للإبداع في أستراليا مزاجه

الكاتبة: أمان السيد - سوريا

الكاتبة: أمان السيد - سوريا

شبكة المدونون العرب - الكاتبة: أمان السيد - سوريا

"

بعض الناس لا يتمالك نفسه من أن يشهق حين تخبره أنك اتخذت من أستراليا وجهتك للإقامة، أما أسباب ذلك الانطباع، فتتعدد في تحليلاتها، ويحكى فيها الكثير، من مثل الاضطرار إلى ركوب طائرة تحلق فوق محيطات، وبحار ذكرها يصيب القلب بالارتعاش، وكون أستراليا تشكّل جزيرة تكثر فيها الغابات، وما أدراك ما يستحضر تصوّر أمر مثل ذلك من الزواحف، والحيوانات الخطرة!
بالطبع سيكون موقع أستراليا البعيد جدا هو الباعث الأول لتلك الدهشة، والاستنكار، ويليه ما يدور حولها من الأسئلة التي قد تشبه لغزا يجهد الفكر في حله، ولكنّ من يطأون تلك الأرض هم وحدهم الذين يستطيعون أن يبوحوا لك بمكامن الروعة، و الهدوء، والاطمئنان والتنوع الذي يغري المرء بالعيش هناك، وغضّ النظر بعدها عن المسافات البعيدة، والساعات التي يقضيها المسافر في السماء، وإلا لما اشتاقها مغادرُها، ورجع سريعا إلى أحضانها.
بم تراه يبدأ المتحدث؟ هل بما يصافح ناظريه من مساحات الاخضرار، أم بما يبللهما من مياه المحيطات والبحار التي تحوط تلك القارة وتحنو عليها، أم بأرتال الطيور المتنوعة الألوان، والأشكال والأصوات التي تغدو صديقة المقيم هناك تتنفّسُ ما يتنفّسُ، وتصغي إلى حديثه اليومي، بل وتشاركه إياه حتى لا يستطيع إلا أن يعتبرها من ضمن تشكيلاته الحياتية والإنسانية، حيث إن رؤية أسراب الطيور تتجول حولك مبتدئة معك الصباح، وخاتمة معك مساءك، مشهد يألفه المُطيلُ مقامَهُ مع تقادم الزمن، غير أنه لا يمكن إلا أن يستثير قادما هابطا من جديد في المكان، ولا سيما إن اصطحبتهُ روحٌ تُغرم بالجمال والتنوع، وتلهث في ثناياه.
أستراليا التي لا يمكن اتّقاء مزاجها المتبدّل في اليوم أكثر من مرة ما بين تقلّب في الجوّ إلى حرارة شديدة، ثم برودة لطيفة، وزوابع أحيانا يصاحبها قرّ شديد، وندفُ ثلج في أحايين أخرى، تتابعاتٌ لها حسناتها التي منها أنه  يدفع المرء إلى أن يكون منتعشا باستمرار، وذا تصرفات لا تعرف الحدّة، ولا الرتابة المنفّرة، لذا يلاحظ أن البرود  ديدنُ تصرفات مواطنيها، فهم يتخلّون في مجملهم عن الطبائع الانفعالية التي اجتلبوها معهم من منابتهم المختلفة، ويذكر في هذا السياق العرب الموصومون بذلك، يضاف إلى ذلك أنّ الأستراليين أنفسهم معروفون بردّات فعلهم الهادئة ذات النفس الطويل، ثمّ إنه بعد فترة يدرك القادم ذو الطبع الّلحوح أنّ معاملاته التي ينتظرها يجب عليه تجاهها أن يضع نفسه في قالب ثلجيّ، فاندفاعه وإلحاحه لن يفيدا شيئا في تسريع ما ينتظر من معاملات، لأنّ العرف السائد هناك هو الانتظار الذي يعتبر طبيعيّا جدا، ولكنه في النهاية مقطوفُ الثمار.
اكتشاف هذه القارة الذي جاء متأخرا حدث معروف للجميع، فعندما وصل إليها الرجل الأبيض البريطاني دمغها ببصمة اكتشافه، متقصّدا إلغاء حياة سبقت كانت تنبض بين الأبروجينيين سكانها الأصليين، ذاك الشعب البدائي البسيط الذي حتى اليوم يُؤثِر عدم مخالطة المزيج الإنساني الشاسع الوارد على تلك الدولة القارة من اليابانيين، والصينيين، والكوريين، والفيتناميين، والهنود، والأفغان، والعرب المنسكبين فيها من آسيا، وأفريقيا، إلى ما يتعدّاهُ من متنوعات أدّت إلى نشوء حضارة جميلة عنوانها الثراء الذي هو نتاج الاختلاف فوق أرض مثيرة حقا.
والأبروجينيون الذين انتشروا في الغابات الممطرة متخذين منها سكنا، ومقرّا محبّبا يدينون بالفضل لتلك الغابات فيأبون مفارقتها، إلا قلة منهم رغم محاولات الدولة الدؤوب في دمجهم بالمجتمع المستحدث. الغابات تلك المؤتمنة عليهم ما تزال تشعرهم بالسلام، فهي التي وهبتهم حياة طليقة تشاركوها مع كائنات حية أخرى من حيوانات، وطيور، وأشجار، وما يخفتُ في إبصاره عن العين البشرية، ولم يكن في بال الأبروجينيل أن يقيموا، أو يشيدوا أبنية، ومصانع، وجسورا، وحدائق،  بينما عمل الغازي، أو الفاتح الأبيض على ذلك، وما يزال في إعمار يتزايد باستمرار تبدو شواهده واضحة في البنايات القديمة الضيقة التي تحرص الدولة على تأريخ عمرها في واجهتها إلى جانب ما يقام من المعالم العمرانية الحديثة.
وتتميز مدن أستراليا بأحياء ممتدة تكثر فيها فيلات من طابقين تحمل بسقوف قرميدها الأحمر طابع البناء الإنكليزي المهيمن حتى اليوم، وهي محاطة بالنباتات ذات الألوان المبهجة، ترافقك معها أنى اتجهت روائح أزهار اللافندر والتوليب المعرشة على الأسوار، وأشجار الجكرندا التي تتراصف على جوانب الطرقات حيث يتصدر اللون البنفسجي الأخّاذ المشهد، ويندر هناك أن تجد بيتا عاريا إلا من حديقة تحيط به، أو تمتد أمامه تكون مرتعا للأطفال قريبا من عائلاتهم، رغم أن كل حي قد خصصت له حديقة عامة ممهدة للتريض، تكون في الوقت نفسه مسرحا للببغاوات وطائر أبي منجل ذي المنقار الذي يذكرك بمنجل الحصاد، طائر وجدت له نقوش واضحة في مدافن الفراعنة المصريين، كل ذلك يجري تحت رعاية حكومة تعي جيدا قيمة التعددية الثقافية بين رعاياها حيث ترخي البساط  لهم بذكاء في ممارسة حريات واضحة، تجاورت من خلالها أماكن عبادة الهندوس، مع الكنائس وظهور بادٍ للمساجد بمآذنها  في أكثر من مكان، مما يضفي جمالية، وتناغما وأمنا ملموسا، ومُعاشا في قارة تحملك حقا على الانبهار، والتأمل، والانسياب بسعادة وصفوٍ، إضافة إلى اكتساب خبرة قلّ أن تُكتسب في أمكنة أخرى .
ومما يجدرُ ذكرهُ أيضا أن أستراليا لا تعتمد على الآثار التي لم يكن في بال شعب بسيط كالأبروجينيل تشييدها هبة للأجيال القادمة، ومَرَدّ ذلك ثقافة لشعب يتمسّك بفضاء الغابات التي نبت منها، اللهمّ إلا إنِ اعتبرنا النّقوش الأبرجينية الرائعة الفائقة الرهافة ذات الأشكال الدائرية، والبريق الناري، والأزرق البحري على الصخور، وموسيقاهم الخاصة بعضا من تلك الآثار، كمثل تلك التي نقشوها على الصخرة العملاقة الشهيرة " أولورو" المدرجة في اليونسكو على مواقع التراث العالمي، والتي تقع وسط أستراليا في الجزء الجنوبي الغربي من الإقليم الشمالي، وترتفع إلى 876 م، فوق سطح البحر بالغا طولها أكثر من 2,4 كم، وعرضها  1,6كم، ومحيط قاعدتها 8 كم، تلك الصخرة التي  تُشبّه بسحلية ضخمة قد يكون استقاء تشبيهها من مُدرك حسيّ هو واحدة من العلامات لتلك القارة، في حين تعتبر تلك الصخرة من الأعاجيب حين يتتبّعُ زائرها تحوّل وانقلاب ألوانها تبعًا لأوقات اليوم والسنة، وأحوال الجوّ، فمرة تصطبغ بحمرة الشفق، ومرة ببرتقال الشمس، ومرة بفضة مطر يغدق عليها حبّا ووَلَهًا يَندرُ سقوطه في المكان الذي وجدت فيه، وقد يكون ذلك الجمال اللامتناهي الذي يأتيه السياح للتمتع والتّسلّق هو ذاته الذي استأثر بمشاعر السكان الأصليين هناك، فجعلهم ينسبون القداسة إلى تلك الصخرة، ويجهدون لمنع السياح من تسلّقها لا سيما حين تصدر عن بعضهم بعض التصرفات المستهجنة كالتعرّي حين يعتلون قمتها، وهنا من الممكن تلمس أثر الثقافة الإنسانية المشتركة بين البشر في احترامهم لقداسة الطبيعة، وربطها بالخالق، واستهجان الإباحية حولها رغم تنافرهم في الخلفيات، والديانات، والمعتقدات.
 ولعل الحديث عن السحلية الأسترالية الأليفة  ذات اللسان الأزرق في خاتمة هذا العرض تأتي كإضافة لطيفة باعثة على الدفء تجاه مخلوق هو نوع من الزواحف التي يعتبرها سكان أستراليا فألا حسنا حين يصادفهم، فلا يعتدون عليها بالقتل، وإن أحبت زيارة حدائقهم فهي المُرحّب بها، تُداعب بطيبة، ويُخلى لها الطريق للمرور، والمشهد الذي لا ينسى الذي يحرك كوامنك على حين غرّة التقاط أذنك حديثا ذا صخب بين طائر صغير وسحلية عابرة، وأنت جالس على شرفتك تستمتع بفنجان قهوتك الصباحية.

"

التعليقات

تعليقك على الموضوع

تم ارسال التعليق