انتحار الأدباء في الجذور(2)

الدكتور محمد فتحي راشد الحريري - الإمارات العربية المتحدة

الدكتور محمد فتحي راشد الحريري - الإمارات العربية المتحدة

الدكتور محمد فتحي راشد الحريري - الإمارات العربية المتحدة - خاص بـ "شبكة المدونون العرب"

"

نتابع حديث الانتحار الذي بدأناه في الأسبوع الماضي :
(1)وأغرب حادثة انتحار في أدبنا الحديث مارواه الأديب الأستاذ إداور الخراط عن الشاعر الشاب المصري منير رمزي وهو من جيل الأستاذ الخراط وكان حينها أي في الأربعينيات طالبا جامعيا، رهيف الحس، رحب الخيال ، سيال القلم ، آنس من نفسه القدرة على كتابة الشعر فاستجاب لمواهبه فنظم الشعر ولا شك أنه كان شعرا رومانسيا ، يصف خفقات القلوب ولواعج الهوى وألم السهاد والبعاد، وكان ذلك عهد صعود “أبولو” وشعراء الرومنطيقية الكبار رامي وناجي وصالح جودت وأبي شادي وغيرهم وكان منهم منير رمزي الذي أحب فتاة جامعية ونظم فيها الشعر ولما كان حييا خجولا لم يجد القدرة على الحديث معها حتى شجعه الأصدقاء ولعل الأستاذ الخراط واحد منهم فلما لم تأبه الفتاة لكلامه ولا وضعت لحبه اعتبارا ولا لشعره قيمة قضى على نفسه ومات في ميعة الصبا.
أما الشاعر أحمد العاصي وأحسب أن مجلة الفيصل السعودية وفي عدد من أعدادها الصادرة في الثمانينات تناولت قصة حياته وتفاصيل موته منتحرا.
وكان أنور عاصي كئيب النفس يحمل في وجدانه معاناة الوجود واليأس من الحياة وتباريحها، ولربما لم يحقق أنور عاصي ما طمح إليه من شهرة كاسحة ودوي يخترق الآذان، خاصة والإنسان في حياته الأولى وفي صدر شبابه يتعشق الشهرة تعشق الفراش للنور ويسعى لشيوع الذكر سعيا غير كليل ، فلربما كان ذلك سببا لاختيار الشاعر الموت مختنقا ، فقد اكترى غرفة في أحد الفنادق وفي ليلة الرحيل تناول مخدرا أو منوما بعد أن فتح أنبوب الغاز يتسرب بهدوء وهكذا مات هذا الشاعر الشاب مختنقا بالغاز.
ويقص علينا الأستاذ صالح جودت في كتابه الصادر عن دار المعارف في سلسلة ” إقرأ” وأذكر أن عنوان الكتيب هو ” بلابل من الشرق” والأستاذ صالح جودت شاعر معروف كان من جماعة “أبولو” وكان صديقا لناجي وعلي محمود طه أقول يقص علينا قصة الشاعر صالح الشرنوبي(1924/1951)
وكان شاعرا نزح من قرية من قرى مصر إلى القاهرة ، وعرف هذا الشاعر بليونته وتسامحه حتى أنه كان يتأبط ذراع راهب من رهبان الكنيسة وهما يمشيان سويا في شوارع القاهرة وهو القائل :
غدا يا خيالي تنتهي ضحكاتنا
وآمالنا تــفنى وتــفنى المـشاعــر
وتسلمنا أيدي الحياة إلى البلى
ويحكم فينا الموت والموت قادر
وقد كان شاعرا يائسا من الحياة ، يحمل هم الوجود وتصاريف الفكر وأعبائه فضل إنهاء حياته بإلقاء نفسه تحت عجلة القطار على طريقة الشاعر التشيكي جوزيف أتيلا بعد أن ترك في جيبه ورقة كتبها إلى أهله أوصاهم فيها بطبع ديوانه الشعري، هكذا يخبرنا صديقه الشاعر صالح جودت في كتابه الآنف الذكر.
أماالكاتب إسماعيل أحمد أدهم(1911/1940) فهو حالة خاصة درس الرياضيات العليا في روسيا وجاء إلى مصر وهو من أصول تركية يعلم بالجامعة ويكتب في الأدب وعرف بخصومته الشديدة لعميدالأدب العربي الدكتور طه حسين ، ولربما أراد الشهرة لنفسه بافتعال الخصام ومعارضة النابهين والمشهورين، غير أن إسماعيل أدهم كان مضطرب الفكر متقلب النفس، ميالاإلى الإلحاد ولربما كان إلحاده انتقاما من الله بنفي وجوده وانتهاك محرماته أكثر مما هو جدل عقلي واستدلال منطقي وهو ماندعوه بالإلحاد النفسي، وقد كتب كتابا بعنوان ” لماذا أنا ملحد؟”،وحاول النيل من طه حسين بالتشهير به وتسفيه آرائه في الشعر الجاهلي واتخاذه مطية للصعود، أضف الى ذلك كله مرضه بالربو ومعاناته من هذا الداء العضال كل هذه الأسباب اجتمعت فأقنعته بالتخلص من حياته فأغرق نفسه في البحر في مدينة الإسكندرية.
ولازال قراء العربية وأنصار الشعر الحديث والمتحمسون للشاعر الأردني تيسير سبول وهو من رواد الشعر الحديث في الأردن أقول لازالوا يذكرون انتحاره يأسا من الحياة العربية وإخفاقات الواقع ونكد السياسة وعربدة إسرائيل بعد نكسة حزيران 67 واحتلال الجولان والضفة الغربية وسيناء وهو الشاعر القومي الطموح المتغني بأمجاد قومه، المتوثب لنهضة عربية تعيد بهاء صورة الأمس ، وإلى حرب تستأصل فيها الصهيونية ، ولكن الطموح الكامن في روح الشاعر لم يجد الواقع الذي يتجسد فيه هذا الطموح ، فرحل تيسير سبول بيده لا بيد القضاء. ويأتي في قائمة المنتحرين الشاعر اللبناني الكبير خليل حاوي (1925/1982) الشاعر والأستاذ الجامعي ، صاحب السمعة الذائعة والشهرة المدوية وهو شاعر كبير من رواد الشعر الحديث استملك أدواته وأتقن فنه فصار من الكبار من فئة صلاح عبد الصبور وأمل دنقل والسياب والملائكة والبياتي، واللافت في هذا الشاعر خريج الجامعة الإنجليزية والمتمكن من الثقافة العربية ميله إلى الوحدة والكآبة في سني عمره الأخيرة وكأنه استشعر راحة اليأس واستلذ مرارة الكآبة بعد عمر حافل خفق فيه القلب للأمجاد القومية، وتوثبت الروح للنهضة المنشودة واستشرف الشاعر قيام طائر العنقاء من رماده صحيحا معافى،مبشرا بعصر الخصوبة والربيع ونهاية الكابوس باندحار العدو – إسرائيل- ولكن الأيام أظهرت للشاعر غير الذي تمثله في خاطره، وتمناه في حلمه، فانطوى على نفسه وكان آخر دواوينه الشعرية يومئ بهذه الكآبة والإخفاق واليأس الوجودي ولا أدل على ذلك من عنوان الديوان ذاته ” نهر الرماد” وهو عنوان يوحي بالخيبة والعقم .

"

التعليقات

تعليقك على الموضوع

تم ارسال التعليق