ترقيص الأولاد في لغة الجذور

الدكتور محمد فتحي راشد الحريري - الإمارات العربية المتحدة

الدكتور محمد فتحي راشد الحريري - الإمارات العربية المتحدة

الدكتور محمد فتحي راشد الحريري - الإمارات العربية المتحدة - خاص بـ " شبكة المدونون العرب "

(1)
الترقيص تفعيل من الثلاثي (ر ق ص)
الراء والقاف والصاد أصلٌ يدلُّ على النَّقَزَان( حركة الصعود والنزول). يقال رقَصَ يرقُصُ رَقْصــاً. وعند بعض الفقهاء الرقص حركات المخنّثين .
ويقال أرقَصَ البعيرَ: حمَلَهُ على الخَبَب وهو المشي المضطرب. قال جرير: ويُقــال رقَص السَّراب في لمعانه؛ ورَقَص الشَّرَاب: جاش. وهو قريب من حركة الغليان ،
والرّقَّاصة: لُعْبة. وفي لغة اليوم هي الراقصة وتُدعى ظلماً الفنانة ، وما الفنانة في الجذور إلا أنثى الفنّـان ، وهو الحمــار وتدعى الأتــان .
قال ابن بري نقلاً عن ابن دريد: يقال رَقَصَ يَرْقُص رَقَصاً، وهو أَحد المصادر التي التي جاءت على فَعَلَ فَعَلاً نحو طَرَدَ طَرَداً وحَلَبَ حَلَباً؛ قال حسان رحمه الله تعالى:
 بِزُجاجةٍ رَقَصَت بما في قَعْرِها،*** رَقَصَ القَلُوصِ بِراكبٍ مُسْتَعْجِلِ
وقال مالك بن عمار الفُرَيْعِيّ:
 وأَدْبَرُوا، ولَهُمْ من فَوْقِها رَقَصٌ،*** والموتُ يَخْطُرُ، والأَرْواحُ تَبْتَدِرُ
وقال أَوس:
 نَفْسي الفِداءُ لِمَنْ أَدّاكُمُ رَقَصاً،*** تَدْمَى حَراقِفُكم في مَشْيِكم صَكَكُ
وقال المساور:
 وإِذا دَعا الداعِي عَلَيّ رَقَصتُمُ *** رَقَصَ الخَنافِس من شِعابِ الأَخْرَم
وقال الأَخطل:
وقَيْس عَيْلانَ حتى أَقْبَلُوا رَقَصـاً،*** فبايَعُوك جِهــاراً بَعدما كَفَرُوا
ورَقَصَ السَّرابُ والحَبابُ: اضطرب وجاش .
والراكب يُرقِصُ بَعِيرَهُ: يُنَزِّيه ويَحْمِلُه على الخَبَبِ، وقد أَرْقَصَ بَعِيرَه.
ولقد انتشر عند أقوامٍ جفاءُ الطبع والسلوك مع الأبناء ، وهم الذين جعلهم الله لنا ريحانة هذه الدنيا زينةً وبهجة ، واتخذوا ذلك عادة متّبعة ، وزعموه ممـا يصلح الولد ويشدُّ أوْده ، وأنه من بقايا أسلافهم الممتدة ، وظهر ذلك عندهم في الرجال والنساء على حال مستوية ، مصادمين في ذلك صبغة الله ومن أحسن منه صبغة ، مخالفين في ذلك هدي النبي المصطفى ذي الكمال والمِنّــــة ، فساءني ذلك أيّمــــا إساءة ، وأبغضت مذهبهم وسلوكهم من قسوة الطبع وما أخذوه من الأعـراب من الجفوة ، وصدق رسول الله ﷺ إذ يقول : " من سكن البادية جفا ... " [أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي] . وفي رواية ( من بدا فقد جفـــــــــا ) (.رواه أحمد عن أبي هريرة وذكره السيوطي في الجامع الصغير ورمز له بالحسن .)
أما  الأثر (من كان له صبيّ فليتصابَ له) فضعيف (رواه ابن عساكر عن معاوية وقال غريب جدا) قال المنــــــاوي (6/209) ، والحسيني فى البيــــان والتعـريف (2/228) : فيه محمد بن عاصم قال الذهبى فى الضعفاء مجهول بيض له أبو حاتم الكتاب : جمع الجوامع أو الجامع الكبير للسيوطي)
وهأنذا أجمع ملحا معتبرة أبين فيها جانبا مما كان عليه سادة الأمة في التحبب إلى الأبناء ، وملاعبتهم ، وهي ملح في ذاتها لطيفة ، وفي سبكهـــــــا عجيبة ، تعطيك أيها القارئ الكريم إضاءات لما كانت عليه أمة العرب المباركـة من بلاغـة وذكــاء ونباهة ، ومن رحمة ولطافة ، وقد جمعت بعض أخبار الآباء و الأمهات في ترقيص الصبيان والبنات ، ولم أستقصِ كل الأخبــار فالقصد الترويح بالأخبـــــار ، وتذكير ذوي القسوة الأغمار بادئا برسول الله ﷺ وآل بيته بني هاشم الأطهار ، ثم من سواهم من قريش والصحابــة الأخيار ، فهم سادات الناس على كل اعتبار ، ثم من سواهم من وجوه الناس من القبائل وأهل الأمصار :
* وقد كانت عادة الترقيص للصبيان والبنات من الأمهات شائعة عند نساء العرب ، وذلك في أخبارهن وأحوالهن ظاهر ، فرحـــاً بنعمة الولد ، وجاء ذلك أيضا عن الرجال .
* وكانت أخبار ترقيصهم لصبيانهم تتضمن أحوالا ً مليحة ، وأشعـارا ً عجيبــــة ، تنبيك عن مدى فصاحتهم ، وحسن تفؤلهم لصبيانهم ، حتى يقع ما يتفـاءلون بـه لهم .. ودونك الأمثلة على ذلك :
* روي عن رسول ﷺ أنه كان يُرَقِّصُ الحسين بن علي بن أبي طالب – عليهمـــــا السلام وسحائب الرضوان- ويقول : " خِبَقَّة خِبَقَّةْ ، تَرَقَّ عين بَقَّة ْ " (1)
* وقد كانت فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، تُرقِّصُ ابنها الحسن بن علي بن أبي طالب - عليهم السلام - وتقول : " ابني شبيهٌ بالنبي " ﷺ كما ورد في فتح الباري  .
* ولقي أبو بكر وعلي عليهما الحسن بن علي - عليهم السلام - يلعب مع الصبيان في بعض طرق المدينة ، فاحتمله الصديق على كتفه وجعل يرقصه ويقول : " بأبي شبيهٌ بالنبي ، ليس شبيهٌ بعلي " وعلي يضحك (2).
*وقد كانت أم الفضل بن العباس بن عبدالمطلب الهلالية ترقص عبدالله بن العباس بن عبدالمطلب - عليهم السلام - وتنشد :
ثكلتُ نفسي وثَكِلْتُ بِكْري
إنْ لم يَسُدْ فِهراً وغيرَ فِهْرِ
بحسبِ ذاگـ وبذلِ الوَفْرِ
فكان كما قالت (3).
* وقد كان العباس بن عبدالمطلب بن هاشم - عم النبي ﷺ - يرقص ابنه قُثَم بن العباس - رضي الله عنهما - وكان يشبه رسول الله ﷺ ؛ ويقول :
حِبِّي قُثَمْ ، حِبِّي قُثَمْ  *** شَبِيهُ ذي الأنفِ الأشَمْ
نَبِيُّ رَبِّ ذي النِّعَـــمْ *** بِرَغْمِ أنفِ مَنْ رَغِـــــمْ (4)
*وردّا على من يزعم أنّ هذا الترقيص كان خاصّا بالذكور أنقل لهم ما جاء في أدبيّات العرب ، فلقد كان الزبير بن عبدالمطلب يرقص ابنته أم الحكم ، وينشد :
يا حبّذا أم الحكمْ  ***كأنهــا ريمٌ أَحَمّْ
يا بعلها ماذا قَسَمْ ***ساهَم فيها فَسَهَمْ (5)
* وجاء في سبب تلقيب السيد الأمير عبدالله بن الحارث النوفلي الهاشمي بـ( بَبَّــة )  أنّ أمّه سيدتنا هند بنت أبي سفيان - وهي أخت أم المؤمنين أم حبيبة رضي الله عنهم - كانت ترقصه وهو صبي وتنشد :
يا بَبَّـةْ يا بَبَّـة ْ *** لأُنكِحَنَّ بَبَّــةْ
جاريةً خِدَبَّــةْ  *** مَكْرمَــةً مَحَبَّةْ
تَسُودُ أهلَ الكَعْبَةْ
وكان قد حنكه رسول الله ﷺ ودعا له ، وتأمّــر على البصرة فترة ، ورُوي أنَّـــــه تزوّج امرأة قرشية ، فلما استشهد عبدالله بن الزبير رضي الله عنهما وخلت مكة من أمير ، تأمرت على أهل مكة أياما . قال عنه الحافظ شمس الدين الذهبي : " وكان يصلح للخلافة " (6).
* وجاء في سبب تلقيب موسى بن عبدالله المحض بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب - عليهم رضوان الله - بـ(الجُون) أن أمّه هنـد بنت أبي عـبـيدة القرشيّـة كانت ترقصه وتنشد :
إنَّكَ إنْ تكون جُونًا أفْرعَــا *** يوشِكُ أن تَسُودَهَمْ وَتَمْنَعا
 لُقَّبَتْهُ بالجون : لسواد لونه ، ولفظ الجون من الألفاظ المشتركة في لغـة الجذور يُطلق على الأبيض والأسود معـاً .
وقد كان ما تنبأته ، ففي ولد موسى الجون بن عبدالله المحض البيت والعدد من بني عبدالله المحض .(7).
*وروى عروة بن الزبير بن العوام أنّ أباه - رضي الله عنهما - كان يُنَقِّزُهُ (أي يرقصه) وهو صبي وينشد له:
أبيضُ مِن آل أبي عتيــقِ *** مبارَكٌ مِن ولد الصِدِّيــقِ
أَلَذُّّهُـ كمـــا أَلَــذُّ  رِيقِي
وذلك أن أمهُ أسماءُ ابنة أبي بكر الصديق - رضي الله عنهم - ، وقد كان كمـــــــا تفرّس فيه ؛ مباركا فقيهــا أحد فقهـاء المدينة السبعة .(8).
*وروي أن قيس بن عاصم المنقري التميمي - رضي الله عنه - أولد من منفوسة بنت زيد الخير الطائي - رضي الله عنه وكان من وجوه الناس وساداتهم - ، فكان يرقص ابنه وينشد :
أَشْبِهْ أبــا أُمِّكَ أو أَشْبِهْ عَمَلْ *** ولا تكونَنَّ كهَلُّـوفٍ وَكَـــــــــــلْ
يُصْبِحُ في مَضْجَعِهِ قدِ انجَدَلْ***وَاَرْقَ إلى الخَيْراتِ زَنْأً في الجبلْ
ومعنى زَنَأَ يزْنَأُ : صعد الجبل،قاله ابن السكيت في إصلاح المنطق .
فكانت تجيبهُ زوجـه منفوسة بنت زيد الخير :
أَشْبِهْ أخي أو أَشْبِهَنْ أباكــا  *** أمّــــا أبي فلنْ تنالَ ذاگـــــا
تَقْصُرُ أنْ تنالَـهُ يداگـــــــــا   (9)...
ونكمل الأسبوع القادم باذن الله

التعليقات

تعليقك على الموضوع

تم ارسال التعليق