مايكروسوفت.. صراع للعودة إلى مكان ما 'فوق الجميع'

شبكة المدونون العرب -

"

تحاول مايكروسوفت الخروج من مأزقها الذي حشرها فيه بيل غيتس وستيف بالمر، متمثلا في “مايكروسوفت فوق الجميع”. اليوم نحن أمام شركة “تحت الجميع” تحاول تغيير ثقافتها من التنافسية المبالغ فيها إلى حد الاحتكار، إلى ما يطلق عليه ساتيا ناديلا الرئيس التنفيذي الجديد للشركة “الإدارة عبر التعاطف”، واتباع نهج مزدوج من أعلى إلى أسفل ومن أسفل إلى أعلى، عبر مزيد من التوجيه والاستماع، في محاولة للحاق بأبل وأمازون وفيسبوك.
منذ انضمام ساتيا ناديلا إلى شركة مايكروسوفت في عام 1992 “لم يكن لديه وقت” كما يقول للعب كرة الكريكت التي عشقها منذ الصغر. وانحصرت علاقته باللعبة في استراق بعض اللحظات في مكتبه. وفي أوائل عام 2014 كان يلعب بكرة الكريكت في مكتبه في ولاية سياتل الأميركية عندما رن الهاتف وعلم أنه سيصبح الرئيس التنفيذي لمايكروسوفت.
يقول ناديلا دائما إنه تعلم ثلاثة مبادئ عظيمة من اللعبة، وضعها في كتابه الجديد، الذي جاء جزء منه في شكل مذكرات، بينما اشتمل الجزء الآخر على تحليل للتكنولوجيا. وكتب ناديلا عن الحاجة “إلى التنافس بقوة” حتى في المحن، وأن “تضع فريقك أولا”، وعن “الأهمية المركزية للقيادة”، وعلى وجه التحديد، القيادة المتعاطفة.
ويأتي ناديلا، الرئيس التنفيذي الثالث في تاريخ مايكروسوفت، على خطى بيل غيتس وستيف بالمر. وناديلا هو مهندس كهربائي، وجد نفسه غارقا في ما يمكن أن نعتبره معركة لاستعادة حظوظ مايكروسوفت التي كانت في الماضي “فوق الجميع”، أو كما يقول إنه كتب كتابه لمواجهة تحديات التحوّل، بينما هو “في ضباب الحرب حيث لا تزال الأسئلة دون إجابة”.
حلم مايكروسوفت
عندما تولى ناديلا، الهندي المولد، القيادة من ستيف بالمر، كانت مايكروسوفت تخضع لضغط كبير. ومع أن نظام التشغيل ويندوز كان لا يزال في كل مكان عندما تولى إدارة الشركة، إلا أنه ورث شركة تراجعت بلا هوادة ووقعت تحت ظل غوغل وأمازون وفيسبوك وأبل.
ويتمثل التحدي الذي يواجهه في تأمين نجاحات جديدة للمجموعة في قطاع سريع التغير، تظل حالات العودة إلى القمة فيه نادرة، وغير مسبوقة تقريبا بالنسبة لشركات بحجم مايكروسوفت.
في أيامها الأولى كانت مايكروسوفت “بيئة عمل تشهد نشاطا متسارعا، يغذيه عصف ذهني مستمر ومحرك إبداعي”، وكان غيتس المؤسس الذي لا يشبع واللحوح للغاية، في المركز طوال فترة التسعينات من القرن الماضي. كان غيتس يقود الشركة نحو هدفه المتمثل في وضع “كمبيوتر شخصي على كل مكتب وفي كل بيت”. وقد اجتذب الجدل حول شخصه من خلال الهجوم بقوة على منافسيه مستخدما كل أداة متاحة له في شركته المهيمنة.
وأسفرت تلك التكتيكات عن قضية كبيرة لمكافحة الاحتكار في الولايات المتحدة، وكان على مايكروسوفت في وقت لاحق أن تتوصل إلى تسوية لتجنب أن يتم تفكيكها قسرا بأمر من المحكمة.
في السنوات اللاحقة لعام 2000، عندما تولى بالمر منصب الرئيس التنفيذي، أصبحت مايكروسوفت بحكم الضرورة أكثر تعقيدا وأصعب من حيث الإدارة. وفي أوائل ذلك العقد بدأت تتسرب من مقر الشركة في سياتل حكايات حول ثقافة سامة وتنافس داخلي.
وفي الوقت الذي تجاوزتها فيه شركة أبل من حيث الأجهزة، وغوغل في مجال البحث المتنامي، اتُهِم بالمر من قبل بعض المستثمرين بالفشل في العثور على طرق جديدة لاستغلال ماضي الشركة في الكمبيوتر الشخصي والمضي به قدما.
ويقول أندرو هيل، المحلل المتخصص في التكنولوجيا في صحيفة فاينانشيال تايمز “في المرة الوحيدة التي التقيت فيها ناديلا، بعد فترة وجيزة من توليه منصب الرئيس التنفيذي، أغرقني وزملائي الآخرين في الحديث بلغة ومصطلحات التكنولوجيا العصية على الفهم. وهو لا يزال يستخدم تلك اللغة المتخصصة”.
وأضاف “سَمِعْته في وقت سابق يشير إلى وظيفة مايكروسوفت بأنها ‘تقاطع منحنى تحسين التكنولوجيا مع احتياجات العملاء’، لكن يبدو اليوم أنه تعلم كيفية التحدث إلى جمهور عادي”.
ولدى ناديلا استعارة أنيقة لتلخيص “الحوسبة الكمية” وهي المجال الذي يوجد فيه لمايكروسوفت طموحات كبيرة. ويقول “إذا كنت تفكر في مشاكل الحوسبة على أنها متاهة حقل الذرة، فيمكن للكمبيوتر التقليدي معالجة كل مسار، والعودة إلى الوراء عندما يجد الطريق مغلقا أمامه. بالمقابل، الحوسبة الكمية يمكن أن تسلك جميع المسارات في الوقت نفسه، ما يزيد بشكل هائل من قدرة المستخدمين على النفاذ واختراق التعقيد”.
قادة التكنولوجيا
يعترف ناديلا بأن مايكروسوفت تحتاج إلى اتجاه ثابت، لكنه يؤكد أن دوره وموقفه مختلفان تماما عن أسلوب المنافسة المفرطة لدى غيتس وبالمر. يقول إنه خلافا لجميع شركات التكنولوجيا الأميركية الكبرى الأخرى، باستثناء أبل، لا تقاد مايكروسوفت من قبل مؤسسها.
ويؤكد “قيادة المؤسس لا أحد يشك في أنها قيادة قوية، وكأن كل شيء يدور حول هؤلاء المؤسسين، أليس كذلك؟ أعني ماذا تعني أمازون دون جيف بيزوس؟ ما الذي يعنيه فيسبوك دون مارك زوكربيرغ؟ لا يمكن لأحد أن يتخيل ذلك اليوم”.
ويضيف “في حالتي، أنا مجرد رئيس تنفيذي من البشر الفانين، بالتالي مهارات القيادة وأسلوب القيادة يجب أن يكونا مختلفين جدا، على الرغم من أن ستيف بالمر لم يكن أحد المؤسسين، إلا أنه قريب من مكانة المؤسس. لذلك لا أستطيع أن أقول إنني سأتصرف مثل بيل وستيف”. بدلا من ذلك، يقول ناديلا إنه يجمع بين نهج من الأعلى إلى الأسفل ومن الأسفل إلى الأعلى “أي أنه يجمع بين التوجيه والاستماع”.
لكن ثمة اختلافات واضحة بين أسلوب القيادة للرئيس التنفيذي لشركة مايكروسوفت والمطالب التنافسية لعالم التكنولوجيا. ومع ذلك مازال ناديلا يريد أن يقود من خلال هدف “ليس الحسد أو الرغبة في القتال”، ويصر على أن الزمن تغير، “لا يمكنك أن تذهب وتسأل: ما الذي نجح معنا في معركة صفرية (حيث نكسب نحن ويخسر غيرنا) في أوائل التسعينات؟ ثم نقول: دعونا نستخدم هذه الاستراتيجية في سوق الشركات عام 2017”.
أحد مخاوفه عندما تولى رئاسة الشركة “أنه إذا كان ينظر إلينا على أننا منغلقون على أنفسنا، ومشاكسون، ولا نستمع إلى العملاء ونعمل على معالجة احتياجاتهم، وأن همنا الوحيد هو معرفة ما الذي سنجنيه للشركة، فلن يثق بنا أي عميل، ولا أي شخص يشغل منصب كبير الإداريين للمعلومات، ولا أي رئيس تنفيذي. الثقة هي العملة الوحيدة في هذا العمل”.
بالطبع ظلال غيتس الطويلة مازالت تخيّم على مايكروسوفت. على الرغم من أنه تنحى عن رئاسة مجلس الإدارة عندما تولى ناديلا، إلا أنه لا يزال مستشارا في مايكروسوفت وعضوا في مجلس الإدارة. ويتبادل ناديلا رسائل البريد الإلكتروني بانتظام معه، ويشيد بشهيته لتعلم أشياء جديدة.
ويقول محللون إنه من الصعب أن يكون غيتس قريبا من الشركة في الوقت الذي يحاول فيه ناديلا تغيير ثقافتها. يقول ناديلا إن غيتس “منافس نشط، من الدرجة الأولى، ولديه معايير عالية. لقد حقق بالتأكيد الكثير من النجاح في الأعمال من خلال، كما أعتقد، السعي الحثيث لتحقيق أهداف معيّنة، لكن لا نريد أن يُنظَر إلينا من خلال عدسة النجاح الكبير أو السلوك العدواني جدا في جزء من تاريخنا”.
بالنسبة لكثير من مراقبي مايكروسوفت، اللحظة التي ترمز إلى الابتعاد عن هذا التاريخ جاءت في مؤتمر عام 2015 عندما استخدم ناديلا جهاز آيفون لإثبات كيفية عمل تطبيقات مايكروسوفت على جهاز من منافستها اللدودة أبل. كان ذلك إشارة إلى أن ناديلا الآن مرتاح مع دور مايكروسوفت الجديد باعتبارها “صانعة أدوات”، وتوفير المنتجات للجميع. ويبدو أن المستثمرين يحبون هذه الاستراتيجية، فقد ارتفعت أسهم مايكروسوفت خلال فترة ناديلا. المبيعات في الحوسبة السحابية والاشتراكات آخذة في الازدياد حتى مع الضغط على الإيرادات من الأعمال الأساسية القديمة لاشتراكات البرامج.
يقول ناديلا إنه يريد تغيير عقلية مايكروسوفت من ثقافة “ثابتة” تعرف كل شيء إلى “عقلية نمو”، منفتحة على التعلم وتحاول تجربة أساليب جديدة. لكن هذا لا يعني تخلص مايكروسوفت نهائيا من جوهرها التنافسي الشرس، إذ يقول ناديلا “إذا رأيت إعلان سيرفيس (كمبيوتر لوحي متعدد الاستخدامات من إنتاج مايكروسوفت)، ستعرف أننا نتنافس ضد آيباد. إذا رأيت إعلاناتنا عن سحابة المبيعات، ستعرف أننا نتنافس بشراسة مع أمازون”.
أما بالنسبة لصلابته، فهو يقول إن التغيير إلى ثقافة أكثر تعاونية لا يعني أنك يمكن أن تتجنب اتخاذ قرارات صعبة. مثلا، استبدل معظم أفراد فريق العمل الأعلى عندما تولى منصبه، وقرر بسرعة شطب قيمة شراء أعمال الهاتف نوكيا في الأيام الأخيرة لفترة بالمر، وترتّب على ذلك تسريح الآلاف من العاملين. يقول “الحاجة إلى التعاطف يجب ألا تلغي حاجتك إلى إتخاذ قرارات صعبة، لكن عليك تنفيذ تلك القرارات بتعاطف”.
لا خوف من الأتمتة
تعاني شركات التكنولوجيا الكبيرة من الانقطاع عن مستخدميها بسبب مخاوفهم حول خصوصية البيانات والأمن وظهور الروبوتات وانخفاض احتمالات العمل لديهم. وعلى نحو متوقَّع، ناديلا متفائل بالتكنولوجيا. يجادل بأن الذكاء الاصطناعي سوف يولد وظائف جديدة غير متصورة، استنادا إلى أكثر سماتنا البشرية.
ويشير إلى “اختصاصي التعاطف” باعتبارها واحدة من هذه الوظائف. ومن المؤكد أن الشركات والحكومات سوف توَدِّع بشكل جماعي التهديد الذي تفرضه الأتمتة على الوظائف. لكن عندما يطلب منه اختيار سياسات جديدة، مثل دفع دخل أساسي عالمي، فإنه يمتنع. يقول “كل هذه مجرد أفكار، في سلة ملأى بالأفكار”.
هل يمكن لأشخاص أو منظمات تخريب رؤيته المتفائلة للعمل الجماعي لعلاج الآثار الجانبية للتقدم التكنولوجي؟ يقول بحذر “علّّمَنا التاريخ أن هناك شرا. وعلَّمَنا تاريخنا أيضا أن الشر لا يسود، لكنه يُحدِث الكثير من الأضرار”.

"

التعليقات

تعليقك على الموضوع

تم ارسال التعليق