انتحار الأدباء في الجذور(1)

الدكتور محمد فتحي راشد الحريري - الإمارات العربية المتحدة

الدكتور محمد فتحي راشد الحريري - الإمارات العربية المتحدة

الدكتور محمد فتحي راشد الحريري - الإمارات العربية المتحدة - خاص بـ "شبكة المدونون العرب"

"

الانتحار وهو انهاء الحياة بإرادة المنتحر، هربا من ظرف معيّن واستعجالاً لقدره ،
وفي الواقع لا يوجد في لغتنا العربية هذا المصطلح (انتحــار)، فلو بحثتَ في مفردات الجذر الثلاثي (ن ح ر) لما عثرت على الانتحار ، واليك قراءة سريعة في هذا الجذر الثلاثي الصحيح :
النَّحْرُ: الصَّدْر.
والنُّحُورُ: الصدُور. ابن سيده: نَحْرُ الصدر أَعلاه، وقيل: هو موضعُ القلادة منه، وهو المَنْحَر، مذكر لا غير؛ صرح اللحياني بذلك، وجمعه نُحور لا يُكَسَّر على غير ذلك. ونَحَره ينْحَره نَحْراً: أَصاب نَحْرَه.
ونَحَر البعيرَ ينحَره نحراً: طَعَنه في مَنْحَرِه حيث يبدو الحُلقوم من أَعلى الصدْر؛ وجَمَلٌ نَحِير في جمال نَحْرى ونُحَراء ونَحائِرَ، وناقة نَحِير ونَحِيرَة في أَنْيُق نَحْرى ونُحَرَاء ونَحائرَ. ويومُ النَّحر: عاشر ذي الحجة يومُ الأَضحى لأَن البُدْنَ تُنحر فيه.
والمنْحَر الموضع الذي يُنحر فيه الهدْي وغيره.
وتَناحَرَ القومُ على الشيء وانْتَحَرُوا: تَشاحُّوا عليه فكاد بعضهم يَنْحَر بعضاً من شِدّة حِرْصِهم، وتناحَرُوا في القِتال. بمعنى قريب من (تنافسوا) لكنها منافسة قاتلة، والنَّاحِرَانِ والنَّاحِرَتانِ: عِرْقان في النحْـر .
والواقع أيضا لا يعطينا أمثلة تفيد تجذر هذه الظاهرة وهي قتل النفس، عند العرب ، أما ظاهرة الانتحار عند أدباء الغرب فهي ظاهرة مألوفة يعرفها قارئ العربية جيدا وليس في حاجة إلى أن أذكره بانتحار كوستلر ، وهمنغواي، ويسنين و مايا كوفسكي، وكاواباتا، وفرجينيا وولف ، وجاك لندن وغيرهم، إنما تجدر الإشارة إلى انتحار الأدباء اليابانيين ذي الطقوس المعروفة بـ”الهاراكيري” ولقد نقل التلفزيون الياباني في السبعينات على المباشر انتحار الأديب (مشيما) بأن غرس السيف في صدره بينما تولى شخص أخر قطع رأسه والعجيب أن ذلك كان في بثٍّ تلفازي مباشر وقد كتب عن هذا الحدث في إحدى مقالاته الأستاذ أحمد بهاء الدين في مجلة العربي الكويتية التي كان يرأسها ، الذي تصادفت زيارته إلى اليابان مع حدث الانتحار هذا.
وللانتحار أسبابه والسبل المؤدية إليه ، فقد يكون الداء وأوجاعه واستحالة البرء منه ذريعة للعبور إلى ضفة العدم، ولكن الشائع في الانتحار عند الأدباء هو رفض المجتمع وقيمه واستحالة التكيف مع نواميسه فيلغي الأديب ذاته ويشطب نفسه من قائمة الأحياء بعد أن يدب اليأس إلى قلبه ويسكن في سراديب روحه وتلافيف مخه ، وعند بعض الأدباء والمفكرين حالة خاصة تصل بهم إلى الاعتقاد بعبثية الوجود الإنساني وبعماء الكون وانتفاء القصدية في الطبيعة والبشر وهذا يستلزم الوحدة والكآبة وتخلخل التوازن الذهني والنفسي يعجل بصاحبه إلى قعر الهاوية.
وأنا شخصيا لا أرى أي مبرر يبيح أو يسوّغ للمنتحر قتل نفسه .
والمعري تناول ظاهرة الانتحار في لزومياته ورأى بأنها حيلة الأنا في إنقاذ نفسها من تصاريف الحياة لولا الخوف من المجهول وهو خوف لا شعوري، يقول:
لولم تكن طرق هذا الموت موحشة** مخشية لاعتراها الناس أفواجا
وكل من ألــقت الدنيا علــــــيه أذى**يؤمها تاركا لــلعيــش أمــواجا
كأس المنية أولى بي وأروح لــــي**من أن أعالج إثــراء وإحواجــا
ومن حوادث قتل النفس في تاريخنا الأدبي العربي الأثيل ، ما نستخلصه من قصة المثل العربي الشائع (بيدي لا بيد عمرو ) ، قالته الزباء قبل أن تنهي حياتها.
أجمعت العديد من المراجع التاريخية ومجمعات الأمثال أن قائلة هذا المثل هي الزباء بنت عمرو بن الأظرب ، والتي اعتلت عرش تدمر خلفا لوالدها يعد قتله على يد جذيمة الأبرش ملك الحيرة ، وذلك بسبب التنافس الواقع بين المملكتين.
قصة المثل :
لم تسامح الزباء في قتل أبيها ، فبعد اعتلت العرش واستقرت في يدها السلطة ، أخذت تخطط للإيقاع بقاتل أبيها ، فأرسلت إلى جذيمة تعرض عليه الزواج منها لكي تتوحد المملكتين ، فجمع جذيمة ابن الابرش رجاله ومستشاريه ليأخذ رأيهم في الأمر ، فأشاروا عليه بالموافقة عدا مستشار واحد يدعى قصير بن سعد ، الذي لم ينطلي عليه الأمر ، وظن فيه خدعه ، ولكن الملك جذيمة لم يستمع له ، وذهب إلى تدمر تاركًا ابن اخته عمرو ابن عدي ليتولى مهام الحكم في الحيرة .
ولما وصل الملك ودخل على الزباء وجدها بكامل ملابسها الحربية ، وكانت الزباء فارسة تعرف فنون القتال ، ولا يستهان بقدرتها على الحرب ، فأجهزت على جذيمة ، ومات صريعا في مملكتها ، ولما بلغ نبأ غدر الزباء بالملك جذيمة إلى الحيرة قرر عمرو بن عدي الثأر لخاله بمساعدة قصير بن سعد ، وكان قصير داهية من دواهي العرب. لديه من الذكاء والتفكير ما جعله أهم مستشار لدى عمرو ، فقد طلب من عمرو أن يجعل رجاله يقطعوا أنفه ويجلدوه حتى تتمزق ملابسه ليذهب بعدها إلى الزباء يحتمي بها من بطش عمرو، .وبالفعل ذهب قصير وأخبرها أن عمرو فعل به هذا لأنه هو من أشار بزواجها من الملك جذيمة ، فانطلت الحيلة على الزباء ، وأكرمته وأسكنته قصرها ، وظل هناك حتى عرف مداخل القصر ومخارجه السرية .وذات يوم طلب منها الإذن بالخروج لإحضار تجارة كبيرة له في الحيرة ، وبالفعل جاء قصير ومعه قافلة كبيرة محملة بأجولة كثيرة ، ولما وصلت القافلة إلى ساحة قصر تدمر فتح قصير الأجولة ، فإذا برجال عمرو يخرجون منها.
فلما رأت الزباء ذلك أسرعت بالهرب من مخبئها السري ، ولكنها وجدت عمرو ينتظرها هناك ، فقالت حينها مقولتها الشهيرة : بيدي لا بيد عمرو ، وتجرعت السم الذي كان في خاتمها ، ومن حينها والعرب يطلقون تلك المقولة مثلًا حينما يفسد الشخص ما يملكه بدلًا من أن يفسده عدو له.
ومن حكايات قتل النفس وأخبار ذلك عند العرب قصة الطفيل ، وردت في صحيح مسلم (116) عَنْ جَابِرٍ قال : ... فَلَمَّا هَاجَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ هَاجَرَ إِلَيْهِ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو وَهَاجَرَ مَعَهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ ، فَاجْتَوَوْا الْمَدِينَةَ فَمَرِضَ ، فَجَزِعَ فَأَخَذَ مَشَاقِصَ لَهُ فَقَطَعَ بِهَا بَرَاجِمَهُ فَشَخَبَتْ يَدَاهُ حَتَّى مَاتَ ، فَرَآهُ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فِي مَنَامِهِ ، فَرَآهُ وَهَيْئَتُهُ حَسَنَةٌ وَرَآهُ مُغَطِّيًا يَدَيْهِ !! فَقَالَ لَهُ : مَا صَنَعَ بِكَ رَبُّكَ ؟ فَقَالَ : غَفَرَ لِي بِهِجْرَتِي إِلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَقَالَ : مَا لِي أَرَاكَ مُغَطِّيًا يَدَيْكَ ؟ قَالَ : قِيلَ لِي : لَنْ نُصْلِحَ مِنْكَ مَا أَفْسَدْتَ . فَقَصَّهَا الطُّفَيْلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (اللَّهُمَّ وَلِيَدَيْهِ فَاغْفِرْ  وقد ترجم عليه الإمام النووي رحمه الله في شرحه لصحيح مسلم : ( باب الدليل على أن قاتل نفسه لا يكفر ) ، ثم قال في شرحه :
" فيه حجة لقاعدة عظيمة لأهل السنة : أن من قتل نفسه ، أو ارتكب معصية غيرها ، ومات من غير توبة : فليس بكافر ، ولا يقطع له بالنار ؛ بل هو في حكم المشيئة الإلهية .
ونتابع في الحلقة القادمة ان شاء الله بعيدا عن النحر ويوم النحر، وقد كثر الحديث عنه وعن أحكامه في هذه الأيام، لنغير الأجواء بحديث عن نحر الناس أنفسهم.

"

التعليقات

تعليقك على الموضوع

تم ارسال التعليق