(أمام) و (وراء) في لغة الجذور

الدكتور محمد فتحي راشد الحريري - الإمارات العربية المتحدة

الدكتور محمد فتحي راشد الحريري - الإمارات العربية المتحدة

الدكتور محمد فتحي راشد الحريري - الإمارات العربية المتحدة - خاص بـ " شبكة المدونون العرب "

"

أمام : الأَمامُ بمعنى القُدّام. من الجذر الثلاثي ( أ م م) .
وفلان يَؤمُّ القومَ: يَقْدُمهم.
ويقال: صَدْرك أَمامُك، بالرفع، إِذا جَعَلْته اسماً، وتقول: أَخوك أَمامَك، بالنصب، لأَنه صفة؛ وقال لبيد فَجَعله اسماً:
فَعَدَتْ كِلا الفَرْجَيْن تَحْسِبُ أَنه *** مَوْلَى المَخافَةِ: خَلْفُها وأَمامُها
والأَمامُ نَقِيضُ الوَراء وهو في معنى قُدَّام، يكون اسماً وظرفاً. قال اللحياني: وقال الكِسائي أمام مؤنثة، وإن ذُكِّرتْ جاز، قال سيبويه: وقالوا أَمامَك إذا كنت تُحَذِّره أو تُبَصِّره شيئاً، وتقول أنت أَمامَه أي قُدَّامه.
أما الوراء في الجذور من الفعل الثلاثي ( ورأ) ، قال فيه صاحب اللسان :
ورَاءُ والوَرَاءُ، جميعاً، يكون خَلْفَ وقُدَّامَ، وتصغيرها، عند سيبويه، وُرَيِّئةٌ، والهمزة عنده أَصلية غير منقلبة عن ياء. قال ابن بَرِّي: وقد ذكرها الجوهري في المعتل وجعل همزتها منقلبة عن ياء. قال: وهذا مذهب الكوفيين، وتصغيرها عندهم وُرَيَّةٌ، بغير همز، وقال ثعلب: الوَراءُ: الخَلْفُ، ولكن إِذا كان مـما تَمُرُّ عليه فهو قُدَام. هكذا حكاه الوَرَاءُ بالأَلِف واللام، من كلامه أُخذ.
وفي قوله تعالى: ((وكان وَراءَهُم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينةٍ غَصْباً.)) سورة الكهف / 79 . قال ابن عبَّاس، رضي اللّه عنهما :كان أَمامهم.
وهو فعلا كان أمامهم ، فلماذا عبّر عنه القرآن الكريم بـ(وراءهم) مع أنَّـــه كان قدّامهم ؟
,عندما تقرأ القرآن الكريم تقف على لفظ [وراء] في مواطن أخرى تلاحظ فيها المشكلة نفسها :
[ومن ورائه جهنم ويسقى بماء صديد] سورة إبراهيم/ 16
[ومن ورائهم برزخ الى يوم يبعثون] سورة المومنون /100
فلك  أن تتساءل
س :ما الحكمة من ورود كلمة وراء بهذه الآيات الشريفة وهي أمامهم كالملك امام السفينة وجهنم وكذالك البرزخ كلها امامنا فلماذا استخدم التعبير القرآني  "وراء" بديلاً  لكلمة "أمام" ?
بعض الباحثين يقولون أن القرآن يستخدم التضاد وهو من أساليب العرب الشهيرة ، كـ(أسروا الندامة) اي اظهروها  و(شروه بثمن بخس) اي باعوه  و(ورائه جهنم) اي أمامه  فلم يذكروا  الحكمة من توظيف الوراء بدل الأمام غير الأضداد .
ولكن الباحث يجد الجواب الشافي والكافي في لغة الجذور ،
فهذا ابن منظور يقول في اللسان ( مادة : و ر أ ) :
جاء في التنزيل: (مِن وَرائِه جَهَنَّمُ ) سورة إبراهيم / 16؛ أَي بين يديه.
وقال الزجاج: ورَاءُ يكونُ لخَلْفٍ ولقُدّامٍ ومعناها ما تَوارَى عنك أَي ما اسْتَتَر عَنْكَ. وأردف قائلاً : وليس من الاضداد كما زَعَم بعضُ أَهل اللغة، وأَما أَمام، فلا يكون إِلاَّ قُدَّام أَبداً.
وقوله تعالى: (وكان وَراءَهُم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينةٍ غَصْباً). قال ابن عبَّاس، رضي اللّه عنهما :كان أَمامهم. قال لبيد:
أَلَيْسَ وَرائي، إِنْ تَراخَتْ مَنِيَّتي، *** لُزُومُ العصَا تُحْنَى عليها الأَصابِعُ
وقال الفرَّاءُ إمام اللغة : لا يجوزُ أَن يقال لرجل ورَاءَكَ: هو بين يَدَيْكَ، ولا لرجل بينَ يدَيْكَ: هو وَراءَكَ، إِنما يجوز ذلك في الـمَواقِيتِ من الليَّالي والأَيَّام والدَّهْرِ. قلت أنا العبد الفقير لله : ولا مانع من إلحاق الغيبيّات بهذا الحكم ، تقول: وَراءَكَ بَرْدٌ شَدِيدٌ، وبين يديك بَرْد شديد، لأَنك أَنـْتَ وَرَاءَه، فجاز لأَنه شيءٌ يأْتي ، فكأَنه إِذا لَحِقَك صار مِن وَرائِكَ، وكأَنه إِذا بَلَغْتَه كان بين يديك، فلذلك جاز الوَجْهانِ. من ذلك قوله، عز وجل: (وكان وَرَاءَهُم مَلِكٌ )، أَي أَمامَهمْ.
وكان كقوله: (من وَرائِه جَهَنَّمْ ) إبراهيم/16 ؛ أَي انها بين يديه. وقال ابن الأَعرابي في قوله، عز وجل: (بما وَراءَه وهو الحَقُّ ) سورة البقرة / 91. أَي بما سِواه.
والوَرَاءُ الخَلْفُ، والوَراءُ: القُدّامُ، والوَراءُ: ابنُ الابْنِ.
وقوله عز وجل: ((فمَنِ ابْتَغَى ورَاءَ ذلك )) سورة المؤمنون / 31. أَي سِوَى ذلك.
وقول ساعِدةَ بن جُؤَيَّةَ:
حَتَّى يُقــالَ وَراءَ الدَّارِ مُنْتَبِــذاً، * ** قُمْ، لا أَبا لَكَ، سارَ النَّاسُ، فاحْتَزِمِ
فإذا كان الحديث عن امر منظور نقول أمام مثل :أجلسي يابنتي أمامي لأنها حاضرة ومنظورة وليست غائبة أو متوهّمة .
واذا قيل: إحذر وراءك خطر فأعلم أن الخطر غيبي لا يرى الآن قد يكون في القرية المجاورة ، أو في الزمن الآتي .
والواقف عند ألفاظ القرآن يجد أنه استخدم لفظ وراء في الامور الغيبية وغير المنظورة ومنها جهنم ليست مرئية ، والبرزخ ليس مرئياً ولا مشاهداً ، وكذلك الملك الذي يستولي على السفن (القرصان ) لم يكن مرئياً ومنظوراً فهو بعد الجزيرة ، إنّه أمر غيبي فأستخدم القرآن الكريم لفظ وراء  بديلَ أمام ، لأن الأمر غيبي وغير محسوس وغير منظور فاستخدم "وراء" ،  لعدم الرؤية وكأنه وراءك لأنه غيبي ، وراء إدراكك .
وصدق الله العظيم القائل في محكم تنزيله :
[أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه إختلافاً كثيرا] سورة
النساء / 82 وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

"

التعليقات

تعليقك على الموضوع

تم ارسال التعليق