رحم الغوطة الذي يقهر المستحيل

الكاتبة: أمان السيد - سوريا

الكاتبة: أمان السيد - سوريا

الكاتبة: أمان السيد - سوريا - خاص بـ "شبكة المدونون العرب"

"

 في الغوطة حيث الزمن مُعَنْون بالموت المتلاحق، الغوطة التي اختلطت صباحات ومساءات أهلها، فبقي الموت هو المؤشّر الوحيد على وجودهم.
وحيث أهل الغوطة يخطّون اليوم أساطير في البطولات، والمآثر والأمجاد شِيبا، وشبّانا، ونساء، وأطفالا تصهرهم بوتقة واحدة في صمود وتحدّ يدفعانهم إلى التمسك بأرضهم طوال سنوات تجاوزت بمرورها حسابات عوالم الأحياء.
تحدّ، وجرأة يشيد بهما الأحرار والعقلاء ممن لا تزال قلوبهم تهفو إلى الحق، وتسبّح للنور الذي يبدو مغيّبا عند الكثيرين الذين يقطنون قريبا من حدود تلك البقعة المباركة، أرضٌ هي بذاتها تشهد بالذكريات، والأحلام المشتركة ممن كانوا يحسبون إخوة وأبناء وطن، أمّا خارج حدود سورية، فقد غدت تلك البقعة المباركة حديث العالم بصادقيه، وأّفّاقيه.
وفي الغوطة حيث يصير أقصى الفرح أن يهنّئ الناس بعضهم في أقبية، وسراديب بنوها طوال سبع سنوات أسفل بيوتهم بسواعد، وأظافر لا تكلّ، وبأدوات بسيطة ابتكروها، يهنئون بعضهم بأنهم ما يزالون ينتمون إلى الأحياء، حتى وإن انحشروا في تلك الأقبية والسراديب المعزولة عن وجه الأرض إثر قصف يتوالى متراكما فوق رؤوسهم، وحتى وإن كان قد وصلهم أن البعض قد سقط شهيدا، وهو يطلّ برأسه من ذاك النفق يتحسّس ضوء النهار، أو يعبّ نفحة من عبير أرض اضطّر أن يحتمي برحمها درءا للخطر الذي يستعر في الأعالي.
يحكون، ويتندّرون بمدن اكتُشفت بالحفريات بعد مئات، وآلاف السنين، مدن سقطت فوق رؤوس أهلها بحضاراتهم، ومبانيهم، وأسواقهم، وسلوكياتهم اليومية، فصارت مرتعا للدراسة والبحث والاستقصاء، ومجالَ جدل لحفنة من المتطرّفين الذين أفتوا بتكفير أهلها رادّين ما رأوه إلى لعنة إلهية انصبت عليهم، بينما لجأ آخرون إلى القول بزلازل كانت السبب وراء ذاك الردم، أما من أوتي البصيرة، فلا بد وأنّ رؤيته لن تتجاوز الإنسان في كارثة وقودها الإنسان.    ماذا تراهم سيقولون يوما حين تسفر الحفريات عن سوريين بالآلاف والمئات، عن هياكلهم العظمية، وعن آلامهم المقروءة في ملامحهم الممزوجة بكبرياء الإصرار، بكبرياء صاحب الحق والكرامة الذي يرفض أن يفارق أرض آبائه وأجداده، عن ضحكاتهم التي لا بد أنها ستعلقُ على شفاه تفارق أصحابها الأرواح وهم يبتسمون لأمل يأبى أن يغادر.
وبمَ ستُنبي الحفرياتُ يوما، وهي تعثرُ بأجساد أطفال قتلوا واقفين، تتسابق منهم الأقدام والخطوات أمام رجال يوزعون علب البسكويت، والحلوى متفلّتين من صرخات أهل يحذّرونهم، فلا هم يحجمون، ولا أهلوهم يستطيعون انتشالهم من القتل المترصّد بهم.
قطعة من البسكويت، والحلوى ستكون هي أشهى درجات الفرح والسعادة حين يحظى بها طفل بعد طول فقدٍ، وحرمان، في وقت تنثالُ فيه الحلوى والألعاب قريبا من حدود ذاك المكان والزمان، فرحٌ بسيط سيحوّل أطفال الأقبية إلى أنصاب مُغبرّة مردومة مع بقايا الحجارة، وجحيم صواريخ، وطائرات لا تكف عن الهدير!
وسيحكون، وسيتندّرون بآثار مساكن في القرن الحالي اضطرّ أهلها إلى نَحْت باطن الأرض، لتحويله إلى أماكن يتجمّعون فيها تحسبا من ضربات تهبط عليهم من سماء مكشوفة، لا تسكت، ولا يرعوي من يُطلقها من المجرمين والقتلة والطامعين من الغرباء، أشباه أماكن للعيش ينحشرون فيها بما تحمل من الرطوبة والعفن، والأمراض، والتكدّس الذي لا يليق بآدميين توارثوا المكرمات، والفخار، وها هم الآن يواصلون المسيرة بما يبدعونه ليتصبّروا به على حياة ترتع فيها كوابيس الحصار، وسيحكون عن مغاسل للموتى وبقايا أكفان بيض وسود، وعن مقابر رُدمت فيها أجساد شبان وأطفال جعلت من الأرض طبقتين، ولربما أكثر، تتجاور فيها أجساد أحياء يتحركون، ويحلمون، وينتظرون متعايشين مع قبور دفنوا فيها أحبتهم بللوها بدموع وصرخات أمهات، وزوجات شابات ثكلن أحبتهن، فاكتفين بترديد آيات من الذكر الحكيم، والهدهدة حيث لا أزاهير، ولا مراسم، والمُعزّون كل ينتظر دوره في زحام الموت العاجل في مكان منسيّ متجاهل من قبل أحياء ما يزالون يكذّبون ما يشهدون من الوقائع المؤلمة، ويجعلون أصابعهم في آذانهم لاتقاء صرخات وأنين أناس لا تخفى معاناتهم، يروحون يثرثرون، ويشيدون، ويطرُون المجرمين ويسوقون لهم في عهر ومجون.
سيحتجّ التاريخ يوما حين يكتبه الفجرة مغيبين الحقائق، وستنفض الأرض حكاياها للعلن، وسيحين موعد يتجمع فيه أحرار الإنسانية يشيّعون أولئك الشهداء إلى مثواهم الأخير بمواكب احتفائية تليق بهم، حتى وإن أطال هذا الزمان المشبوه مكوثه فوق صدورنا، فلا بد أن يستيقظ غافلوه حين تلاحقهم صرخات من قتلوا أحرارا مظلومين، صرخات لن تستطيع أخشن الثياب، ولا أصلب الكفوف أن تصمّ بها آذان من غيبتهم مصالحهم، وقذارة نفوسهم عما يجري لإخوتهم السوريين في الغوطة، وفي ثنايا التراب السوريّ.

"

التعليقات

تعليقك على الموضوع

تم ارسال التعليق