ليلة الشرف العظيم

الدكتور محمد فتحي راشد الحريري

الدكتور محمد فتحي راشد الحريري

شبكة المدونون العرب - الدكتور محمد فتحي راشد الحريري - الإمارات العربية المتحدة

القَدَرُ محرّكةً : القَضَاءُ المُوَفَّق نقله الأَزهرِيُّ عن اللَّيْث وفي المُحْكَم : القَدَرُ : القَضَاءُ والحُكْمُ وهو ما يُقَدِّرُه اللهُ عَزَّ وجَلَّ من القَضَاءِ ويَحْكُم به من الأُمورِ .
وهو أحد أركان العقيدة الصحيحــة ، أي أن تؤمن بالقضاء والقدر خيره وشره من الله تعالى . وتسمي العرب القِدْر بهذا الاسم لأنَّ ربة البيت تطبخ فيه فتضع مقادير ثابتة من الماء والبرغل والملح حسب العائلة .
وقال الزبيدي في التاج :والقَدَر أَيضاً : مَبْلعُ الشَّيْءِ . ويُضَمُّ نقله الصاغانيّ عن الفرّاءِ كالمِقْدَارِ بالكَسْر . والقَدَر أَيضاً : الطَّاقَة كالقَدْرِ بفَتْح فسُكُون فِيهما أَمّــــا في معنَى مَبْلَغِ الشَّيْءِ فقد نَقَلَه اللَّيْث وبه فَسَّرَ قَولَه تَعالَى : ((ومَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِه )) سورة الزمر /67. قال : أَي ما وَصَفوهُ حَقَّ صِفَتِه . وقال : والقَدْر والقَدَر ها هنا : بمعنىً وهو في الأَصْلِ مَصْدرٌ . وقال أَيضاً : والمِقْدَارُ : اسمُ القَدَرِ . وأَمّا في مَعْنَى الطَّاقَةِ فقَدْ نُقِلَ الوَجْهَانِ عن الأَخْفَشِ ؛ ذَكرَه الصاغَانيّ وذَكَرَه الأَزْهرِيّ عنه وعن الفَرّاءِ . وبِهمَا قُرِئَ قولُه تَعَالَى : ((ومتّعوهن عَلَى المُوَسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى المُقْتِرِ قَدْرُهُ ، مَتَاعًـــــــــا بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ .)) سورة البقرة / 236. قال الأَزهريُّ : وأَخْبَرَنِي المُنْذِرِيّ عن أَبي العَبّاس في قوله تعالَى : على المُقْتِر قَدَرُه . وقَدْرُه قال : التَّثْقِيلُ أَعْلَى اللُّغَتَيْنِ وأَكْثَرُ ولِذلك اخْتِير . قال : واخْتَار الأَخْفَشُ التَّسْكِينَ قال : وإِنَّمَا اخترنَا التَّثْقِيلَ لأَنّه اسمٌ . وقال الكسائيّ : يُقْرَأُ بالتَّخْفِيف وبالتَّثْقِيل وكلٌّ صَوابٌ . قلتُ : وبالقدْرِ بمعنَى الحُكْمِ فُسِّرَ قولُه تعالَى : ((إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ)) سورة القدر /1 . أَي الحُكْمِ كما قال تعالَى عن تلك الليلة العظيمة قدْرا وشرفا وتجلّــــــةً: (( فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ )) سورة الدخان / 4 ، وأَنشد الأَخْفَشُ لهُدْبَـــــــــةَ بنِ الخَشْرَمِ :
" أَلاَ يَـــــا لَقَوْمِي للنَّوائبِ والقَدْرِ *** وللأَمْرِ يَأْتِي المَرْءَ مِنْ حَيْثُ لا يَدْرِي
وجاء في تفسير قوله تعالى :(( فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ )) : اختلاف أهل التأويل في هذه الليلة التي يُفرق فيها كلّ أمر حكيم, نحو اختلافهم في الليلة المباركة ذاتها, وذلك أن الهاء التي في قوله (فِيهَا)عائدة على الليلة المباركة, فقال بعضهم: هي ليلة القدر, يقضي فيها أمر السنة كلها من يموت, ومن يولد, ومن يعزّ, ومن يذل, وسائر أمور السنة وأقدار البشر.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا مجاهد بن موسى, قال: ثنا يزيد, قال: أخبرنا ربيعة بن كلثوم, قال: كنت عند الحسن, فقال له رجل: يا أبا سعيد, ليلة القدر في كلّ رمضان؟ قال: إي والله, إنها لفي كلّ رمضان, وإنها الليلة التي يُفرق فيها كل أمر حكيم, فيها يقضي الله كلّ أجل وأمل ورزق إلى مثلها.
حدثني يعقوب, قال: ثنا ابن علية, قال: ثنا ربيعة بن كلثوم, قال: قال رجل للحسن وأنا أسمع: أرأيت ليلة القدر, أفي كل رمضان هي؟ قال: نعم والله الذي لا إله إلا هو, إنها لفي كل رمضان, وإنها الليلة التي يُفرق فيها كل أمر حكيم, يقضي الله كلّ أجل وخلق ورزق إلى مثلها.
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال عبد الحميد بن سالم, عن عمر مولى غفرة, قال: يقال: ينسخ لملك الموت من يموت ليلة القدر إلى مثلها, وذلك لأن الله عزّ وجلّ يقول: ( إِنَّا أَنـزلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ ) وقال ( فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ) قال: فتجد الرجل ينكح النساء, ويغرس الغرس واسمه في الأموات.
حدثنا ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن سلمة, عن أبي مالك, في قوله: ((فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (() قال: أمر السنة إلى السنة ما كان من خلق أو رزق أو أجل أو مصيبة, أو نحو هذا.
قال: ثنا سفيان, عن حبيب, عن هلال بن يساف, قال: كان يقال: انتظروا القضاء في شهر رمضان.
حدثنا الفضل بن الصباح, قال: ثنا محمد بن فضيل, عن حصين, عن سعيد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن في قوله ) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ( قال: يدبر أمر السنة في ليلة القدر.
حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله  فِيهَا قال: في ليلة القدر كل أمر يكون في السنة إلى السنة: الحياة والموت, يقدر فيها المعايش والمصائب كلها.
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ) إِنَّا أَنـزلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ ( (ليلة القدر ) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ) كُنَّا نُحدَّثُ أنه يُفْرق فيها أمر السنة إلى السنة.
حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة, قال: هي ليلة القدر فيها يُقضى ما يكون من السنة إلى السنة.
حدثنا ابن حميد, قال: ثنا جرير, عن منصور, قال: سألت مجاهدا فقلت: أرأيت دعاء أحدنا يقول: اللهمّ إن كان اسمي في السعداء, فأثبته فيهم, وإن كان في الأشقياء فامحه منهم, واجعله بالسعداء, فقال: حسن, ثم لقيته بعد ذلك بحول أو أكثر من ذلك, فسألته عن هذا الدعاء, قال ): إِنَّا أَنـزلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ(قال: يقضى في ليلة القدر ما يكون في السنة من رزق أو مصيبة, ثم يقدّم ما يشاء, ويؤخر ما يشاء فأما كتاب السعادة والشقاء فهو ثابت لا يغير.
وفي تحديد موعد ليلة القدر اختلف أهل التأويل ولكّلّ مستنده ودليله ، ويميل كثيرون إلى ترجيح الأيام الفرادى من العشر الأواخر من الشهر المعظم ، ومنهم من يرجح ليلة السابع والعشرين ، وهنا تبرز مشكلة متى تكون الليالي الفرادى؟
وذلك بسبب الاختلاف في بدء الصيام ، ففي هذه السنة بدأ أكثر المسلمون الصوم يوم الخميس ، ومنهم من بدأ الصوم قبل ذلك ، فمتى وكيف نعتمد الحساب؟ّ! ويروى عن ابن هبيرة أن ليلة القدر تُرجى في العشر الأواخر إن صادفت ليلة منه ليلة جمعة ؛ وكان اهل العرفان والحكمة والتصوف الصحيح يعتبرون جميع الليالي الرمضانية ليلة القدر بميزانهم الايماني الخاص، يقول ابن الفارض:
وكلُّ الليالي ليلةُ القدر  ان دنت ***كما كل أيام اللقا يومُ جمعة ِ.
هذا والله أعلم .

التعليقات

تعليقك على الموضوع

تم ارسال التعليق