تبرير الخنوع في لغة الجذور

الدكتور محمد فتحي راشد الحريري - الإمارات العربية المتحدة

الدكتور محمد فتحي راشد الحريري - الإمارات العربية المتحدة

الدكتور محمد فتحي راشد الحريري - الإمارات العربية المتحدة - خاص بـ " شبكة المدونون العرب "

"

"إنَّ الله حَكِيمٌ عَلِيم" ، والله على كل شيءٍ قدير ، وقضاءُ الله وقَدَر الله لا يُردّ .....
عبارات يرددها كثيرون من العامّة والخاصة،  يظنون أنفسهم يحسنون صنعا يدعون فيها الناس إلى الرضا بالقدَر وعدم الاعتراض على حكم الله تعالى ، والظاهر يشهد لهم بذلك فمن أركان الإيمان أن تؤمن بالقدر خيره وشرّه من الله تعالى، ولكن هذه الأحكام لا تؤخذ على علّاتها واطلاقها، فليس من الرضا أن أستسلم لعدوّي إذا ضربني أو سلبني ولا أحرّك ساكناً، وهذا يتنافى مع عزّة المسلم ووجوب دفاعه عن نفسه ومكافحة الظلم والظالمين، ومع قوله تعالى:
((وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ (39) وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40) وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَٰئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ(41)إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأرض بِغَيْرِ الْحَقِّ ۚ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (42)) سورة الشورى /39 – 42 .
 ويتنافى مع الحديث الشريف : (إذا هابت أمّتي أن تقول للظالم يا ظالم فقد تُوُدِّع منها) . رواه الحاكم في المستدرك (1) . والآثار التي تدعـو لنصـرة الحـق وعدم الخنوع كثيرة .
يبلغ الخنوع أحيانا مبلغا مقززا ومقرفا ، ففي الغزو المغولي كان الجندي التتاري يطلب من بعض الناس أن يناوله السيف ليقتله به ويفعل، وهو قادر أن يشق رأس عدوّه بهذا السيف ، ويحدثنا التاريخ القريب أنَّ الغزو الفرنسي لتونس العربية المسلمة تزامن مع حالةٍ من الانحطاط والوهـن والانهزام النفسي الحاد ..
هرع الناس لما علموا بالغزو على سواحلهم يهدد حياتهم وأرضهم ومقدّراتهم ، إلى المشايخ يستشيرونهم ويستمزجون رأيهم ، فدخل المشايخ إلى صوامعهم وتكياتهم الخاصة، وانشغلوا قليلا بحلقات الذِّكر الخاصة والهمهمات والحركات ثم خرجوا إلى القوم ، يطلبون منهم ألا يحركوا ساكنا ، فالمطلوب أن يستسلموا لقضاء الله ويسلِّموا البلاد للاحتلال الفرنسي ، فهو قَدَر لابدَّ منه ويجب الرضاء به لأنَّ مقاومته كفر وتحد لإرادة الله تعالى . ومن التاريخ الأبعد قليلاً نطالع ما قَـالَــه الحافِظُ ابنُ كَثير رَحِمَهُ الله تعالى، في ترجمة الشيخ عفيف الدين يوسُفَ بنِ البَقّال، شَيخِ رِباطِ المَرزُبانيَّة، وكانَ صَالِحاً وَرِعَاً زاهِدَاً، حكَى عن نفسِهِ(2) فقال  :
"كنتُ بِمِصرَ فبلَغَني مَا وَقَع منَ القتلِ الذَّريعِ في بغداد في فِتنَةِ التَّتَــار، فَأنكَرتُ في قلبي ، وقلتُ : يا رَبّ كَيفَ هذا وفيهِمُ الأطفالُ ومَن لا ذَنبَ لَه ؟ فَرَأيتُ في المَنــــامِ رَجُلاً وفي يَدِهِ كتاب ، فَأخَذتُهُ فَقرَأتُهُ فإذا فيهِ هذهِ الأبيَات فيها الإنكارُ عَليّ :
دَعِ الِاعتِراضَ فَمَا الأمرُ لَك 
                 وَلَا الحُكمُ في حَرَكاتِ الفَلَكْ
وَلَا تَسألِ الله عَن فِعلِهِ 
                    فمَن خاضَ لُجَّةَ بَحرٍ هَلَكْ
إلَيهِ تَصيرُ أُمُورُ العِبادِ 
                    دَعِ الِاعتِراضَ فَمَا أجهَلَكْ!!
لاحظ الفهم الأحول للنصوص الشرعية ..
وفي الخنع جاء عن الأَصمعي: سمعت أَعرابيّاً يدْعو يقول: يا ربِّ أَعوذ بك من الخُنوع الغَدْر. والخانع: الذي يَضَع رأْسه للسَّوْءة يأْتي أَمراً قبيحاً فيرجع عارُه عليه فيستَحْيي منه ويُنَكِّس رأْسه.
وبنو خُناعةَ: بطن من العرب، وهو خُناعةُ بن سَعْد بن هُذَيْل بن مُدْرِكةَ بن إِلياس ابن مُضر. وخُناعةُ: قَبِيلة من هُذِيْل ، عُرفت بالهوان .وفي لغة الجذور نلاحظ أنَّ اسم الخنوع يليق بهؤلاء الذين تحدثنا عنهم ، يبررون الذلَّ والاستسلام بالرضا بقضاء الله وقدره ، قال صاحب اللسان :
الخُنُوع: الخُضوع والذّلُّ. خَنَع له وإِليه يَخْنَعُ خُنوعاً: ضَرَع إِليه وخَضَع وطلَب إِليه وليس بأَهل أَن يُطْلَب إِليه.
وأَخْنَعَتْه الحاجةُ إِليه: أَخْضَعَتْه واضطَرَّتْه، والاسم الخُنْعة.
وفي الحديث: إِن أَخْنَعَ الأَسماء إِلى الله، تبارك وتعالى، مَن تسمَّى باسم مَلِك الأَملاك أَي أَذَلَّها وأَوْضَعَها؛ أَراد بمَن اسم مَن، والخُنْعة والخَناعةُ: الاسم، ويروى: إِن أَنْخع، ويقال للجمل المُنَوَّقِ: مُخَنَّعٌ ومُوَضَّعٌ.
ورجل ذو خُنُعاتٍ إِذا كان فيه فَساد.
وخَنَع فلان إِلى الأَمر السيِّء إِذا مالَ إِليه. والعرب تطلق الخانعُ على الفاجر.
وخَنَع إِليها خَنْعاً وخُنوعاً: أَتاها للفجور، وقيل: أَصْغَى إِليها.
ورجل خانع: مُريب فاجر، والجمع خَنَعة، وكذلك خَنُوعٌ، والجمع خُنُعٌ.
ويقال اطَّلَعْت منه على خنْعةٍ أَي فَجْرةٍ.
والخَنْعةُ الرِّيبة؛ قال الأَعشى:
هم الخَضارِمُ، إِن غابُوا وإِن شَهِدُوا،*** ولا يُرَوْن إِلى جاراتِهم خُنُعا
ووقع في خَنْعة أَي فيما يُسْتَحيى منه. وخنَع به يَخْنَع: غَدَر؛ قال عدي بن زيد: غيرَ أَنّ الأَيامَ يَخْنَعْنَ بالمر *** ء، وفيها العَوْصاء والمَيْسُورُ
إنّهم يستكبرون على بني جلدتهم ويتسمون بأسماء بعيدة عن صفاتهم، ويظهرون للأعداء السكينة والخضوع الكامل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .________حاشية :
(1)- هذا الحديث اختلف علماء المصطلح في تصحيحه وتضعيفه قديما وحديثــا ، وهوعندي إلى الحسن أقرب ، والله تعالى أعلم .
قال الشيخ شعيب الأرنؤوط في تحقيقه وإشرافه لمسند أحمد :
إسناده ضعيف، رجاله ثقات رجال الصحيح إلا أن أبا الزبير -وهو محمد بن مسلم بن تدْرُس- لم يسمع من عبد الله بن عمرو، فيما قاله أبو حاتم في "المراسيل" ص 154، ونقله أيضاً عن ابن معين. ونقل ابنُ عدي في "الكامل" 6/2135 قوله: لم يسمع أبو الزبير من عبد الله بن عمرو، ولم يره. ابن نُمير: هو عبد الله، والحسن بن عمرو: هو الفقيمي.
وأخرجه البيهقي في "الشعب" (7547) من طريق ابن شهاب، وابن عدي في "الكامل" 3/1267 من طريق سيف بن هارون، كلاهما عن الحسن بن عمرو، بهذا الإسناد. وأخرجه البزار (3302) من طريق عبيد الله بن عبد الله الربعي، عن الحسن بن عمرو، عن مجاهد، عن ابن عمرو. وهذا متابعة من مجاهد لأبي الزبير، لكننا لم نقع على ترجمة عبيد الله الربعي هذا.
وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/262، وقال: رواه أحمد والبزار بإسنادين، ورجالُ أحد إسنادي البزار رجال الصحيح، وكذلك رجال أحمد . وفي الحديث أيضا : "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله ......." و"من رأى منكم منكرا فليغيره بيده" .. وأحاديث أخرى كثيرة .
(2)- [البداية والنهاية لِابنِ كَثير جُزء (13) / أحداث سنة (666هـ)]. ص 324 ط1 دار أبي حيان 1416 هـ .
والمرزبانيّــة : عمارة خاصة (تكيّــــة) بناها الخليفة الناصر لأهل التصوف في قرية المرزبانية على نهر عيسى ، بالجانب الغربيّ .

"

التعليقات

تعليقك على الموضوع

تم ارسال التعليق