"الواعظ" في الجذور وأخواتها في لغة الجذور (من الألقاب العلمية المسجدية(1))

الدكتور محمد فتحي راشد الحريري - الإمارات العربية المتحدة

الدكتور محمد فتحي راشد الحريري - الإمارات العربية المتحدة

الدكتور محمد فتحي راشد الحريري - الإمارات العربية المتحدة - خاص بـ " شبكة المدونون العرب "

"

1-   الواعظ في لغة الجذور من الألقاب العلمية العريقة في ثقافتنـــا ، وتأتي من الجذر الثلاثي (و ع ظ) ، قال اللسانُ في هذا :
الوَعْظ والعِظةُ والعَظةُ والمَوْعِظةُ: النُّصْح والتذْكير بالعَواقِب؛ قال ابن سيده : هو تذكيرك للإِنسان بما يُلَيِّن قلبَه من ثواب وعِقاب.
وفي الحديث : لأَجْعلنك عِظة أَي مَوْعظة وعِبرة لغيرك، والهاء فيه عِـــــوَضٌ من الواو المحذوفة.
وفي التنزيل: ((الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَـــا لا يَقُومُونَ إِلاّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَــــــــا فَمَنْ جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(275)) سورة البقرة ؛ لم يجئ بعلامــــة التأْنيث لأَنه مؤنث غير حقيقي أَو لأَن الموعِظة في معنى الوَعْظ حتى كأَنه قال: فمن جــاءه وعظ من ربه، وقد وَعَظه وَعْظاً وعِظة، واتَّعَظَ هو: قَبِل الموعظة، حين يُذكر الخبر ونحوه.
وفي الحديث: وعلى رأْس السّراط واعظُ اللّه في قلب كل مسلم، يعني حُجَجـــه التي تَنْهاه عن الدُّخول فيما منعه اللّه منه وحرَّمه عليه والبصائر التي جعلها فيه.
وفي الحديث أَيضاً الشريف: يأْتي على الناسِ زَمان يُسْتَحَلُّ فيه الرّبـا بالبيع والقَتلُ بالموعظة؛ قال: هو أَن يُقتل البَريءُ ليتَّعِظَ به المُرِيب كما قال الحجاج في خطبته: وأَقْتلُ البريء بالسَّقِيم. وما أكثر دعاة اليوم من أشباه الخوارج الذين يزهقــــــــون أرواح العباد بحجّـة وعظهم وأطرهم على الحق ، حتى صيغت بذلك النهفـــــــات ، ومنها أنَّ أحدهم يشكو لصاحبه أنَّ الشرطة تقطع الأُذن الثالثـة لكلّ شخصٍ يحمــل أذُنا زائدة ، فقال له :
ولمَ الزعل مادمت تحمل أذنين اثنتين ، وليس معك زيادة ؟
فقال : يا أخي إنَّهم يقطعون أولا وبعدها يعُدّون !
ويقال: السَّعِيدُ من وُعِظ بغيره والشقيُّ من اتَّعَظ به غيره . قال : ومن أَمثـــالـهــم المعروفـة: لا تَعِظيني وتَعَظْعَظِي أَي اتَّعِظي ولا تَعِظيني .
والعظعظة ، لعلهــا مبالغة من الموعظة ، من باب ( زيادة المبنى تفيد في زيــادة المعنى ) . ومن أخوات الواعظ :
2-الفقيه : من (ف ق هـ) ، والفِقْهُ: العلم بالشيء والفهمُ له، وغلبَ على عِلْم الدين لسِيادَتِه وشرفه وفَضْلِه على سائر أَنواع العلم كما غلب النجمُ على الثُّرَيَّا والعُودُ على المَنْدَل؛ قال ابن الأَثير: واشْتِقاقهُ من الشَّقِّ والفَتْح، وقد جَعَله العُرْفُ خاصّاً بعلم الشريعة ، شَرَّفَها الله تعالى ، وتَخْصيصاً بعلم الفروع منها. قال غيره: والفِقْهُ في الأَصل الفَهْم. يقال: أُوتِيَ فلانٌ فِقْهاً في الدين أَي فَهْماً فيه. قال الله عز وجل: ليَتفَقَّهوا في الدين؛ أَي ليَكونوا عُلَماء به، وفَقَّهَه اللهُ؛ ودعا النبي، صلى الله عليه وسلم، لابن عباس فقال: اللهم عَلِّمْه الدِّينَ وفَقِّهْه في التأْويل أَي فَهِّمْه تأْويلَه ومعنــاه، فاستجاب الله دُعاءه وصار يُعرف بحبر الأمة، وكان من أَعلم الناس في زمانه بكتاب الله تعالى.
وفَقِه فِقْهاً: بمعنى عَلِم عِلْماً. ابن سيده: وقد فَقُه فَقاهَةً وهو فَقِيهٌ من قوم فُقَهاءَ، والأُنثى فَقِيهة مِنْ نِسْوةٍ فقائِهَ.
وحكى اللحياني: نسوة فُقَهاء، وهي نادرة، قال: وعندي أَن قائل فُقَهاء من العرب لم يَعْتَدَّ بهاء التأْنيث، ونظيرها نسوة فُقَراء.
وفي الحديث ( إِنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ ، فَأَطِيلُوا الصَّلَاةَ ، وَاقْصُرُوا الْخُطْبَةَ ، وَإِنَّ مِنْ الْبَيَانِ سِحْراً ) . رواه مسلم ( 869 ) .
ومعنى ( مئنة من فقهه ) أي علامة على فقهه ودليل عليه . وكثير من خطبـــــاء اليوم يفعلون العكس فيملّهم الناس ، ولقد حضرْتُ خطبـــة أحــدهم خارج المسجد تحت أشعة الشمس في شهر تموز القائظ ، وجلدنا الشيخ خطبة استمرت أكثر من ساعة ، كان خلالها هو ينعم ببرودة جهــــــــــاز التكييف ونحن نعاني من الحرارة القاتلة خارج المسجد ، ولما عاتبته فجر عليَّ حتى قام الناس عليه فسكت مبهوتا.
3-المطوّع : (ط و ع) ونقرأ في الجذور الطَّوْعُ: نَقِيضُ الكَرْهِ . طاعَه يَطُوعُــــــــــه وطاوَعَه، والاسم الطَّواعةُ والطَّواعِيةُ.
ورجل طَيِّعٌ أَي طائِعٌ.
ورجل طائِعٌ وطاعٍ مقلوب ، كلاهما : مُطِيعٌ كقولهم عاقَني عائِقٌ وعاقٍ ، ولا فِعْل لطاعٍ ؛ قال:
حَلَفْتُ بالبَيْتِ، وما حَوْلَه *** من عائِذٍ بالبَيْتِ أَوْ طاعِ
وكذلك مِطْواعٌ ومِطْواعةٌ؛ قال المتنخل الهذلي:
إِذا سُدْتَه سُدْت مِطْواعـةً،*** ومَهْمــا وكَلْتَ إِليه كَفــاه
والتَّطَوُّعُ: ما تَبَرَّعَ به من ذات نفسه مما لا يلزمه فرضه كأَنهم جعلوا التَّفَعُّلَ هنا اسماً كالتَّنَوُّطِ.
والمُطَّوِّعةُ الذين يَتَطَوَّعُون بالجهاد، أُدغمت التاء في الطاء كما قلناه في قوله: ومن يَطَّوَّعْ خيراً، ومنه قوله تعالى: ((والذين يلمزون المطَّوّعين من المؤمنين فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (79))) سورة التوبة ، وأَصله المتطوعين فأُدغم.
وحكى أَحمد بن يحيى المطوِّعة، بتخفيف الطاء وشد الواو، وردّ عليه أَبو إِسحق ذلك.
وفي حديث أَبي مسعود البدري في ذكر المُطَّوِّعِينَ من المؤمنين : قال ابن الأَثيـر: أَصل المُطَّوِّعُ المُتَطَوِّعُ فأُدغمت التاء في الطاء ، وهو الذي يفعل الشيء تبرعــــــاً من نفسه ، وهو تَفَعُّلٌ من الطّـاعـةِ . وهكــذا فالمُطّــوّع هو من يقيم شعـائر الله في المسجد حسبةً ، تطوعـاً ويدعى المطوّع في الخليج خاصة ، بينما يُـدعى في مصر والشام بالشيخ والخطيب والداعية ، وجميع هذه الألقاب معلومة في كافّــة أنحـــاء العالم العربي والإسلامي ولله الحمد .
4-الخطيب : وهي صفة المتكلم باسم القوم ، وكانت العرب قبل الإسلام تتخذ خطيبا وشاعرا يتحدث باسم القبيلة ، ويعرض مفاخرها وينافر القبائل الأخرى .
وخطب المرأة إلى أهلها ، قام فأنشأ خطبة تكلم فيها عن نفسه ومناقبه ويردُّ أهل المرأة بخطبةٍ مماثلة . والعرب تقول: فلان خِطْبُ فُلانة إِذا كان يَخْطُبها.
ويقُول الخاطِبُ : خِطْبٌ ! فيقول الـمَخْطُوب إِليهم: نِكْحٌ ! وهي كلمـــة كانتِ العرب تَتزَوَّجُ بهــا .
وكانت امرأَةٌ من العرب يقال لها: أُمُّ خارجِةَ، يُضْرَبُ بها الـمَثَل، فيقال : أَسْرَعُ من نِكاحِ أُمِّ خارجة . وكان الخاطِب يقوم على باب خِبائِها فيقول: خِطْبٌ! فتقول: نِكْحٌ ! وخُطْبٌ ! فيقال : نُكْحٌ ! ورجلٌ خَطَّابٌ: كثير التَّصَرُّفِ في الخِطْبةِ؛ قال:
 بَرَّحَ، بالعَيْنَينِ، خَطَّابُ الكُثَبْ، *** يقولُ: إِني خــاطِبٌ، وقد كذَبْ،
وإِنمــــــا يخْطُبُ عُسًّا من حَلَبْ .
واخْتَطَب القومُ فُلاناً إِذا دَعَوْه إِلى تَزْويجِ صاحبَتهِم. قال أَبو زيد : إِذا دَعا أَهلُ المرأَة الرجلَ إِليها ليَخْطُبَها، فقد اخْتَطَبوا اختطاباً ؛ قال : وإِذا أَرادوا تَنْفيق أَيِّمِهم كذَبوا على رجلٍ ، فقالوا: قد خَطَبها فرَدَدْناه، فإِذا رَدَّ عنه قَوْمُه قالوا: كَذبْتُم لقد اخْتَطَبْتُموه، فما خَطَب إِليكم. وكنا نظن أنَّ هذا النوع من الخسّـة وقلّة الدِّين وقلّة الشرف قد ذهب عصره، وما ذلك إلا لغفلتنا وانخداعنا بالناس وخسّة أساليبهم في تنفيق بناتهم العوانس، وقد وقعت أنا شخصيا في أحابيل بعض الخبثاء .
وتقول العرب : ورَجُلٌ خَطِيبٌ : حَسَن الخُطْبَة ، وجَمْع الخَطِيب خُطَباءُ . وخَطُبَ ، بالضم، خَطابَةً، بالفَتْح: صار خَطِيباً.، واشتهر من خطباء العرب قبل الإسلام القس ابن ساعدة وفي الإسلام كثيرون أبرزهم الخليفة الرابع علي(رضي الله تعالى عنه) والحجاج بن يوسف الثقفي . وكان القوم في مجتمعنا يسمُّون كل َّ من يحمل قلمــاً خطيبا ، وتعددت كنى (الخطيب // آل الخطيب) في عالمنا ، وهي لا تشير إلى نسَب دموي بل إلى نَسَبٍ مهني أو علمي أو ما شاكل ذلك وشابهه .
5-الشيخ : الشيخ في لغة الجذور تطلق على من جاوز السبعين أو الثمانيــــن من العمر.
ومن شواهد مايتعدى لمفعولين أصلهما مبتدأ وخبر ، هذا البيت ﻷبي أمية الحنفي،
زعمتني شيخا ولست بشيخٍ *** إنما الشيخ من يدبُّ دبيبــــا
وهو من البحر الخفيف.
وشاع توظيف لقب الشيخ للواعظ الفقيه وكبير العلماء ، بل أُطلق  لقبا علميّــــــــا ومهنيا على كثيرين ، ويطالعنا في الجذور :
شيخ الصاغة ،
شيخ الحدادين والنجارين والأطباء والصيادلة .....
شيخ السوق
شيخ الكار ............ فلكلِّ مهنة شيخها وزعيمها ، وهو ما يعادل بلغــة اليوم نقيب المهنة ، بل كشفوا عن معرفة لهذا اللقب في تل الحريري ومملكة تدمــر وعند الفينيقيين وغيرهم من الشعوب القديمة، واليوم تطلق كلمة الشيخ على امام المسجد ، وشيخ العشيرة وأحيانا على الحاكم ، وأقترح على جامعاتنــــا أن تعـمّـم استخدام اللقب وتطلقـه على أساتذة الجامعـــات (الأكاديمييّـن والدكاتــــــــــــــــرة والبروفيسورات) فهو لقب عربي وأفضل من هذه المسميات غير العربية.
ولقب (شيخ) يشير إلى الوقـار والتقدير والاحترام ، وكثيرا ما يحمله أشخاص ٌ حديثو  السن وليسوا شيوخاً .
وللبحث صلة في الأسبوع القادم إن شاء الله .



الدكتور محمد فتحي راشد الحريري - سوريا

"

التعليقات

تعليقك على الموضوع

تم ارسال التعليق