حرف ، كـ: عرص هبص
وزيطـــة زنبليطــة ، أو .............. الخ .
ومثال الكلمتين  المنحدرتين من أصل واحد : دهرٌ داهــر ، عامٌ أعــوم .......
وقد تسرّب الإتباع الى اللهجة العامية فدرج فيها للهدف نفسه الذي اسْتُعمل له في الفصحــــــــى ، ومن أمثلته في العامية :
السمن والممن
شرنّ برنّ
نوري أندبــــوري
سيّاحـــة ميّــاحــة .................
ومن الأمثلة في الفصيح :
زيط هيط ، الزّياطُ والهياط: أصوْات تزيطُ زَيطاْ، وهاطت تهيطْ هبْطاً مثله، قال المتنخلُ الهذلي يصف ماءً:
كأن وغى الخموْش بجانبـيهْ *** وغى رَكْبٍ أميمٍ أوْلي زَياطِ
وزيطة زنبليطــــــــــــة ، ولافظ لاحظ ، وسارق مارق وغير ذلك ...
أما الهدف من الاتباع فهو جمالي ،
أو شبه التأكيد  أو لإشاعة الأمل في نفس المخاطَب إذا كان قد طلب من المتكلم شيئا ، وهو يؤمّل الخير منه ، كأن يطلب منه متاعا معينا فيقول له :
أبشر ، سأعطيك  المليح القزيح .
ومن جـهــةٍ أخرى فالإتباع ظاهرة لغوية تجعل المتلقي يتوقع لفظــة (مخزونــة في ذهنه )إذا ما سمع لفظة مباشرة:
 إذا سمع (حيص) يتوقع (بيص) ، مثلما إذا سمع (بالرفــاه) تنامى إلى سمعه مباشرة (والبنين) أو لو سمع (هنيـئــاً) لتبادرت إلى ذهنه لفظة (مريـئــاً) .
والإتباع يفيد بالمجمل تقوية المعنى ، فلا هو توكيد تماما ولا هو ترادف ، وإنّـمـا وضعته العرب لهدفين اثنين ، ولم يضعوه عبثا ، وهم فرسان البلاغة ،
بل حاشا أن ينطق لسانهم بالعبث :
وضعوه لتقوية المعنى ، ولإضفـــاء مسحة جمال على التعبير .
وفي ختام بحثنا الوجيز نذكر للفائدة بعض منْ أشاروا إلى الإتباع في كتاباتهم :
-الأزهري ( ت370 هـ ): في كتاب تهذيب الكمال .
-سيبويــه (ت 180 هـ ): في الكتاب .
- ابن سيده( ت 458  هـ ): في كتاب المخصص ، حيث أفرد له باباً .
-ابن فارس ( ت 395 هـ ) : كتاب الإتـبـاع والمزاوجـــة .

"

التعليقات

تعليقك على الموضوع

تم ارسال التعليق