على قيد الموت

الكاتبة:هدى ثابت - فلسطين

الكاتبة:هدى ثابت - فلسطين

الكاتبة:هدى ثابت - فلسطين - خاص بـ

"

"على قيد الموت" رواية من القطع المتوسط ممتدة على 215 صفحة.
عن بيت الياسمين للنشر والتوزيع/ الطبعة الأولى لبيت الياسمين 2016.
لوحة الغلاف للفنان غانم الدن.
تصميم الغلاف للفنان محمد نصار.
تأليف الروائي الفلسطيني الشاب عمر فارس أبو شاويش.
قدّم الروائي الفلسطيني عمر أبو شاويش روايته  "على قيد الموت "  كشاهدٍ صادقٍ على حكايةٍ من حَكَايا غزة التي لا تنتهي، فهذه المدينة على ما يبدو تعشق الحَكَايا غير المنتهية.
فردَ الروائي عرضه الأدبي عبر قصةٍ مدروسةٍ بعنايةٍ وحرفيةٍ بالغة، تدل على تمكّنٍ من الأدوات وتحكّمٍ في خط سيرها الدرامي الفني الدقيق.
في واقع الحال الأدبي الفلسطيني قلّما نرى روائياً يقود مفرداته لإيصال القارئ لما يريده بكل هذه الدراية والشمولية والإحاطة والحرفية.
لقد نجح الأديب عبر بساطة المفردات وسلاسة الجمل في نسج رواية محكمة لا فجوات فيها ولا محطات استفهامٍ ولا زوايا غامضة، وهذا ما يشجعنا كقراء ونقاد على الاستمرار في قراءة ما يكتبه عمر أبو شاويش، فالتعصب للمفردة والتوجه صوب الغموض والركون لأساليب التعقيد يُنفر القُرّاء ولا يجدد بيعتهم مع الكاتب بحال من الأحوال، خاصةً في قضايا تتناول واقعاً ملموساً وحساساً كواقعنا الفلسطيني عموماً والغزيّ تحديداً، عندما يتناول كُتّاب هذه المناطق المأهولة بالتعقيدات واقع حالهم وحال مَنْ يمثلونهم في أعمالهم الأدبية بكل هذه السلاسة يوصلهم هذا لهدفهم بطريقة أيسر ويحقق المطلوب من القراءة بشكلٍ أفضل. هذا من جانب، ومن الجانب الآخر يقرأ مَنْ هم خارج حدود هذه المناطق شهادةً حية صادقة وجزلة ويشاهدون صوراً تم التقاطها بأمانة لتبقى شاهدة على تاريخ بعيد عن التزييف والتحريف.
نحن إذاً، أمام كاتبٍ بطلٍ قدّم واقعاً بغلافٍ حقيقي لم يعمد لتزيينه بالغموض وتلوينه بالمحسنات الزائدة كي يصل لمستوياتٍ أعلى، لقد بدأ عمله بقوة استمرتْ على امتداد الرواية كلها ولم ينتابها أي ضعف في أي من محاورها، إن التزام الروائي بالبساطة والصدق والحكمة والذكاء في إدارة العمل يجعله في مصافٍ متقدمة ويحتل رغم كل ما يحيط بنا من تعقيدات في الأعمال الأدبية المراتب الأولى بجدارة.
يرصد عمر أبو شاويش في روايته صور حربٍ قبيحةٍ شُنتْ على قطاع غزة وهي واحدة من عدة انتهاكات لحرمة مدينة عصيّة على الفناء مهما استنزفتها الحروب، إن لملمة الصور الإنسانية بقلم الروائي الشاب الذي يشبه عدسة مصورٍ محترفٍ من أزقة مخيمات اللجوء بكل هذه الشمولية ومن ثم اختزالها في نصٍ روائي متقن ومدروس بعناية عبر جملٍ متناغمة ومتناسقة تشكل بترابطها أبواباً متلاحمة ومتراصة بشكل لا يدع مجالاً للانفلات ولا التسيّب ويأخذك بكل يسر لعمقٍ مفهومٍ وحبكةٍ هندسية بارعة لهو نجاحٌ يحقُ للكاتب أن يفخر به ويحق لنا كقراء ونقاد أن نفخر به، إنه ليس بالعمل السهل أن تترجم صور الحياة البسيطة المهمشة في يومياتٍ حربية بامتياز وتحولها إلى مشاهد أدبية محكمة، إنه عملٌ يحتاجُ الكثير من الدقة في اختيار الفلسفة المناسبة لهذا الواقع وما يناسبه من جملٍ ولغةٍ استطاع الكاتب ببراعة تطويعها وتسهيل مدلولاتها لتلائم جميع المستويات الثقافية، إنَّ ذكاء الكاتب –كما ننوه دائماً- لا يكون بحال من الأحوال في اختيار الصعب وتعقيد الأمور وإظهار البعد الفلسفي بكل ما فيه من صلابة وقسوة وزجه بشكله الفج في وجه القارئ، ذكاء الكاتب يتجلى في هذه الرواية كنموذج للروائيين الشباب في تطويع اللغة لخدمة القضية.
عندما تكون في بؤرة الحدث وتعتاش على الصور الحقيقية التي تلامس يومياتك لا يمكن أن تُصدّر للآخرين النيغاتيف، بل على العكس ستكون فدائياً في اقتحام يومياتهم ودسِّ تفاصيل صورك الأصلية فيها، وهذا الاقتحام النضالي هو ما نشاهده في هذه الرواية قبل أن نقرأه.
تتشظى لغة الرواية على استقامتها للتتوزع على مشاهد متنوعة، فترصد تارةً آثار الخراب النفسي وموسيقى الموت الواقع حقيقةً والمنتظر على رأس كل لحظة عبر قصص إنسانية بالغة الهشاشة والتفرد والمحلية، وتارةً أخرى ترصد ذلك الاغتراب النفسي والحنين الموجع مغلفاً بموسيقى ناعمة لا مفر من الانسجام معها بل وشمّ رائحتها عند قراءة كل مقطعٍ بكثيرٍ من التأييد والمبايعة على صدق المشاعر وعمق الإحساس.
الروائي عمر أبو شاويش يستحق في هذه الرواية أن نعتبره نموذجاً ليس فقط لأقلامٍ حديثة العهد، بل أيضاً لقديمة العهد في الكتابة الروائية، وروايته "على قيد الموت" تستحق أن تكون مرجعاً لتأريخ يوميات ستندثر إن لم تجد دماغاً متفتحاً ذكياً يخطط لتسجيلها بهذه الدقة وقلماً صادقاً يؤرخ ويحتفظ بفهرس للأجيال القادمة وعيناً صقرية تلتقط الصور لتعيد إرسالها للعالم أصلية وليست نيغاتيف.

"

التعليقات

تعليقك على الموضوع

تم ارسال التعليق